أنقرة ـ واشنطن ـ موسكو في الشمال السوري… حسابات معقدة وسط مستقبل مجهول

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: تبقى المنطقة الامنة التي يتم الحديث عنها شمالي سوريا، رهناً بسلسلة من التفاهمات العالقة في الميدان السياسي بين الفاعلين والمؤثرين الدوليين، أهمها حسم مصير «خارطة منبج» التي مضى أكثر من نصف عام على مراوحتها في مكانها، وهو ما تحدث عنه السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام خلال زيارته إلى تركيا قائلاً «لا يبدو أن المنطقة الآمنة ممكنة دون تحقيق خريطة طريق منبج، ويتعين علينا أولاً تنفيذ خريطة الطريق، وبعد ذلك إقامة المنطقة». وتبقى المعادلة في الشمال السوري ضمن حسابات روسية وتركية وأمريكية معقدة حيث تنتظر سوريا وشمالها بالتحديد مستقبلاً مجهولاً.
وأعرب «غراهام» عن امله بنجاح خريطة طريق منبج كونها الحدث الأهم في الفترة الراهنة، وربط نجاح إقامة المنطقة بنجاح الخارطة، إذ قال: «إذا لم ننجح بتنفيذ خريطة منبج بشكل صحيح، فاعتقد أنه لا يمكننا إقامة المنطقة العازلة كما يجب»، لافتا إلى أهمية سحب القوات الامريكية جنودها تدريجياً من سوريا بعد القضاء على تنظيم «الدولة»، وتطبيق خريطة طريق منبج كإجراء لتعزيز الأمن، وبذلك يتم «تطهير منبج من عناصر ي ب ك، وتسليم المنطقة لأهلها عبر التعاون مع تركيا. إن لم نفعل ذلك فإن انسحابنا يشكل مصاعب كبيرة لتركيا».
ومن المبكر الحديث عن تفاهمات تركية أمريكية حول شرق سوريا وأيضا منبج، وفق الباحث في الشؤون التركية الروسية د. «باسل الحاج جاسم»، الحديث الذي قال ان خارطة طريق منبج مضى عليها أكثر من نصف عام دونما تقدم واضح، لافتاً إلى ان «مستشارين وضباطاً أمريكيين يضللون قيادتهم بتقارير مغايرة للواقع و هو ما ينعكس بتصريحات متضاربة بين هرم السلطة في واشنطن التي بدورها باتت كأنها تضلل حليفتها انقرة».
ورأى الحاج جاسم في حديث مع لـ«القدس العربي»، ان ترحيب أنقرة بقرار ترامب حول الانسحاب من سوريا، و كذلك بطرحه اقامة منطقة امنة قد يكون في سياق محاولة أنقرة احتواء التوتر الأخير المستمر مع واشنطن على خلفية دعمها الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني المصنف على قوائم الإرهاب في الناتو و دول أخرى.
وكذلك الملاحظ أيضاً، حسب ما قاله غياب التصعيد الإعلامي والخطاب السياسي الحاد ضد واشنطن مثل ما حدث في أزمة القس الأمريكي، لكن دوماً الشيطان يكمن في التفاصيل و لا بد من انتظار بعض الوقت لتتضح الصورة أكثر عن كيفية ومدة الانسحاب الأمريكي من سوريا، و من سيملأ الفراغ و كذلك طبيعة المنطقة الامنة المقترحة، و يمكن النظر إلى زيارة السيناتور الأمريكي الجمهوري ليندسي غراهام والمعروف بقربه من ترامب إلى تركيا وتصريحاته عقب لقاء القيادة التركية بان حزب الاتحاد الديمقراطي و تفرعاته هي ذراع لحزب العمال الكردستاني الإرهابي، قد تكون في سياق إيجابي لصالح تركيا. أما فيما يخص التفاهم التركي الروسي فيستبعد أي تغيرات قد تطرأ على التفاهمات بين الجانبين كونها في أعلى مستوياتها، وفي هذا الاطار قال جاسم إن أنقرة نجحت في امتحان علاقتها مع موسكو في الملف السوري وذلك في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، فيما لا يزال امتحان علاقتها في سوريا بحليفتها واشنطن رهن كثير من الملفات وقد لا تكون منبج آخرها، ويبقى القول إنه من المفيد لتركيا بحث قضية المنطقة الامنة مع روسيا أكثر منه مع أمريكا.
مراقبون عسكريون قالوا ان الملفات الحساسة شمال شرقي سوريا، وعلى رأسها ملف مدينة منبج في ريف حلب، يجب أن يخضع لتوافقات يتم تمريرها عبر طاولة الحوار بين الأمريكيين والأتراك، اما في حال فشل التوصل لصيغة تفاهم مقبولة للجانبين حيال مستقبل المدينة، فلن يكون هنالك أي عملية عسكرية تركية ضد الوحدات الكردية.
المحلل العسكري المعارض، العميد أحمد رحال، اعرب عن قناعته التامة بتقويض أي تحرك لتركيا تجاه منبج طالما القوات الأمريكية تتمركز فيها، وأضاف «من هنا نستخلص بأن العملية ستكون نتاج توافقات ثنائية، وصولاً إلى التفاهمات التركية الروسية على الجانب الآخر، والتي أشارت أنقرة من خلالها لرفضها دخول أي قوات للنظام السوري إلى داخل مدينة منبج».
واعتبر المصدر، أن الحراك التركي بما يخص منبج، يصب في مصلحة الجيش السوري الحر، الذي تطمئنه التصريحات التركية، وأن مساعي أنقرة للتخلص من ميليشيات «ب ي د، ي ب ك»، اللذين تتزعمهما «ب ك ك»، هو في الوقت ذاته هدف للمعارضة السورية، فيما أن قوى المعارضة تكون قد حصلت على ضمانات بأن خروج الوحدات الكردية من المدينة، لا يعني عودة النظام السوري إليها، وبالتالي ستذهب منبج لسيطرتهم هم بدعم تركي.
وفي حال أقرّت الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا بشكل فعلي إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، سوف تتجه الأنظار إلى المناطق غير المشمولة بالمنطقة الآمنة، والتي سيكون مصيرها ضمن واحد من الخيارات التي طرحها مركز جسور للدراسات، وتتمثل:
أولاً: الإبقاء على عامل الحماية للمنطقة وبحث القوى الفاعلة عن تفاهمات ضمن هذا الإطار، وهذا يقتضي وجود عدد من الاحتمالات.
– بقاء المنطقة بشكلها الحالي ضمن وصاية أمريكية، حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية منها، ضمن تفاهم روسي – أمريكي، في تطبيق لسيناريو «إقليم كردستان العراق». أو بقاء المنطقة تحت حكم ذاتي، بعد إخضاع المنطقة لنفوذ النظام السوري عسكرياً وأمنياً، وإعادة هيكلة الإدارة الذاتية بحيث يتم إلغاء التسميات الحالية، وتدمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الفيلق الخامس، وتُغيّب الشخصيات البارزة المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ويستعاض عنها بشخصيات محلية، وحتى بشخصيات من المنظومة الحالية، من غير المتواجدين في الصفوف الأولى والثانية.
ثانياً: رفع الحماية عن المنطقة نتيجة عدم توصل القوى الفاعلة لتفاهمات فيما بينها وبالتالي انسحاب التحالف الدولي، ودخول قوات النظام وحلفائه الدوليين إلى المنطقة، وسيتم ذلك بتفاهم مع قوات سوريا الديموقراطية، بحيث لا يحدث صدام عسكري بين الجانبين، ويتم دمج عناصر قسد ضمن الجيش السوري كأفراد، بينما تنسحب القيادات العسكرية والسياسية إلى خارج سوريا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية