أنقرة‭ ‬لن‭ ‬تخسر‭ ‬موسكو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إدلب‭: ‬روسيا‭ ‬تنتقم‭ ‬في‭ ‬‮«‬جبين‭ ‬وتل‭ ‬ملح‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬الخسائر‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬حماة

حجم الخط
0

أنطاكيا‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬‏لاحظ‭ ‬مراقبون‭ ‬حجم‭ ‬الثقل‭ ‬الروسي‭ ‬اللافت‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬الشمال‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وربما‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬لعب‭ ‬الدور‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬تمكن‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬السيطرة،‭ ‬أخيراً،‭ ‬على‭ ‬قريتي‭ ‬جبين‭ ‬وتل‭ ‬ملح‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬حماة‭ ‬الشمالي‭ ‬الغربي،‭ ‬بعد‭ ‬هجوم‭ ‬بري‭ ‬هو‭ ‬الأعنف،‭ ‬براً‭ ‬وجواً،‭ ‬وأشرك‭ ‬الروس‭ ‬ميليشيات‭ ‬مسلحة‭ ‬عديدة‭ ‬تابعة‭ ‬لها،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬قوات‭ ‬النمر‮»‬‭ ‬و«الفيلق‭ ‬الخامس‮»‬،‭ ‬وتحدثت‭ ‬تقارير‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬مشاركة‭ ‬الفرقة‭ ‬الرابعة‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭.‬
‏وعزا‭ ‬محللون‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬التعويض‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬الطرف‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬المعارك‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬لهذا‭ ‬بعض‭ ‬التأثير،‭ ‬لكن‭ ‬بدا‭ ‬الروس،‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬متعطشين‭ ‬لإحراز‭ ‬أي‭ ‬تقدم‭ ‬ميداني،‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬لقاء‭ ‬أستانة،‭ ‬وبعد‭ ‬تعثر‭ ‬التقدم‭ ‬الميداني‭ ‬والخسائر‭ ‬الفادحة‭ ‬التي‭ ‬تكبدتها‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬شهرين‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬المعارك،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬الجوي‭ ‬الهمجي‭ ‬المكثف،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬النظام‭ ‬استعاد‭ ‬قريتي‭ ‬تل‭ ‬ملح‭ ‬والجبين‭ ‬وهما‭ ‬أشبه‭ ‬بكومة‭ ‬من‭ ‬الركام،‭ ‬وبدت‭ ‬إستراتيجية‭ ‬عناصر‭ ‬النظام‭ ‬أنهم‭ ‬يقضمون‭ ‬القرى‭ ‬والبلدان‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يحولوها‭ ‬إلى‭ ‬أنقاض،‭ ‬والنظام‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬السيطرة‭ ‬هذه‭ ‬استعادة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬ولا‭ ‬الإبادة‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬السكان‭. ‬
وما‭ ‬يمكن‭ ‬تأكيده،‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬محللون،‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬والروس‭ ‬سيستمرون‭ ‬في‭ ‬إخضاع‭ ‬إدلب،‭ ‬بلدة‭ ‬بلدة،‭ ‬حتى‭ ‬يبسطوا‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬فيها‭ ‬حجر‭ ‬على‭ ‬حجر‭.‬
‏وقد‭ ‬أظهر‭ ‬الثوار‭ ‬استماتة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬مع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الهجمات‭ ‬الأرضية،‭ ‬وعطَلوا‭ ‬بهذا‭ ‬استعادة‭ ‬ميليشيات‭ ‬النظام‭ ‬لها،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بإمكانهم‭ ‬الذهاب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬بسبب‭ ‬فارق‭ ‬الإمكانات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وما‭ ‬يهم‭ ‬الروس‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬هو‭ ‬تجنب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬البشري‭. ‬
‏تبدو‭ ‬روسيا‭ ‬وكأنها‭ ‬تستعجل‭ ‬الحسم‭ ‬بتحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬ميداني‭ ‬يحاصر‭ ‬المعارضة‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬مربعهم‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬وإدلب‭ ‬هي‭ ‬عقدتها‭ ‬العسكرية‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬الثوار،‭ ‬واستعادتها‭ ‬وتمكين‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬بسط‭ ‬سيطرته‭ ‬عليها‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يشغلها‭ ‬عسكرياً‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬لكن‭ ‬تريد‭ ‬قضماً‭ ‬تدريجياً‭ ‬لإدلب‭ ‬تفادياً‭ ‬لأي‭ ‬استنزاف‭ ‬ورعاية‭ ‬لشريكها‭ ‬في‭ ‬‮«‬أستانة‮»‬،‭ ‬تركيا،‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬التصعيد‭. ‬
وهنا،‭ ‬يرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬أنقرة‭ ‬لن‭ ‬تخسر‭ ‬موسكو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إدلب،‭ ‬واعتماد‭ ‬تركيا‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يتأثر‭ ‬بأي‭ ‬محرقة،‭ ‬ولن‭ ‬يضعف‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬حرق‭ ‬بوتين‭ ‬لمناطق‭ ‬في‭ ‬ريفي‭ ‬إدلب‭ ‬وحماة‭. ‬
وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني،‭ ‬وفقاً‭ ‬لمراقبين،‭ ‬أن‭ ‬تركيا‭ ‬مستعدة‭ ‬للتضحية‭ ‬بتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬ونفوذها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬المحاذية‭ ‬لحدودها‭ ‬الجنوبية‭ ‬مع‭ ‬سوريا،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يهمها‭ ‬حزام‭ ‬أمني‭ ‬يصد‭ ‬عنها‭ ‬الهاجس‭ ‬الكردي‭ ‬ويحمي‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تمدد‭ ‬كردي،‭ ‬وقد‭ ‬يقوم‭ ‬النظام‭ ‬والروس‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة،‭ ‬وتعتبرها‭ ‬روسيا‭ ‬ورقة‭ ‬هامة‭ ‬في‭ ‬جعبتها‭ . ‬‏
وما‭ ‬هو‭ ‬واضح،‭ ‬أن‭ ‬الارتباط‭ ‬التركي‭ ‬بالروس‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬أثر‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تعامل‭ ‬أنقرة‭ ‬مع‭ ‬المحرقة‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الثوار‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وظهر‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ ‬الكيماوي‭ ‬على‭ ‬دوما‭ ‬في‭ ‬2018،‭ ‬وانكشف‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬القصف‭ ‬الهمجي‭ ‬على‭ ‬ريفي‭ ‬إدلب‭ ‬وحماة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭. ‬وقد‭ ‬أوضح‭ ‬فلاديمير‭ ‬دزاباروف،‭ ‬النائب‭ ‬الأول‭ ‬لرئيس‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬الدولية‭ ‬بمجلس‭ ‬الاتحاد،‭ ‬كما‭ ‬نقل‭ ‬عنه‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬المونيتور‮»‬‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أن‭ ‬أنقرة‭ ‬‮«‬أثبتت‭ ‬أنها‭ ‬شريك‭ ‬موثوق‭ ‬لموسكو‮»‬‭. ‬
وربما‭ ‬أمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العلاقات‭ ‬الروسية‭ ‬التركية‭ ‬قد‭ ‬تعافت‭ ‬تماماً‭ ‬بعد‭ ‬أزمة‭ ‬الطائرات‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬وهذا‭ ‬التقدير‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬عليه‭ ‬بعض‭ ‬التوتر‭ ‬العابر‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭. ‬
فالعلاقات‭ ‬بينهما‭ ‬توثقت‭ ‬وتعمقت،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬شراء‭ ‬تركيا‭ ‬لنظام‭ ‬الصواريخ‭ ‬الروسية‭ ‬S-400‭ ‬المضاد‭ ‬للطيران،‭ ‬إذ‭ ‬تتطلع‭ ‬موسكو‭ ‬وأنقرة،‭ ‬الآن،‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬التعاون‭ ‬الثنائي‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العسكري‭ ‬كحلفاء‭ ‬إستراتيجيين‭ ‬قد‭ ‬يعوض‭ ‬حضورهما‭ ‬تراجع‭ ‬الدور‭ ‬الأمريكي‭.‬
‏وتخشى‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أيَ‭ ‬تصعيد‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬مع‭ ‬الروس‭ ‬قد‭ ‬يخاطر‭ ‬بوجودها‭ ‬العسكري‭ ‬‮«‬الضعيف‮»‬‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬ولهذا‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬بعض‭ ‬التوتر‭ ‬مع‭ ‬الروس‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الليونة‭ ‬وبعض‭ ‬تصريحات‭ ‬الإدانة،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أي‭ ‬تحرك‭ ‬يمس‭ ‬بخريطة‭ ‬النفوذ‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬أنقرة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬موسكو‭ ‬لتسهيل‭ ‬حصار‭ ‬الأكراد‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التمسك‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالوحدات‭ ‬الكردية،‭ ‬فحساباتها‭ ‬معقدة‭ ‬ومتشابكة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬إلا‭ ‬المصلحة‭ ‬القومية‭ ‬التركية‭ ‬أولاً‭ ‬وأخيراً،‭ ‬قبل‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬المعارضة‭ ‬والنظام،‭ ‬وهي‭ ‬ملتزمة‭ ‬بالعمل‭ ‬والتنسيق‭ ‬والارتباط‭ ‬بالروس‭ ‬لضمان‭ ‬وتأمين‭ ‬مصالحها،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تحدث‭ ‬الباحث‭ ‬آرون‭ ‬شتاين،‭ ‬مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بمعهد‭ ‬أبحاث‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬إلى‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬لوس‭ ‬انجلس‭ ‬تايمز‮»‬‭ ‬الأمريكية،‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬القلق‭ ‬المستمر‭ ‬لاردوغان‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الطائرات‭ ‬المقاتلة‭ ‬المارقة‭ ( ‬الانقلاب‭) ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬لتطارده‭ ‬أو‭ ‬قادة‭ ‬أتراك‭ ‬آخرين‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬ساعد‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬صفقة‭ ‬صواريخ‭ ‬S400‭ ‬المضادة‭ ‬للطائرات‭. ‬وأضاف‭: ‬‮«‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الموت‭ ‬تتغير‭ ‬رؤيتك‭ ‬للحياة،‭ ‬ولا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬اردوغان‭ ‬فريد‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭…‬ولذلك‭ ‬اعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يدرك‭ ‬تماماً‭ ‬قيمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قبل‭ ‬15‭ ‬يوليو‭ ‬2016‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬ممَا‭ ‬جعله‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬ببوتين‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية