أنقرة تتعامل بـ «حذر» مع قرار واشنطن الانسحاب من سوريا وتضع في حساباتها سيناريوهات أسوأ

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول – «القدس العربي» : على الرغم من الانطباع العام بأن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية بشكل كامل من سوريا يصب بالدرجة الأولى في مصلحة تركيا، إلا أن الحسابات السياسية والأمنية في أنقرة تبدو أعقد من ذلك بكثير، حيث يتم التعامل مع التحولات المتسارعة بحذر عالٍ جداً ويجري الاستعداد لسيناريوهات ربما تكون أسوأ مما كانت عليه الأوضـاع في السـابق.
وبشكل عام، يعتبر الانسحاب الأمريكي من شمال وشرقي سوريا «خطوة متقدمة جداً» بالنسبة لتركيا لما يعنيه ذلك من رفع الغطاء السياسي والحماية العسكرية عن وحدات حماية الشعب الكردية التي تسعى لإقامة كيان منفصل على قرابة ربع الأراضي السورية وعلى امتداد الحدود مع تركيا وهو ما تعتبره أنقرة الخطر الأكبر على أمنها القومي.
لكن الأهم من مبدأ الانسحاب الأمريكي بالنسبة لتركيا هو الآلية التي سيجري فيها هذا الانسحاب الذي يبدو جدياً هذه المرة، وهل سيكون ذلك باتفاق ما مع روسيا أو تفاهمات معينة مع أنقرة أم أنه سيكون عشوائياً ويترك الأطراف المتنازعة في سوريا تتنافس فيما بينها على ملء الفراغ الأمريكي.

بانتظار فهم خطة ترامب ونتيجة الاتصالات مع روسيا وإيران

وكانت أنقرة ترغب على الدوام في انسحاب أمريكي تدريجي بعد إقامة مجالس محلية تمثل التركيبة السكانية وتحافظ على أمن تلك المناطق بعيداً عن عودة النظام السوري في هذه المرحلة بالحد الأدنى، كون ذلك يعطي أفضلية لإيران ويمكنها من التمركز على الحدود التركية.
وحتى الآن لا يبدو على الإطلاق أن القرار الأمريكي جاء كبادرة جيدة تجاه تركيا، أو أنه تم اتخاذه بتنسيق مع تركيا سياسياً وعسكرياً، رغم أن القرار جاء بعد أيام من اتصال هاتفي هام جرى بين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ونظيره دونالد ترامب تركز حول الملف السوري.

«فحوى الاتصال»

فحسب مصادر مقربة من الرئاسة التركية لـ»القدس العربي» عن فحوى الاتصال، فإن اردوغان أبلغ ترامب بأن بلاده ستقوم بالقريب العاجل بعملية عسكرية في مناطق محددة من شرقي نهر الفرات شمالي سوريا وأكد أن أنقرة لا تستهدف القوات الأمريكية وطلب من الجانب الأمريكي تشكيل غرفة تنسيق لمنع الصدام أو وقوع أخطاء عسكرية قد تؤدي لإصابة عناصر من القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، فكان رد ترامب على اردوغان أن طلب منه الانتظار لأيام عدة فقط كونه بصدد اتخاذ «قرارات هامة جداً» خلال الأيام المقبلة، دون الكشف عن طبيعة هذه الخطوة التي تبين لاحقاً أنها تتعلق بقرار الانسحاب الكامل من سوريا.
ويستخلص من ذلك أن الخطوة الأمريكية لا تجري حتى الآن بتنسيق واضح مع الجانب التركي، وما يرجح ذلك أيضاً أن وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو سارع عقب قرار ترامب للاتصال بنظيره الأمريكي مايك بومبيو للاستيضاح عن القرار الأمريكي، فيما لم يصدر موقف رسمي تركي إلى الآن حول قرار ترامب في إشارة إلى أن المستوى السياسي التركي لم يبلور موقفه بعد.

سيناريوهات أخرى

وبينما يجمع المستويان السياسي والعسكري في تركيا على أن لا خطر استراتيجياً يوازي فكرة إقامة كيان انفصالي كردي في شمالي سوريا، إلا أنهم يخشون من سيناريوهات أخرى ربما تكون أسوأ مما هي عليه الآن وتعيد الفوضى للحدود السورية مع تركيا كما حصل في بدايات الأزمة السورية قبيل سنوات.
وتخشى تركيا من أن يؤدي انسحاب أمريكي سريع من شرقي نهر الفرات شمالي سوريا إلى اضطرارها للدخول في صراع مع روسيا و»حلفائها» من إيران والنظام السوري الذين سيسعون بالدرجة الأولى لسد الفراغ الأمريكي ومنع تركيا من توسيع نفوذها داخل الأراضي السورية.
ومن غير الوارد أن تخطط تركيا لغزو مناطق تواجد الوحدات الكردية كافة كون تلك المنطقة واسعة جداً وتمتد على طول قرابة 500 كيلومتر، وستكون هذه المهمة أسهل على النظام السوري وحلفاءه، لا سيما أن إيران المنافس الأبرز لتركيا في سوريا.
كما تخشى أنقرة سيناريو آخر يتعلق باتفاق سريع ربما يجري بين الوحدات الكردية والنظام السوري يسمح بدخول الأخير لكافة مناطق نفوذ الوحدات الكردية في إطار اتفاق لا يراعي المخاوف الأمنية والاستراتيجية التركية، إلى جانب أن ذلك يعقد من إمكانية قيام الجيش التركي بعمليات عسكرية في تلك المناطق.
يضاف إلى هذه التخوفات، سيناريو أسوأ سوف تعمل تركيا بكل ثقلها السياسي من أجل منع حصوله، وهو انسحاب القوات الأمريكية دون استرداد الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي منحتها واشنطن للوحدات الكردية طوال السنوات الماضية، حيث تقول تركيا إن أمريكا منحت الوحدات آلاف الشاحنات المحملة بالأسلحة المتقدمة التي كان وجود القوات الأمريكية يضبط طريقة استخدامها، وفي حال الانسحاب سيتمتع التنظيم بحرية أكبر في استخدام الأسلحة التي ربما تصل كميات كبيرة منها إلى مسلحي «بي كا كا» داخل تركيا والعراق وتشكل تهديداً أمنياً أكبر على تركيا.
وفي إطار هذه التخوفات، يتوقع أن تسعى تركيا خلال الأيام المقبلة لتعزيز اتصالات مع روسيا وإيران في محاولة للتوصل إلى تفاهمات تتعلق بطريقة ملئ الفراغ الأمريكي في شرقي نهر الفرات شمالي سوريا مع الأخذ بعين الاعتبار التخوفات الاستراتيجية التركية.

الموقف الإيراني

وفي مؤتمر صحافي مع نظيره الإيراني حسن روحاني الذي يزور أنقرة، ، قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إن «هناك الكثير من التدابير التي يمكن لتركيا وإيران اتخاذها معاً لإنهاء المعارك في المنطقة وإرساء السلام»، فيما اعتبر روحاني أن «وحدة أراضي سوريا يجب أن تحترم من كل الأطراف».
وبينما جدد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار تهديداته، الخميس، بمهاجمة الوحدات الكردية في منبج وشرقي نهر الفرات «ودفن المسلحين الأكراد في الخنادق التي يحفرونها»، يتوقع مراقبون أن تلجأ تركيا إلى مزيد من التروي خلال الأيام المقبلة لحين اتضاح ما ستنتج عنه الاتصالات مع واشنطن لفهم مغزى وآليات الانسحاب والاتصالات مع روسيا وطهران الرامية لفهم توجهاتهما حول مستقبل شرقي نهر الفرات عقب الانسحاب الأمريكي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية