أنقرة تدفع نحو «حل الدولتين»… هل تكون أذربيجان أول دولة بعد تركيا تعترف بقبرص الشمالية؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول – «القدس العربي»: كثفت تركيا مساعيها في الأشهر الأخيرة لدعم ترسيخ «حل الدولتين» لأزمة قبرص المنقسمة بين جنوبية تدعمها اليونان وشمالية تدعمها تركيا، معتبرة أن حل الدولة الواحدة «بات من الماضي» في خطوة لا تلقى ترحيباً دولياً بعد، إلا أن أنقرة تحاول تحقيق اختراق في هذه المسألة من خلال حلفائها المقربين وعلى رأسهم أذربيجان التي دخلت في أزمة دبلوماسية مع قبرص الجنوبية عقب لقاء رئيسها مع «رئيس جمهورية شمال قبرص التركية»، في خطوة دبلوماسية غير مسبوقة.
ومؤخراً، أطلق كبار المسؤولين الأتراك والقبارصة الأتراك عشرات التصريحات التي تؤكد أن الحل الوحيد المطروح لأزمة جزيرة قبرص المنقسمة منذ عقود هو «حل الدولتين»، في حين أكدت اليونان وقبرص أنهما ما زالتا تتمسكان بـ»الدولة الواحدة» لحل الأزمة.

أثينا تحتج على لقاء تتار وعلييف وتطالب باكو بـ«خطوات تصحيحية»

وعقب نحو خمسة عقود على تقسيم جزيرة قبرص، شهدت فشل عشرات المحاولات والمبادرات الثنائية والإقليمية والأممية لحل الأزمة وإعادة توحيد الجزيرة، وفي ظل تصاعد الخلافات حول الموارد في شرق البحر المتوسط، وإطالة أمد الأزمة وصعود القيادات القومية في شقي الجزيرة، يبدو أن حل الدولة الواحدة بات من الماضي وشبه مستحيل، وذلك على حساب تصاعد الدعوات لحل الدولتين الذي باتت تركيا وقبرص الشمالية تتبنياه بشكل علني ومتشدد، وصولاً لاعتباره «الخيار الوحيد المطروح حالياً».
وبدأت تركيا مؤخراً حملة دبلوماسية تدريجية في محاولة لحشد الدعم الدولي لرؤيتها في «حل الدولتين» في مسألة قبرص، وإلى جانب التصريحات الرسمية ومحاولة إقناع الوسطاء الدوليين برؤيتها للحل، تحدثت وسائل إعلام تركية عن جهود مركزة لبدء الحصول على اعتراف من عدد من الدول «الحليفة» بجمهورية شمالي قبرص المعلنة من جانب واحد، حيث تتركز الجهود بشكل خاص مع أذربيجان وباكستان ودول أخرى.
والثلاثاء، التقى رئيس جمهورية «شمال قبرص التركية»، أرسين تتار، مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، في ولاية قونية بتركيا على هامش مشاركتهما في حفل افتتاح النسخة الخامسة من ألعاب التضامن الإسلامي، التي تستضيفها ولاية قونية وسط تركيا برعاية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان. وقالت وكالة الأناضول التركية إن «تتار قدم معلومات للرئيس الأذربيجاني حول آخر المستجدات على صعيد القضية القبرصية، مؤكداً انتهاجهم سياسة متناغمة مع تركيا، كما تناول الزعيمان سبل تطوير العلاقات المتبادلة بين البلدين».
والخميس، أعلنت وزارة الخارجية القبرصية أنها تقدمت باحتجاجات رسمية على «اجتماع زعيم القبارصة الأتراك برئيس أذربيجان وسط مخاوف من حملة مكثفة لدعم تقسيم البلاد»، وأعربت الوزارة عن «خيبة أملها وأسفها لاجتماع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، وزعيم القبارصة الأتراك، إرسين تتار»، وطالبت حكومة أذربيجان باتخاذ «خطوات تصحيحية».
وقالت الوزارة إن «الاجتماع يتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدين الإعلان الأحادي الجانب منذ عقود بإقامة دولة تركية منفصلة في شمال قبرص»، مضيفة أن «دعم مطالب القبارصة الأتراك قد يعرقل محاولة أذربيجان للتوصل إلى اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يتطلب موافقة قبرص، الدولة العضو في الاتحاد»، فيما اعتبرت «لغة تهديد» قبرصية لأذربيجان بإعاقة مسار تعاون باكو مع الاتحاد الأوروبي.
وقبل أيام، جدد أرسين تتار موقفه من حل الدولتين، لافتاً إلى أن «بلاده لم تتلق حتى الآن أي ردود من الجارة الجنوبية الرومية، على مقترحات التعاون المقدمة عبر الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن «مقترحات التعاون المقدمة للجانب الرومي في يوليو/ تموز الماضي، تهدف إلى إيجاد حلول للأزمة القبرصية قائمة على المساواة في السيادة، وتشكيل أرضية توافقية»
ومطلع يوليو الماضي، عقد تتار اجتماعاً مع ميروسلاف جينكا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أوروبا وآسيا الوسطى والأمريكتين، في العاصمة لفكوشا، وقدم له حزمة مقترحات للتعاون من أجل إيصالها إلى زعيم قبرص، نيكوس أناستاسيادس، بواسطة الأمين العام أنطونيو غوتيريش، حيث تضمنت الحزمة مقترحات للتعاون بين القبارصة الأتراك والروم بشأن موارد الهيدروكربون والكهرباء والطاقة المتجددة والمياه «على أساس حل الدولتين».
إلى ذلك، قال الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، إن «المقترحات التي قدمها زعيم القبارصة الأتراك الانفصاليين هي محاولة جديدة وغير مقبولة تهدف إلى تقسيم الجزيرة»، مضيفاً: «هذه الأفكار محاولة أخرى لترسيخ الرواية غير المقبولة لتسوية تقوم على دولتين مستقلتين»، مشيراً إلى أنه سيكون على استعداد لمناقشة أي اقتراح «ما دام لا ينحرف عن إطار العمل المتفق عليه والمعتمد من الأمم المتحدة لإعادة توحيد قبرص كاتحاد فيدرالي يتألف من مناطق القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك».
والشهر الماضي، نفى فخر الدين ألطون، رئيس دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية التركية، نية بلاده ضم قبرص الشمالية إلى تركيا، مؤكداً أن «تركيا تعترف بجمهورية شمال قبرص التركية بصفتها دولة ذات سيادة وتؤيد حل الدولتين في الجزيرة»، ولفت إلى أن «السبب الرئيسي في ذلك هو رفص إدارة جنوب قبرص الرومية جميع الخطوات ذات النية الحسنة من الطرف التركي في سبيل الحل، وعدم وجود دليل ملموس يضمن عدم تكرر الجرائم التي ارتكبها القبارصة الروم بحق نظرائهم الأتراك في القرن الماضي».
ومنذ وصول القومي أرسين تتار إلى رئاسة قبرص الشمالية -التركية- نهاية العام الماضي، تبنت أنقرة ولفكوشا خطاً سياسياً جديداً يقضي بالعمل المشترك من أجل فرض حل الدولتين والإعلان عن نهاية مساعي ومفاوضات التوصل إلى حل لدولة واحدة فدرالية واتخذ الجانبين سلسلة خطوات سياسية وميدانية كان أبرزها الإعلان مؤخراً عن فتح أقسام محدودة من منطقة مرعش الاستراتيجية الواقعة في قبرص الشمالية على مقربة من الخط الأزرق الذي يفصل شقي الجزيرة وتعتبر واحدة من أبرز ملفات الخلاف الحساسة بين الجانبين.
ويجمع مراقبون على أن اردوغان من خلال الخطوات المتسارعة في قبرص يهدف إلى فرض قواعد جديدة لحل المسألة القبرصية عبر فرض أمر واقع يجبر المجتمع الدولي على البدء بمفاوضات على مبدأ حل الدولتين، إلى جانب تعزيز نفوذ تركيا في قبرص وملف شرق المتوسط بشكل عام، لا سيما وأن تركيا ترى أن قبرص الجنوبية لا ترغب في التوصل إلى حل وترغب في استمرار الوضع الراهن المفيد لها، وهو ما دفع أنقرة للتحرك وفرض أمر واقع آخر يحرك المياه الراكدة ويجبر قبرص الجنوبية على وقف خطواتها الأحادية والعودة للمفاوضات بجدية أكبر، أو تحقيق مكاسب من جانب واحد في حال عدم العودة للمباحثات السياسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية