أنقرة كـ”حليف حاسم”: اتفاق قرة باغ.. انتصار عسكري وسياسي لتركيا بأبعاد استراتيجية يعزز نفوذها ومكانتها دولياً

إسماعيل جمال 
حجم الخط
4

إسطنبول – “القدس العربي”: توجت أذربيجان 6 أسابيع من الانتصارات العسكرية على الأرض بنصر سياسي عبر إجبار أرمينيا التوقيع على ما وصف بـ”صك الهزيمة” وهو الاتفاق الذي يقضي بانسحابها من محافظات كبرى في إقليم قرة باغ تحت الضغط العسكري لأول مرة منذ 28 عاماً، حيث لم يتبق أمامها خيار سوى الانسحاب سلمياً أو تحت الضربات العسكرية المتلاحقة للجيش الأذربيجاني الذي أثبت تفوقه القطعي في هذه المعركة وقدرته على مواصلة هجومه حتى السيطرة على كامل الإقليم.
هذا التفوق العسكري والسياسي لأذربيجان لم يكن لولا الدعم التركي المفتوح الذي قدمته أنقرة لباكو، سواء من خلال الدعم طويل المدى الذي بدأ منذ سنوات طويلة من خلال بناء جيش أذربيجاني قوي، والدعم العسكري والسياسي المباشر في المعركة الأخيرة وهو ما ظهر واضحاً في الأداء العسكري غير المسبوق للجيش الأذربيجاني.
ورغم نفي تركيا مراراً أنها تشارك في المعارك بشكل مباشر، إلا أن الكثير من المؤشرات تحسم وجود جنرالات من الجيش التركي أشرفوا على التخطيط للمعارك وقيادتها ووضع الاستراتيجيات العسكرية الناجحة وهو يعزز مكانة الجيش التركي وصورته عبر التأكيد على قدرته في تغيير مسار العمليات العسكرية سواء بتدخله المباشر أو غير المباشر والاكتفاء بتقديم خدمات التخطيط والقيادة.
وإلى جانب خدمات التخطيط، كانت المسيرات التركية أحد أبرز العوامل الحاسمة في المعارك الأخيرة، حيث أكد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أن جيش بلاده يستخدم المسيرات التركية بفعالية كبيرة في المعارك وأنها أحدثت فارقاً كبيراً وهو ما ظهر بالأدلة القاطعة على نشر مئات مقاطع الفيديو التي تظهر تدمير المسيرات مئات الدبابات والعربات العسكرية والمواقع والتحصينات والمدافع والأنظمة الدفاعية المختلفة وهو ما شل قدرة الجيش الأرميني على المناورة العسكرية.
تأثير المسيرات لم يقف عند حد الأثر العسكري المباشر في أرض المعركة، وإنما أعطى دفعة كبرى للجهود التركية لتعزيز مكانة الصناعات الدفاعية الوطنية حول العالم، وكانت مئات مقاطع الفيديو لضربات المسيرات التركية التي انتشرت على كافة وسائل الإعلام حول العالم بمثابة أكبر حملة دعائية للمستوى المتقدم جداً الذي وصلت إليه الصناعات الدفاعية التركية، ما عزز مكانتها بشكل أكبر حول العالم، وذلك بعدما ظهر أداؤها بشكل لافت في المعارك التي خاضها الجيش التركي مؤخراً في ليبيا وقبلها في سوريا.
وفي السنوات الأخيرة، عملت تركيا على تعزيز صورتها حول العالم كحليف قوي ووفي ويمكن الاعتماد عليه والتحالف معه عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وعلى الرغم من أنها نجحت في السابق في تعزيز هذه الصورة من قطر إلى ليبيا والصومال وسوريا، إلا أن ملف أذربيجان كان الأبرز في هذا الإطار، وأعطى تركيا دفعة غير مسبوقة لتقديم نفسها كحليف حاسم يمكنه تغيير الأوضاع العسكرية رأساً على عقب.
ففي قطر نجحت تركيا في تبديد مخاطر حصول غزو سعودي، وفي الصومال دعمت الحكومة بشكل كبير جداً، وفي ليبيا قلبت موازين القوى العسكرية لصالح حكومة الوفاق، وفي سوريا وقفت إلى جانب المعارضة، لكنها في أذربيجان تمكنت من دعم باكو لتحرير أراضيها المحتلة منذ 28 عاماً وذلك بعدما أجبرت أرمينيا على توقيع الاتفاق عقب وصولها إلى قناعة راسخة بأنها خسرت المعركة العسكرية تماماً ولم يعد أمامها أي أمل للصمود أمام الضربات الأذربيجانية المتلاحقة.
ومن خلال هذا الانتصار تكون تركيا أيضاً قد وجهت ضربة جديدة غير مباشرة إلى فرنسا في إطار الصراع الكبير بين البلدين إقليمياً ودولياً، ففرنسا حليف مهم وداعم كبير لأرمينيا ووقفت ضد التدخل التركي في معارك قرة باغ، وكما أن انتصار أذربيجان هو انتصار لتركيا، فإن هزيمة أرمينيا هي هزيمة لفرنسا أيضاً وإن كان بشكل غير مباشر، كما جرى عندما نجحت تركيا في هزيمة حليف فرنسا في ليبيا خليفة حفتر، وعندما أفشلت مساعي حلفاء فرنسا في إقامة كيان انفصالي شمالي سوريا أيضاً.
يضاف إلى كل ما سبق، فإن تركيا حققت نصراً استراتيجياً بموجب الاتفاق الأخير تمثل في الاتفاق على فتح ممر يربط جمهورية ناخشيفان الأذربيجانية الحدودية مع تركيا مع الأراضي الأذربيجانية، وهو ما يعني ربط أذربيجان بتركيا براً وما يحمله ذلك من قيمة استراتيجية كبيرة تتيح لتركيا التواصل المباشر مع الجمهوريات التركية والقوقاز بشكل مباشر وصولاً لبحر قزوين.
يضاف إلى ذلك أيضاً أن الاتفاق يتيح لتركيا التواجد العسكري ضمن قوات حفظ السلام في قره باغ إلى جانب روسيا وما يعنيه ذلك من زيادة في الانتشار العسكري حول العالم ولعب دور بارز على الصعيد الدولي على حساب دول كبرى تم تهميشها أهمها فرنسا والولايات المتحدة الأعضاء في مجموعة مينسك التي فشلت على مدار 28 عاماً في حل الأزمة وخرجت منها بدون أي دور يذكر أمام تنامي الدور والتنسيق التركي الروسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية