أنور عبد الملك.. رحيلٌ يستعصي على الغياب حمزة قناوي تقاطعات الحياة وحدها قادتني إلى العمل مع هذا العالِم الموسوعي. كان ذلك في صيف 2004. عندما التقيت حياتي بأكملها هناك على غير موعد. هناك في 46 شارع نهرو بحي مصر الجديدة. في شقة هذا العالِم الكبير، التقيت فِكراً مختلفاً عن السائد الذي درسته في مناهج الجامعة المُعلَّبة، وتعرفت على التاريخ الوطني (المسكوت عنه) لبلدي من أحد كبار رموز هذه الوطنية نفسها. أنور عبد الملك. أحد كبار مناضلي حركة التطور الوطني في الخمسينات من القرن المنصرم، الفتى النابغ الذي استرعى انتباه طه حسين وحظي بمحبة عبد الرحمن بدوي حين بدأ الانخراط الفعلي في ‘جيل التفاؤل التاريخي’، الذي يسميه هو ‘الجيل الذي كان على موعد مع القدر’، منذ قرر عام 1944 وقد كان آنذاك في العشرين من العمر تأجيل طموحاته الجامعية خدمة لقضية النضال المصري ضد الاحتلال الإنجليزي، ثم ما لبست تصاريف الزمن السياسي أن أرغمت أستاذ الفلسفة على اللجوء إلى باريس حيث انضم لقسم علم الاجتماع في المركز الوطني للبحث العلمي مبتدئاً حياة أكاديمية متألقة، حيث سرعان ما ذاع صيته في الأوساط الأكاديمية الغربية إثر نشره مطلع الستينيات بحثا مدوياً عُدَّ بمثابة الطلقة الأولى في معركة ‘نقد الاستشراق’. عُدَّ الدكتور أنور عبد الملك واحداً من أكبر المفكرين الليبراليين المستقلين في مصر، انطلق في بدايات حياته من معسكر اليسار، وتقدم عبر سنوات طويلة من الدراسة والبحث نحو رؤية تمزج بين مطالب العدل الاجتماعي والاشتراكية من جهة والحرية السياسية من جهة أخرى، واشتهر برؤيته الداعية إلى الشراكة بين الدول الإسلامية والصين لدعم تعددية قطبية في النظام الدولي، راحت تتحقق شيئاً فشيئاً في ظل عالمٍ يتخلى عن ثنائية القطب لصالح تعدد الأقطاب، وتكون العديد من مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي في العالم. كان عملي معه يبدأ من السادسة صباحاً. أقطع المسافة من حي المطرية حيث أعيش إلى حي مصر الجديدة. في بنايته وقفت كثيراً أمام المصعد المعطَّل وقد أسقط في يدي، وأصعد درجات الطوابق الستة على قدميّ. يستقبلني بوجهٍ منشرحٍ صافٍ. في صالون البيت المُطل على حديقة الميريلاند أجلس أمامه كتلميذٍ صغير بينما تنساب الموسيقى الهادئة من جنبات المكان ( كان يستمع للموسيقى الراقية معظم أوقات اليوم، حتى أثناء نومه كان يتركها تنساب بنعومةٍ في أرجاء البيت). أجهِّز الأوراق والأقلام وأعدُّ الأطالس الجيوسياسية وأجهِّز معلومات المقال أو البحث الذي سنتناوله في مؤلَّفٍ جديد. من هذه الجلسة تحديداً، ومن هذه البقعة في مصر الجديدة صقلني أنور عبد الملك علمياً بما لم أنله في كل سنوات تكويني الجامعي. والأهم أنني التقيت التاريخ في هذا البيت. تعرفت إلى بداياته الفكرية عندما التقى صديقه شهدي عطية الشافعي، وترافقا في مسيرة الحياة الفكرية والنضال والمعتقل في مسيرةٍ كان يقول لي عنها إنها ‘ربما تقترب من (المسيرة الطويلة الصينية) أو كأنما تكررها! كانت صدفة قدرية، ولقاءً معجزاً محيراً. في أكتوبر عام 1944 اتجهنا أنا ورفاقي إلى نادٍ ثقافي سياسي، كان هو (دار الأبحاث العلمية) .. ذهبنا بعد الظهر، للاستماع إلى المحاضرة الأسبوعية والنقاش وتبادل الآراء ووجهات النظر، التقينا المحاضر الشاب الواثق المبتسم، الذي ألقى محاضرته عن ظهور نظام القطبية الثنائية في العالم، وأن هذا النظام سيكون مفيداً للشعوب التي ستنضوي تحت لواء الاشتراكية! اعترضنا على الطرح والرؤية أنا ورفاقي، كان لنا تحفظات على هذا الطرح، انفعلنا، إلا إن المحاضر الباسم القوي كان لايزال محتفظاً بهدوئه وامتصاص ثورتنا وراح يناقشنا في ان الصراع بين المعسكرين سيؤدي إلى ظهور شعوب العالم الثالث والقوى النامية التحريرية الجديدة وقد كوَّنت تحالفات جديدة، أو انحازت إلى المعسكر الاشتراكي الذي ستحظى بدعمه المادي والمعنوي. ظلت مشاكساتنا قائمة. انتهت الندوة، وانفردت بالمحاضر الذي لم يكن سوى شهدي عطية، فناقشني بهدوء، تفكرت في كلامه فوجدت به بعض الواقعية في الطرح، تصادقنا، تمشينا معاً في القاهرة يومها من التاسعة مساءاً حتى السادسة صباحاً! كان مبعوثاً موفداً إلى جامعة إكستيد الإنجليزية للحصول على الدكتوراه في الفلسفة، ولكنه عاد عام 1939 لينخرط في العمل الوطني لتحرير مصر تاركاً البعثة. صرنا أكثر من أصدقاء، وكنت أراه معلماً وصديقاً وأستاذاً’. يظل شهدي عطية الشافعي الرمز الروحي للدكتور أنور. يضع صورته في صالون بيته. لا يسمح لأحدٍ أياً كان أن ينقل صورته من مكانها. رأيت ‘الشغَّالة’ تنظف كل ما في البيت وتزيح الغبار عن كل ما في الصالون دون أن تقترب من صورة شهدي عطية. لأن الدكتور يرفض أن يقترب منها أحد! لا ينسى أبداً رفيق عمره الذي اغتالوه تعذيباً أمامه في المعتقل. كان رفيقه في تكوين (اللجنة الوطنية للطلبة والعُمَّال) منذ أصدر بيانه- صيحته المحتجة (نريد حزباً من نوعٍ جديد). قبل أن تتوالى خطوات العمل الوطني والتنظيمي، فينضم الدكتور أنور إلى مُنظَّمَة (إسكرا) التي ركزت على تكوين الكادر القيادي للحركة الشيوعية المصرية، كان يتلقى وزملاؤه سنتين من التكوين النظري والفكري والسياسي رفيع المستوى، وبعد ذلك يتلقى سنتين أخريين في مختلف التخصصات، بعدها يشرع العضو في ممارسة دوره في ‘دار الأبحاث العلمية’ قبل أن يشرع في ممارسة العمل الوطني الميداني، كان هذا هو التكوين اليساري للكادر القيادي للعمل الوطني الجماهيري، ودار الأبحاث العلمية هذه أُسِّست في الأصل لتقود التحرر الوطني على أساس منظم، وبصورة علمية، كانت تضم اثنتي عشرة لجنة، موزعة بين السياسة الخارجية، والاقتصاد، والثقافة، والتنظيم، لإعداد كادر (الدولة البديلة) المعنية بالتحرير والثورة والنهضة (أو ما يُسمَّى الآن في أوروبا بحكومات الظل الموازية) كان الأعضاء يلتقون في الدار كل خميس أسبوعياً، وكانت اللجنة المركزية، ورئيسها المنتخب بطريقة سرية يلتقي الأعضاء الاثني عشر من رؤساء اللجان الآخرين، كانت هذه الدار أهم تجمُّع فكري سياسي على أرض مصر، تجمع بين الشيوعيين وكافة الفرق الوطنية، وبين مختلف الأجيال، وكان من أبرز الوجوه التي ترود الندوة يوم الخميس الدكتور ‘محمد مندور’، ‘عصام الدين حفني ناصف’، ‘عزيز فهمي’ وغيرهم من الرواد والأساتذة الذين كانوا يُقدَّرون باعتبارهم أساتذةً. وكان يدير الندوات ‘شهدي عطية الشافعي ‘وعبد المعبود الجبيلي’. وكان كتاب شهدي عطية الشافعي ‘أهدافنا الوطنية’ من أهم الكتب التي أُلَّفت في تلك المرحلة ‘ونظَّرت لمسار التحرك الوطني في مقاومة الاحتلال، وللتحرر والبحث عن العدالة. في عام 1946 قامت ‘اللجنة الوطنية للعمال والطلبة’ وحددت مسار الخط العام للكفاح الاشتراكي الميداني، والذي تطور فيما بعد إلى ميثاق العمل الوطني عام 1964. كأنما من المفارقات القدرية أن يرحل الدكتور أنور مفارقاً مصر-عشقه الأوحد، والاسم الذي أفنى عمره بحثاً واغتراباً ونضالاً ومعتقلاتٍ من أجله- بينما تواجه مصر ذلك الانقسام الحاد حول وجهها المستقبلي المُرتقب. ما بين الإخوان المسلمين ومدنية الدولة. كان للعالِم الراحل تحفظه على التوجه التنظيمي والتحرك العملي للإخوان المسلمين، وموقفهم من الحكم والسلطة، وآلية قيادتهم للجماهير، ولكن ذلك لم ينفِ أنه حاول من خلال (اللجنة الوطنية للطلبة والعمال) – في ظل مواجهة كل القوى الوطنية للاحتلال- والعمل من أجل هدف واحد هو التحرر الوطني، أن يبرهن على الإخلاص لقضية تحرر مصر، ولذلك رأى ورفاقه ضرورة التحالف مع الاتجاهات الوطنية التي لا تنضم لتوجهه الفكري مباشرةً، من هنا تبلور مفهوم (الجبهة الوطنية المتحدة)، التي كنا أرادت الجمع بين العمال والفلاحين، والمثقفين الثوريين، الجنود وصغار المنتجين، والرأسمالية الوطنية بقيادة الطبقة العاملة المتحالفة مع شباب مصر الطلابي، من هنا تم إدراك ضرورة التلاقي مع جماهير التوجه الإسلامي. ولكن ‘بدون قيادة الإخوان المسلمين’. كنت أشاكس الدكتور معترضاً بأنه ‘كيف يمكن أن تلتقي القوى الدافعة والمُعبَّأة لتيارٍ ما دون التواصل أو التنسيق مع قياداته’؟ ومازلت أتذكر ردَّه: ‘التقينا الجماهير، ولم نلتقِ القيادة في حالة التوجه الإسلامي والإخوان المسلمين. كنا نجلس على (حصيرة) في ميدان الحلمية الجديدة نستمع إلى تعاليم المرشد العام حسن البنا في ليلة الجمعة من كل أسبوع، شهراً تلو الشهر، نتعرف على مشاعر وتوجهات إخواننا في الوطن، وفي ذلك الوقت أصدرنا كتاب (الإخوان المسلمون في الميزان) وكشفنا فيه النقاب عن تلاقي قيادة الإخوان المسلمين آنذاك بالمحتل البريطاني لمعاداة الشيوعية. بعدها توالى الحصار وموجات القمع لإدارة ‘دار الأبحاث العلمية’. بدأ في يوليو عام 1946، وكنت أنا آخر من تولوا منصب مقرر لجنة الإدارة، أي رئيس اللجنة المركزية لدار الأبحاث. لم يستمر ذلك سوى عشرة أيام قبل أن يعتقلوني، يعتقلونا جميعاً أنا وشهدي عطية الشافعي، وعبد المعبود الجبيلي، وأحمد شكري سالم، وعبد الرحمن الناصر، وكان الاستعمار البريطاني يعد العدة آنذاك لتقسيم فلسطين تمهيداً لمنحها لليهود’. يتذكر الدكتور أنور يوم اعتقاله. حين جاء الضابط إلى بيته بشارع نهرو يسأل عنه. كانت والدة العالِم الكبير على قيد الحياة، ولم تكن تعرف أن الضابط آتٍ لاعتقال ابنها. أتى الدكتور أنور، الذي يُقدّر كل جهازٍ إداري وتنظيمي في مصر. فرحَّب برجل الشرطة وأكد له تقديره لرجال الأمن، قابله بحفاوةٍ كبيرة. أبى إلا أن يُفطر معه! لم يكن يعرف بعد لمَ أتى الضابط من قوة شرطة مصر الجديدة! أعدَّت الأم الإفطار، وجلسا ليأكلا معاً. كل ما يذكره أن الضابط أصابه الارتباك ولم يتفوه بالكثير من الكلمات بينما يمد يده المرتبكة إلى طبق من جاء لعتقله! في نهاية الإفطار أخبره بأنه مطلوبٌ للقسم وأنه سينتظره ريثما ينتهي من تغيير ملابسه ويذهبان سوياً. انتظره بكل احترام أسفل البناية.. وذهب الدكتور أنور ليغير ملابسه مبتسماً واثقاً من نفسه، شجاعاً، فلم يفعل ما يخشاه. في ذلك النهار اعتُقِل أنور عبد الملك، والتقى لأول مرة سوط الجلاَّد في الأقبية المظلمة. كان يدفع ثمن عشقه لمصر الذي لم يحد عنه يوماً. وحتى في المعتقل واجه الوحدة والتخوين، ففي المعتقل ذات شتاء، إثر حملة هيكل على المثقفين وتهديده بأن يضع الأقفال على أفواههم، كان هناك فريقان في المعتقل، فريق يرى ضرورة المصالحة مع النظام الحاكم والكتابة له بالتراجع عن الخط الثوري الأحادي الذي انتهجه خارج الإطار الأشمل للدولة وهيكلها. وفريق آخر يرفض هذا الرأي ويتمسك بالمعتقل والأمر الواقع وكان الدكتور أنور ممن تزعموا الفريق الأول، فكتب رسالة إلى الرئيس جمال عبد الناصر من المعتقل، وعرف أنها وصلته، ولكن الزملاء المعتقلين من مناهضي الفكرة أضمروا له العداء منذ ذلك اليوم، واستمرت آثاره طويلاً، إقصاءً وإبعاداً ووحدةً عاشها حتى نهاية عمره. لم أنسَ يوماً كلمته التي كان يرددها على مسامعي بين وقتٍ وآخر (لا تخشَ شيئاً سوى العار أو ما يجلبه. لا شيء ينتقص من الشرف سوى خيانة الواجب والأمانة). تعلمت على يديه الكثير. وقد فتح لي ‘مناجم’ الوطنية التي لن يلتقيها باحث في التاريخ السياسي لمصر والعالم في مناهج الجامعة الدراسية. كان الدكتور يُهاجم دوماً بتهمة أنه قبِل بأن يتحدد مساره الفكري بعد كل هذا التاريخ من العمل النضالي- في مؤسسات الدولة وصحفها. ولكنه كان يؤمن بما يُسمى (الكُتلة الحرجة). كان يقول لي دوماً إنه مؤمن بقدرته على إحداث تغيير في الوسط الحاكم، في قلب أفكاره من داخله.. من داخل صحفه الخاصة ومؤسساته الثقافية والفكرية ومنابره، ولهذا كان مستمراً في جريدة (الأهرام) التي كانت تتبع النظام تماماً ما قبل ثورة 25 يناير، والمجلس السياسي المصري. كان يرى في نفسه وبعض رفاقه من يُسمَّون في علم الاجتماع والفلسفة (الكتلة الحرجة) وهي الجماعة التي تخرج عن السائد وتخالف القوانين لتُحدِث التغيير، وكان يطلب مني أن أقرأ مقالات سلامة أحمد سلامة، ومحمد سيد أحمد، والسيد ياسين، وفهمي هويدي، وأمين هويدي في (الأهرام) لأتأكد من ذلك. في بيت أنور عبد الملك التقيت تاريخ بلدي. لطيفة الزيات وجمال غالي ومحمد يوسف الجندي وسعد زهران ومحمد سيد أحمد وعادل حسين وصنع الله إبراهيم ود.
ليلى عنان وغيرهم. وتعرفت على تاريخٍ كبير وسري من عشق هذا البلد. إلى أن استقلت من العمل معه في صيف 2006. يظل أنور عبد الملك أبي الروحي، الذي أدين له بكل نجاحٍ وصلت له. كانت رحلتي الأولى خارج مصر إلى بيته في باريس. حجز لي وانتظرني في مطار شارل ديجول وحيداً بالساعات حتى وصلت. ومن بيته الصغير في شارع ‘بلاس دي إيتالي’ عشنا ثلاثة شهور معاً. كان مشغولاً فيها بتفكيك الخطاب الاستعماري الغربي وتحليل مفاهيم هيمنة الغرب على العالم، وأنا أتبعه كظلٍّ صغيرٍ مبهورٍ به وبباريس. مازلت أحتفظ بتذاكر المسرح والأوبرا التي حجزها لي. برائحة الطعام الذي أعدَّه لي بعد كل سلسلة مقالاتٍ أنهيناها معاً، وبمسرحية (زواج فيجارو) التي شاهدناها معاً أكثر من عشر مرات من فرط حبه لها. كان كريماً معي إلى أبعد حدٍ. لا أصدق أن أنور عبد الملك توفي، بكيت طويلاً ومازلت أنتظر من يأتي ليهزني من هذا الكابوس الثقيل الذي أعيشه منذ أسبوع ويخبرني بأنه مازال حياً. يضحك كعادته. يسخر من العدمية والموت، ويراهنني على أنه سيعيش ألف عام في حب مصر. ربما كنت ابناً ضالاً متمرداً بعض الوقت. أغضب منه فيعيدني إلى تقاطع حياتنا معاً بتسامح الأب وحكمته. كان قدري الأجمل قبل أن أغادر مصر. الآن كل ما آمله أن نلتقي في العالم الآخر لأقبل يديه لعلَّه يسامحني إن كان غاضباً وأخبره كم أنني افتقدته هذه السنوات الست. * مساعد د. أنور عبد الملك دبي. 23 يونيو 2012