‘إن موضوع حق العودة للعرب الذين هربوا أو طُردوا من البلاد زمن حرب الاستقلال وأصبحوا لاجئين في يهودا والسامرة وفي الدول العربية يُثار للنقاش من آن لآخر، لكنه يُدفع في واقع الامر الى الهامش الى درجة أنه يصبح موضوعا غير مهم عند حكومات اسرائيل، بسبب حساسيته السياسية، رغم أنه اليوم أهم موضوع في التفاوض بين دولة اسرائيل والسلطة الفلسطينية. وتُطرح بطبيعة الامر أعداد مختلفة تكون داحضة احيانا، في تقدير عدد اللاجئين الذين يُستحسن أن تعترف اسرائيل بهم وتستوعبهم، في اطار حق العودة الذي قد يفضي الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين. ولما لم توجد الى الآن أية جهة حاكمة ذكرت معطى رسميا، يمكن أن نحاول فقط أن نُقدر على أساس جغرافي طاقة الاستيعاب الحقيقية للاجئين فلسطينيين في دولة اسرائيل. ويمكن أن يكون هذا التقدير في المستقبل معطى واقعيا لحل مشكلة سياسية (داخلية وخارجية) وانسانية موجودة منذ عشرات السنين. يمكن أن نفرض مسبقا أن استيعاب اللاجئين يمكن أن يتم في بلدات عربية فقط، خاصة بلدات كبيرة في كل واحدة 5 آلاف نسمة وأكثر، يفترض أن تكون فيها بنية تحتية معقولة لزيادة عدد السكان. ويمكن أن نفرض ألا تنشأ بلدات جديدة لاستيعاب اللاجئين، ربما اذا استثنينا إقرث وبرعم في الجليل الأعلى اللتين طُرد سكانهما وقت حرب الاستقلال، ورغم أن السلطات آنذاك وعدتهم بأن يعودوا الى قريتيهم بعد انتهاء المعارك، لم يتم الوفاء بالوعد الى اليوم. ولن يتم استيعاب لاجئين في مدن مختلطة مثل تل ابيب وحيفا واللد والرملة كي لا يزيد فيها التوتر بين اليهود والعرب حدة. ينبغي في ضوء هذه الفروض أن نفحص عن النظام السكني العربي القائم: فبين نحو من 115 بلدة عربية موجودة في دولة اسرائيل في داخل الخط الاخضر، توجد 12 منها فقط فيها 5 آلاف نسمة وأكثر (بحسب معطيات المكتب المركزي للاحصاء في سنة 2011)، أي أن عدد البلدات القادرة على استيعاب اللاجئين قليل جدا هذا الى أن أكثرها فيها بنية تحتية مادية مدنية في مستوى متوسط وتحتاج الى تحسينها لهذه الغاية. وينبغي أن نضيف الى ذلك اكتظاظ السكان في هذه البلدات. فكلما كان اكتظاظ السكان في الكيلومتر المربع الواحد أصغر زادت القدرة على استيعاب اللاجئين وبالعكس.’وكي نُقدر نسب اكتظاظ السكان في البلدات المقصودة العربية لاستيعاب اللاجئين، ينبغي أن نقارنها بنسب الاكتظاظ في البلدات اليهودية في الدولة التي تساويها عددا الى النسبة القصوى وهي 70 ألف نسمة كعدد سكان الناصرة، التي هي أكبر مدينة عربية في اسرائيل. وهذا مهم لتحديد قدرة كل بلدة عربية على استيعاب اللاجئين. إن حساب معدل اكتظاظ السكان في الـ63 بلدة اليهودية، التي تقع بين 5 آلاف الى 70 ألف نسمة يُظهر معدل 2802 نسمة لكل كيلومتر مربع. وبين البلدات مدن تطوير أُسست في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وكانت تشبه آنذاك بلدات لاجئين، وكذلك بلدات قديمة أُضيف إليها لاجئون جدد. إن المقارنة بين اكتظاظ السكان في كل واحدة من الـ12 بلدة العربية التي قد تكون هدفا لاستيعاب اللاجئين، ومعدل اكتظاظ السكان في البلدات اليهودية تُبين أنه في 3 منها، وهي أبو غوش والناصرة وباقة الغربية الاكتظاظ أكبر من معدل الاكتظاظ في بلدات يهودية مشابهة، والبلدات العربية التسع الكبيرة نسبيا، وهي أم الفحم والطيبة والطيرة وطمرة وكفر قاسم والمغار وسخنين وعرابة وشفا عمرو ذات قدرة على استيعاب عام يبلغ نحوا من 160 ألف لاجئ. ازاء هذا المعطى سيوجد بيقين كثيرون في حلقات اليمين في اسرائيل يقولون إن ذلك الامر غير مأخوذ بالحسبان، وإنه لا يجوز لأي لاجئ أن يُستوعب في اسرائيل بسبب وجود خطر أن تفقد الدولة صبغتها اليهودية، وسيزعمون في حلقات اليسار في مقابل ذلك أن هذا العدد صغير جدا، لكنه أفضل من رفض مطلق لاستيعاب لاجئين فلسطينيين. وسواء أكان هذا المعطى معقولا مقبولا عند متخذي القرارات في الحكومة، ومديري التفاوض مع الفلسطينيين وعند الجمهور أم لا، فان من المهم أن نذكر أنه يقوم على حساب منهجي لعناصر جغرافية مدنية وسكانية مُحدثة، ويمكن أن يكون ممهدا لتباحث لأنه يعتمد على فئة سكانية ذات صلة، وعلى مساحة بلدية قائمة وعلى العلاقة بينهم. وهو على كل حال أفضل من كل معطى افتراضي دُحض في الماضي يتعلق بعدد اللاجئين في المباحثات في حق العودة. ومع ذلك ينبغي أن نتذكر أنه تسلل الى اسرائيل في السنوات الاخيرة نحو من 55 ألف انسان من السودان واريتريا يتجولون في المدن بلا عمل ولا يُضيفون شيئا الى مستقبل دولة اسرائيل، ولا الى صورتها في الفضاء الدولي ايضا، بيقين. وفي مقابل ذلك فان 160 ألف لاجئ فلسطيني فقط أو عددا لا يقل عن هذا كثيرا يتم الحصول عليه بتفاوض جدي ويتم استيعابهم في اسرائيل بالتدريج في مدة السنوات العشر القريبة، قد يغيرون العلاقات المتبادلة بين اسرائيل والفلسطينيين، وبين اسرائيل والعالم العربي كله، بل قد يفضون الى عقد اتفاق سلام في منطقتنا. ويبدو أن عدد اللاجئين هذا ثمن رخيص نسبيا فهو يشبه ‘ثمن نهاية الموسم’ نهاية موسم الانتفاضات والعمليات العسكرية التي لا نهاية لها.
‘ أستاذ كرسي متقاعد للجغرافيا في جامعة تل ابيب وفائز بجائزة اسرائيل في بحوث الجغرافيا هآرتس 30/9/2013