أنيس الرافعي: حين تصبح الحكاية طقسا

في المجموعة القصصية الموسومة بعنوان «جميعهم يتكلمون من فمي» للقاص المغربي أنيس الرافعي، التي صدرت طبعتها الأولى عن دار «خطوط وظلال للنشر والتوزيع»، سنة 2024 في الأردن، يستدعي الكاتب أسلوبا خاصا، وطريقة غرائبية في سرد الأحداث، وهو ما سنركز عليه في قصة «مظلّة تحضير الأرواح»، التي تمثل نموذجا حيا لحالات وشخصيات تتماهى تماما مع بيئتها، وسط أجواء وأحداث تتّسم بالفرادة والغرائبية بالخصوص، ما يجعل الكاتب أنيس الرافعي في مجموعته «جميعهم يتكلمون من فمي «وفيا لخطه السردي، حيث يستعرض أحداثا مثيرة تبعث على المتعة والإبهار، مستخدما أدوات تعبيرية تستمدّ تفوقها من خلق جماليات خاصة. من الجليّ أن هذه التجربة تعكس انتصاره الواضح للمسار الغرائبي.
وبهذه المعطيات، تستحقّ المجموعة القصصية، أن تُقرأ من زوايا وقنوات متنوّعة. فالعوالم التي يثيرها الكاتب، تخترق المعهود والسائد والنمطي، لأجل توليد بديل مقنع للقصة الكلاسيكية التي ظلت، لوقت طويل، مهيمنة على شكل القصة القصيرة العربية.
يضعنا الكاتب، منذ البداية، أمام مؤثّرات بصريّة وحسّية، وأجواء غرائبية أثّثت أحداث المجموعة القصصية «جميعهم يتكلمون من فمي»، ينجز ذلك بأدوات مُتفوّقة من حيث البناء الفنّي، والطّقوس، والعوالم، واللغة، والارتقاء بالفعل الإبداعي. وبعنوان مثير للفضول، يقدم أنيس الرافعي خيالا خصبا يبدو كما لو أنه بلا حدود في هذه المجموعة، التي تعدّ واحدة من أجمل المجاميع القصصية التي أبدع في كتابتها، وفي نسج خيوط المحطّات والموضوعات التي تناولها، ليمنح القارئ متعة مؤكّدة. ونظرا لضيق الحيِّز، سيتمّ التركيز هنا على قصة «مظلّة تحضير الأرواح»، في محاولة لاستكشاف عناصر الجمال والإبداع فيها، بالإضافة إلى تحليل أسلوب السرد والتّوصيف، وكل أشكال هندسة العمل في هذه القصة، حيث يتداخل الواقع بالخيال في نسيج حكائي يجسّد جوهر المدرسة الغرائبية. يصف أنيس الرافعي الشامان أو الساحر في مشهديّة مثيرة، في القصة التي نحن بصددها، ويكتب: «كان يقتعد الأرض، كلغز ملتبس له ظلّ شفّاف أطول من قامته، لا يصدر على نحو مستغرب من أيّ انعكاس، فوق سجّادة مزوّقة بصور حيوانات أسطوريّة منقرضة، وأمامه مجموعة من الكتب الصفراء القديمة منزوعة الأغلفة، ومحبرات شتّى مليئة بالسماق، وأقلام قصب بلا عدّ، وأوعية شفّافة لوضع الأعشاب، والمساحيق، والبخور، والعظام المطحونة، فضلا عن طاسة من النّحاس الذّهبي فيها ماء وزعفران، كان يعزّم عليها بتعاويذ تشبه إلى حدّ ما اللّغة الهنديّة».

على هذا المنوال، يصوّر لنا القاص أنيس الرافعي المشهد بطقوس طافحة بالغرائبية. وهو إذ يفعل ذلك، يدرك أن هذه الصورة تمثل النّمط الأكثر إثارة في عملية الشامان، لاستحضار الأرواح، وربط الصلة المباشِرة بالغيب. وفي الاستهلال الذي قدّم به القصة، يكتب أنيس الرافعي مقتطفا موجزا تعريفيا لهذه الظاهرة، من كِتاب للكاتب والناقد المغربي سعيد يقطين بعنوان: «ذخيرة العجائب العربية» ما يلي: «إحضار الغائب، باب يصطنعه السّاحر، بواسطة الجنّ، لجعل الغائب حاضرا، ويقابله تغييب الحاضر».
إن الخوض الإبداعي في أحد أشكال ممارسة السحر والشعوذة، رغم رفضه اجتماعيا باعتباره ظاهرة ضارّة تفرض نفسها على واقعنا، يبقى موضوعا مثيرا للجدل. فهو، من ناحية، ممارسة مستهجنة، ومن ناحية أخرى، لا يزال شائعا بأشكال مختلفة في مجتمعاتنا الإنسانيّة، ما يجعله دائم الحضور في النقاشات الفكرية والاجتماعية.روفي الجانب الإبداعي، يقتضي الخوض في مثل هذا الموضوع المفخخ تأويليا، التسلّح بأدوات وتقنيات وأساليب كتابة تخترق الزّوايا المظلمة، في عوالم غالبا ما تتّسم بالغموض، وبكثير من الرهبة. ولعلّ الدافع الأوّل للرهبة هنا هو الفضول لمعرفة ذلك المجهول الثاوي خلف ستائر سوداء تخفي حقائق قد تكون باعثة على الأمل أو المآسي، حسب الوضعية أو رغبة الشامان، الذي ولكي يحقّق النتيجة المرجوّة، عليه أن يستحضر الأرواح، ويحاورها بطقوسه التي يتقن تشكيلها لتصبح طقوسا باعثة على التخويف والترهيب وتغييب تركيز صاحب الحاجة.
وهذا ما يجده القارئ بالضبط في الفقرة التي أوردناها أعلاه في قصة «مظلّة تحضير الأرواح». وعندما يصل الشامان إلى هذه المرحلة، يستطيع أن يستحوذ على زبونه المفترض، وخلال ذلك، يكون قد هيأ سلفا، تأثيرا نفسيا مثيرا لا من حيث الأدوات التي يستخدمها، ولا من حيث الصورة العامة التي يشكلها، لتصبح انعكاسا واقعيا في ذهنية الزبون. والفقرة التي أوردناها كمثال، مليئة بالإيحاءات والدلالات. لقد أتقن أنيس الرافعي رفع الصورة المشهدية وترقيتها إلى إبداع مميّز، تجلّت فيه بوضوح، قدرة الكاتب وموهبته الخلاّقة، في رسم خطوط الطول والعرض، ليصبح الشامان الفاعل الأوحد، في عمليّة يحقّق بواسطتها السيطرة الكاملة والشاملة على صاحب الحاجة، في بداية ونهاية المطاف.
يواصل أنيس الرافعي عملية إدهاش متقنة ومكثفة، تجعل القارئ كما لو أنه أمام حالة تدوير وتطويع ماهر لمربّعات ألوان مكعب روبيك، لتشكيل الترابط الأوثق الدال على مثالية الاتساق، والتناغم والتناظر المتكامل في الألوان. وتعضده في العملية المركّبة لغة بديعة، متألّقة، ومتفوقة، تحقق أعلى درجات الإقناع، حيث يكتب أنيس الرافعي بتوصيف متوال، بارع ودقيق: «وحين ابتغيت أن تكلّمه عن حبيبتك الغائبة، عن جمالها الأخّاذ، عن لقائكما الأوّل قبالة شاطئ البحر، عن غرامك الأهبل بها طيلة سنين لم تعد تتذكر عددها، عن تغيّرها وتكدّرها تجاهك مؤخرا، عن كبدك المحترق بالهجران كشموع إنارة الأضرحة، عن كآبتها المتفاقمة، عن كآبتك الموازية لكآبتها، عن توقّفها عن مكالمتها هاتفيّا كعادتها كلّ ليلة، عن لغتها التي باتت جافّة متقشّفة، عن حزنك الذي يضاهي حزنها على كلبها الوفيّ الذي نفق مؤخرا بسبب سرطان الخصيتين، عن شكّك وغيرتك القاتلين في كونها تعاشر رجلا آخر أو رجالا آخرين أو حتّى امرأة أخرى، عن خشيتك من انطفاء جمرات الشغف المتّقدة، عن رعبك من أن تفقدها إلى الأبد، عن حياتك التي ستتبعثر لا محالة إلى جميع الاتجاهات مثل بذور زهرة الهندباء البرّية إذا ما فقدتها إلى الأبد، عن السلسلة الحديديّة المتينة والخفيّة التي تربطك إلى روحها كما لو كنت سجينا بلا رجاء..».

هنا تستعر في خاطر الزبون نار الحاجة، والرّغبة في البوح، يكابد فاقدا كلّ أدوات التّحمل والثّبات، لا يملك سوى الرجاء والأمل في أن يجد ضالّته عند هذا الرجل الذي وصفه الكاتب في بداية القصة: «بأنّه من دون شكّ السّاحر المغربيّ الأفضل الآن في مراكش». وبما أن صاحب الحاجة على وعي بالقدرات الخارقة التي يمتلكها الشامان، والسمعة الرّفيعة التي يحظى بها، يجد نفسه إزاء شخصية تنتمي لعوالم غامضة ومسوّرة بكل ما هو عجيب، ومهيب بالأساس. يستشعر الشامان ما يدور في ذهن وخاطر زبونه، وعند هذه النقطة بالذات تبدأ المواجهة الهادئة، ولكنها مواجهة تُوظَّف فيها كل الأساليب المتاحة. صاحب الحاجة لا يملك إلا المال يراه كفيلا وقمينا مقابل الخدمة الجليلة التي سيتلقّاها، وشامان حاذق يربك خصمه منذ اللحظة الأولى، منذ النّظرة الأولى، منذ الانطباع الأوّل، لأجل جعله ضحية له في النهاية. ولكنه، في الغالب، وكما هنا في هذه القصة، ضحية غير مستلب الإرادة تماما، ويتصرف بوازع وعي جزئي. وبهذه النّوايا المتباينة، ومن أجل نتائج تصبّ في رغبات كل طرف، تبدأ الطقوس وعملية الصدام التي تتشكّل على نحو تلاق مسالم، ولكنه ليس بريئا كل البراءة، فكل طرف يخفي بعض أو جل أو كل ما لديه.
وعندما يتحقَّق مثل هذا التّلاقي، تصبح المواجهة بين صاحب الحاجة والشامان، حبلى بالتحدّيات، بين شخص تعيس يبحث عن حقيقة متوارية وربما مستحيلة، وشخص يدّعي امتلاكه لهذه الحقيقة بأساليبه الخاصة المُحاطة بشعائر وطقوس لا تخلو من الخوف والرّهبة. وهنا يطبق الشامان سلطته وهيمنته الكاملة على ضحيّته الباحث عمّا يبتغيه. وبالنهاية فإن الشامان تتجلّى مهمّته الأساسية في إرضاء زبائنه ولو بالتقسيط، أو دُفعة واحدة، حسب الحاجة والظّرفية والسياق. وهكذا نقرأ في القصة ذاتها، فقرة بليغة، متقنة البناء، وغزيرة الإبداع: «جرّ بيد واحدة، بيد واحدة فقط، تعادل تماما قوّة مصارعين عتيدين، جرّ كرسي «الدوم» الواطئ بكامل ثقل جسمك إلى قربه، وطوى باليد الأخرى المظلّة إلى نصفها، فصرتما عندئذ معا تحتها وجها لوجه.
فكانت جبهتك لصق جبهته، وعيناك ترنوان إلى عينيه الخلاّبتين اللّينتين الشفيفتين، ويداك تمسكان بيديه الناعمتين الشبيهتين بالسيقان الخلفيّة للضفادع، ورجلك اليمنى محشورة بين فخذيه الطريّين المغريين، وسرعان ما عانقك حتّى نفذ إلى كيانك ثدي نافر فتّاك، وعطر أنثويّ فاغم، تعرفهما جيّدا، وتخبر حلاوتهما دون جدال، ثمّ همس في أذنك كما تفعل حبيبتك دائما، أو بالأحرى كما تفعل روحها المرئيّة الآن بالضبط بصوتها الرخيم، وتنهداتها الثملة المغناج: «لا تصدق وساوسك، فأنا لا أعشق سواك». ثمّ فجأة انبسطت المظلّة مجدّدا، لتتنبّه لحظتها أنّك كنت فوق الكرسي الخفيض لوحدك، وبين أناملك ورقة بيضاء فارغة!».
هكذا إذن ينسج الكاتب أنيس الرافعي لوحته السردية المُؤسّسة على أدوات نفسية وحسّية مع إضفاء طقوس غرائبية، يوظّف لها ساحرا بارعا، يتقن التلاعب بالحركة، وتغييب الإدراك، أو توجيهه، لكنه في النهاية يفرز حقيقة مقبولة أو محايدة، سيّان: «لا تصدق وساوسك، فأنا لا أعشق سواك». لكن هذه الحقيقة ليست سوى كلام مبني على الاستيهام، كُتِب على ورقة بيضاء فارغة فحسب!

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية