أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (10)

حجم الخط
0

صراع في الجامعة الأمريكية بين القوميين السوريين والعرب وسعادة نظر لفلسطين كمسألة سورية قومية مطار القاهرة الاوسع عربياً والأكثر مزاجية في تعامله.. وموظف في مطار طرابلس شكك بهويتي بسبب كتاب

أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية… وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي، و نصف قرن من الاوهام، و بلدانية فلسطين المحتلة، و الهاشميون والثورة العربية، و الهاشميون وقضية فلسطين، واخيرا مذكراته التي تنشر “القدس العربي” مقتطفات منها. “القدس العربي” كانت الكتائب اللبنانية قد شكلت في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي كردّ فعل وكجواب علي ظهور الحزب السوري القومي 1932 . وكان الصراع بين الحزبين شديداً. وفي تلك الفترة، وبالتحديد في صيف العام 1939، جئنا للاصطياف في لبنان، لأن صحة الوالدة كانت قد ساءت ونصح الأطباء لها بهواء الجبال لأنه ألطف وأنقي من هواء البصة الساحلية. واختار الوالد بلدة فاريا الجبلية ولم تكن آنذاك موقعاً سياحياً مزدهراً كما هي الآن لأن صهراً له زوج ابنة شقيقته كان يقيم في فاريا كمسؤول في الدرك عن الأمن في المنطقة، واسمه إبراهيم بدر. فاستأجر لنا منزلاً صغيراً مجاوراً لمخفر الدرك.

شاهدنا في أحد الأيام مجموعة من شباب الكتائب تدخل البلدة وتنصب لنفسها مخيماً واسعاً تحيطه بأسلاك شائكة وتحيط مدخله بأغصان من النخل وتضع فوقه اسم الكتائب اللبنانية وشعارها المعروف.

استفز الحدث والمنظر شقيقي فايز. واعتبرهما وكأنهما تحدٍّ للحزب، بل له شخصياً، وكأن وجودنا العابر في البلدة يعطينا حق تملك البلدة كلها! وكان فايز في مراهقته وشبابه المبكر يهوي الرسم والتصوير ويبرع فيهما إلي حد ما. وكان يحمل معه دائماً دفتراً كبيراً بأوراق سميكة يرسم عليها، ورأيته ذات مساء يرسم الزوبعة الحمراء شعار الحزب ويحيطها بدائرة سوداء ثم يكتب تحتها: تحيا سوريا ويحيا سعادة. ثم أغلق الدفتر الكبير علي اللوحة وحمله ودعاني وشقيقي منير إلي النزهة والتجول في الضيعة الوديعة التي كانت هادئة حتي وصول الكتائبيين إليها. واتجه بنا إلي مكان مواجه لبوابة المخيم. ويبدو أنه كان قد استطلع المكان وحركة الحراسة وتبين له أن تبديل الحرس يجري في السادسة مساء وأن الحرس القدامي والجدد يلتهون في الحديث عدة دقائق ويأخذهم الحديث عدة أمتار عن البوابة فينصرفون عن مراقبتها.

في السادسة تماماً أخرج فايز اللوحة التي رسمها الزوبعة الحمراء وأعطاها لمنير ولي، وأعطانا دبابيس، وطلب منا أن نذهب إلي البوابة ونضع اللوحة علي أحد جانبيها ونثبتها بالدبابيس فوق أغصان النخيل.

وحذرنا من أن يرانا الحراس. وطلب منا أن نعود بعد ذلك فوراً إلي البيت. وأعجبنا هذا الطلب البريء. وقمنا بالمطلوب بحماسة وإتقان وسرعة، الأمر الذي أغري فايز أن يعيد الكرّة في مساء اليوم التالي. وفعلنا الشيء نفسه للمرة الثانية. ولا شك أن هذه الهدية غير المتوقعة وغير المرحب بها أزعجت الكتائبيين كثيراً وأخذوا في اليوم الثالث يشددون الحراسة ويراقبون أهل البلدة وتحركهم وتنقلهم.

لا تتضمن ذكرياتي ذات العلاقة بالحزب أحداثاً ولا وقائع في السنوات الثماني الأولي من عقد الأربعينيات تستحق التسجيل غير تلك التي ذكرتها آنفاً. إلا أني فوجئت في خريف 1947، عندما عدت إلي طبريا بعد أن أقفلت جميع المدارس إثر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين 29/7/1947، بأن شقيقي فايز قد أصبح خارج الحزب وأن هناك هجوماً قاسياً وظالماً عليه يقوم به بعض أصدقائه ورفاقه القدامي علي صفحات الجرائد والمجلات الحزبية وغير الحزبية. وكانت الصدمة قوية لأنها كانت مفاجئة لم أتوقعها قط لأني كنت أجهل الصراع الذي نشب بينه وبين سعادة منذ آذار (مارس) من ذلك العام. ومثلما انقلبت الأمور بين فايز والحزب انقلبت صورة الحزب في ذهني. وكان رد الفعل الأول أن كتبت مقالاً قاسياً ضد الحملة علي فايز وذيلته بتوقيع مستعار، جهاد، وكنت منذ طفولتي أحب هذا الاسم لكني لم أستعمله من قبل وأرسلته إلي رياض طه، وكان صديقاً للحزب ولفايز معاً ويصدر مجلة أخبار العالم مع صديق آخر لفايز ممتاز الخطيب. ولا أعلم إذا كان الصحافيان قد نشراه لأن مجلتهما لم تكن تصل إلي طبرية.

إلا أن هذه الغضبة العاطفية علي الحزب سرعان ما خبت نيرانها في العام التالي، بعد أن جئت إلي لبنان والتحقت بمدرسة صيدا الأميركية مدرسة الفنون في شباط (فبراير) 1948. رفيق شرفوهكذا، وحينما تخرجت في مدرسة صيدا صيف 1949 والتحقت بالجامعة الأميركية في بيروت في خريف العام نفسه، تعاملت مع القوميين في الجامعة وخارجها كما تعاملوا هم معي، رفيقاً لا شك في انتمائه. لعلي كنت رفيق شرف علي وزن دكتوراه الشرف أو أستاذ الشرف الشائع في الحقل الأكاديمي. وأصبحت قضية فايز صايغ ورائي تماماً في بيروت كما كانت في سنتي الأخيرة في صيدا.

لم يمض ِ علي وجودي في بيروت أسابيع قليلة حتي فوجئت صباح يوم الجمعة الثامن من تموز (يوليو) 1949 بإعدام زعيم الحزب، سعادة، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من خيانة حسني الزعيم الذي انقلب علي السلطة في دمشق في آذار (مارس) من العام نفسه واستلم الحكم لضيفه الذي لجأ إليه ثم سلمه لرجال الأمن اللبناني وأجريت له محاكمة عسكرية صورية في بيروت انتهت بالحكم عليه بالإعدام وتنفيذ الحكم بعد ساعات قليلة. وبالطبع صدمت عند قراءة الخبر في جريدة التلغراف البيروتية التي كان بائع الصحف ينادي علي الخبر الرئيسي فيها بأعلي صوته. حتي أني، كما أذكر، أخذت منه الجريدة ومضيت أقرأ الخبر دون أن أسدد له ثمنها. ولم أفطن إلي ذلك إلا بعد أن لحق بي البائع مطالباً بحقه!

كانت السنوات التي مرّت وأنا في الحزب دارساً في الجامعة الأميركية 1949 ـ 1953 سنوات ما بعد غياب سعادة المفاجئ والصاعق، حافلة بالتداعيات والانعكاسات علي الحزب مباشرة وغير مباشرة، علي علاقاته الداخلية ومع الآخرين، وعلي نظامه الداخلي ومسؤولياته وسياساته واتجاهاته. وكان الحزب خلال هذه الفترة كبناء فقد سقفه كلياً وفقد جزءاً كبيراً من أساساته، فتلاعبت به أهواء وميول ورغبات زعزعت متانته المعروفة سابقاً وتركت في بنيانه تفسخات وشقوقاً ما زال الحزب يعاني من بعض مخلفاتها إلي اليوم. ولا شك أن حزب النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي كان في نواح عدة غير حزب السنوات الثلاث ونصف الأخيرة من الأربعينيات، أي منذ عودة سعادة إلي الوطن، تماماً مثلما كان حزب تلك الأشهر الأربعين غير الحزب في السنوات التسع التي غاب سعادة فيها عن الوطن. ذلك أن سعادة لم يكن مجرد رئيس لحزب، بل كان المؤسس والزعيم الأوحد والآمر الناهي بكل شيء يتعلق بالحزب وبأعضائه. ومهما تحدث أعضاء الحزب عن ديموقراطية سعادة في تصرفاته ودستوره تظل الحقيقة أن أغلبية الأعضاء ظلوا علي مر الحقب والعهود في ثلاثة أرباع القرن يتعاملون مع سعادة، شخصاً ورسالة ومؤسسة وأفكاراً وسيرة حياة، أشبه بتعامل المؤمن مع أنبيائه ورسله. وهذا رأي يخالفني فيه بعض رجالات الحزب ممن تجادلت معهم. وأترك لمن يدرس تاريخ الحزب أن يقرر الخطأ من الصواب في رأيي هذا خاصة أني عبّرت عن رأيي في أكثر من مناسبة في الأعوام الخمسين الأخيرة، وكنت في كل مرة أجابه بالنقد والاعتراض وبالتجريح أحياناً.

تعاملت مع الطلاب المنتسبين إلي الحزب في الجامعة كواحد منهم. وتعاملوا هم معي كذلك. فكنت أحضر الاجتماعات التي تجري في السر بسبب قرار الحكومة اللبنانية حل الحزب وملاحقة أعضائه. وكنت أتلقي التعليمات وأنفذها، وأنقلها إلي رفاقي. وتدرجت في المسؤولية الحزبية من مذيع وهو مسؤول الدعاية في أصغر خلايا الحزب، المديرية إلي مدير، إلي منفذ للطلبة. ذلك كله في مدي أربع سنوات. كما كنت مساهماً رئيسياً، علي مستوي منفذية الطلبة، في ثلاثة من النشاطات السياسية للحزب في الثلث الأول من الخمسينيات في انتخابات المجلس البلدي لمدينة بيروت، عن أحد مقاعد رأس بيروت، وقد ترشح له عضو من آل شاتيلا يعمل في تجارة الخضار. وفي انتخابات المجلس النيابي وقد ترشح له عضو قيادي عن المقعد السني في رأس بيروت هو نقيب الصيادلة أديب قدورة. ومع أن كلا المرشحين سقط إلا ان النشاط الثالث حالفه النجاح وهو مهرجان دير القمر الذي أعلنته المعارضة اللبنانية لرئيس الجمهورية آنذاك (بشارة الخوري) في تموز (يوليو) 1952. فقد كان مهرجاناً شعبياً سياسياً حاشداً ضم مئات الآلاف من اللبنانيين. وكان حضور الحزب لافتاً ومؤثراً. إذ استطاع عشرات الآلاف من أعضائه الذين شاركوا في المهرجان أن يثبتوا وجود الحزب وصموده وحيويته بالرغم من قرار حلّه الرسمي وبعد ثلاث سنوات فقط من إعدام زعيمه. وقد انتهي المهرجان بسقوط رئيس الجمهورية الذي كان قد صدّق علي الحكم بإعدام سعادة مع رئيس حكومته رياض الصلح الذي نفذ أحد القوميين حكماً بإعدامه فأرداه قتيلاً في عمان بعد سنتين فقط من إعدام سعادة. كما انتهي المهرجان باعتلاء كميل شمعون، حليف الحزب آنذاك، سدة الرئاسة.

الصراع بين القوميين السوريين والعرباشتد الصراع، أثناء وجودي في الجامعة، بين القوميين السوريين والقوميين العرب، وكان الصراع امتداداً طبيعياً وطليعياً للصدامات الفكرية والسياسية بين الجماعتين خارج الجامعة منذ عودة سعادة 1947. كان التصدي للانتداب الفرنسي هو البند الرئيسي علي جدول أولويات سعادة خلال وجوده في لبنان في الثلاثينيات. أما في الأربعينيات، وأثناء اغترابه، فقد تميزت مسيرة الحزب بمواجهة الشيوعيين. ذلك أن الفرنسيين أُجلوا عن لبنان منذ منتصف الأربعينيات بعد أن نال لبنان استقلاله أواخر 1943. وكوّنت الاحتكاكات والاصطدامات مع الشيوعيين المادة الرئيسة في تاريخ الحزب حتي 1947. وكان بعض ذلك متأثراً بالمناخ الدولي الذي سيطر عليه الفكر القومي المتطرف منذ الثلاثينيات بسبب سياسات هتلر وموسوليني وفرانكو الداخلية والدولية.

لكن أجواء حرب فلسطين، ونتائجها المفجعة، جعلت سعادة يركّز علي موضوع المجابهة السورية العربية للخطر الصهيوني. كانت المجابهة قومية عربية في الغالب، بشعاراتها والتزاماتها وإعلامها وبيانات المسؤولين في الأقطار العربية ومواقف الأحزاب والهيئات الشعبية والمدنية. فأراد سعادة أن يصحح الوضع ويعيد البوصلة إلي مكانها الصحيح بنظره، وهو أن المسألة الفلسطينية مسألة سورية قومية في الدرجة الأولي. وربما أضاف إلي حدة مشاعره ضد التيار القومي العربي أن زعامة التيار كانت في لبنان تحت سيطرة آل الصلح، وبالذات رئيس الحكومة اللبنانية رياض الصلح، الذي بادر سعادة بالعداء منذ نزوله من الطائرة في بيروت 2/3/1947 فأصدر بحقه مذكرة توقيف بحجة أن خطابه هدد الكيان اللبناني الذي كان الصلح أحد صنّاعه في العام 1943. كما كان الصلح أحد صنّاع الفتنة ضد الحزب في ما يسمي بحادثة الجميزة حزيران (يونيو) 1949 التي اعتدي فيها حزب الكتائب علي مطابع الحزب ومكاتب جريدته في تلك المنطقة المعروفة بمارونيتها المتطرفة. عشت أنا، إذن، سني احتدام الصراع القومي السوري العربي 1949 ـ 1954. وكانت العروة الوثقي، وهي المركز الثقافي الأول لا في الجامعة فقط بل في لبنان كله وإلي حد ما في الوطن العربي تعمل تحت سيطرة القوميين العرب منذ إنشائها أواخر الحرب العالمية الأولي حتي حلّها 1956. لذلك تجلّي الصراع بين صفوف الطلبة في الجامعة، وخاصة بين العروبيين والسوريين القوميين، علي تسلم السلطة في هذه الجمعية الرائدة. ولم ينجح القوميون السوريون قط، ولا نجح الشيوعيون الذين هم أيضاً طمحوا إلي احتواء الجمعية، في السيطرة وإن نجحوا أحــياناً في التسلل إليها واحتلال بعض المقاعد.

مغادرة الحزبتشاء الصدف أن يكون موعد الاحتفال السنوي بمولد سعادة مساء (الثامن والعشرين من شباط ـ فبراير) هو نفسه عيد ميلاد زميلتي في الجامعة التي قامت بيننا صداقة قوية هيلدا شعبان، وقد أصبحت زوجتي. وكان عليّ أن أختار أن أكون برفقتها أو برفقة زملائي في الحزب. وتدريجياً، وبعد أن تأثرت بظروف وعوامل تدعوني إلي ترك الحزب، أصبح غيابي عن الاحتفالات القومية ملحوظاً. وصار مادة للتهكم والتشنيع والسخرية. لكن مشاعري العاطفية لم تكن هي السبب في الابتعاد عن الحزب بعد سنوات قليلة من الانتساب غير الرسمي إليه.

لم يكن للعواطف علاقة بالموضوع. لقد وجدت نفسي غير قادر علي الاستمرار في الانتساب لحزب ولا في المجاهرة بعقيدة بعد حصول جملة من الأحداث والمؤثرات التي انعكست في ضميري ووجداني مثلما ضغطت علي أفكاري ونظراتي إلي الإيمان والعمل.

هناك عاملان وتطوران أساسيان دفعاني إلي الخروج من الدائرة الحزبية الصغري إلي الدائرة الوطنية الكبري عامل سير الحزب في عهد رئاسة جورج عبد المسيح بخطي حثيثة نحو التزمت والانغلاق، نحو الضمور العقائدي واستبدال النظام اللازم لصحة العمل بالتشدد القائم علي تقديس العقيدة وصاحبها، ونحو التصرف وكأن الحزب طريقة مذهبية والعقيدة دين والرسالة الاجتماعية وصايا منزلة. وعامل ظهور الحركة الناصرية علي خارطة الإيمان العربي ودخول مصر الناصرية حلبة النضال من أجل فلسطين والعرب. وسأتحدث عن كل من هذين العاملين بشيء من التوسع لا لأنهما لعبا دوراً حاسماً في تقرير مساري الفكري والسياسي فحسب بل أيضاً لأن دورهما هذا ينسحب علي أفكار الآلاف من المثقفين العرب في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حتي أصبح الموضوع الذي قد يبدو لقارئي خاصاً ظاهرة سياسية وثقافية عامة في طول البلاد العربية وعرضها في مدي عدة عقود.

جورج عبد المسيح من أكثر الشخصيات السياسية في بلادنا مثاراً للجدل. ولعله من أكثرهم تناقضاً في شخصه وصفاته وتصرفاته. ويرجع الاختلاف في وجهات نظر الآخرين فيه إلي اختلاف الآخرين فيما بينهم عما يطلبون من القائد المناضل. كنت أنا، وما أزال، أحاول أن أعطي الرجل حقه، فأعترف بما له من إيجابيات وأسجل عليه ما أري فيه من سلبيات، الأمر الذي جعلني أعارضه وأنتقده حينما كنت نشيطاً في الحزب إلي درجة أني تركت الحزب انسجاماً مع قناعاتي. كما جعلني من الجهة الثانية أكتب مدافعاً عن خصال وفضائل رأيتها فيه ولم يرها معظم القوميين فنالني منهم العتب والتأنيب.

صراعات الحزب الداخليةلم يشغل بالي في مطلع الخمسينيات الخلاف الذي نشب بين تيارات وقيادات متصارعة علي السلطة في الحزب، بين موال ومعارض لعبد المسيح. كنت طالباً في أولي سنوات الدراسة الجامعية، صغير السن ولا أحمل طموحات سياسية ولا حزبية، وكل همي أن أعمل في سبيل الحزب ونشر مبادئه عضواً عادياً من بين عشرات الآلاف من الأعضاء. غير أن بالي بدأ ينشغل حينما أخذ عبد المسيح يبعث إلينا بتعليماته وقراراته التي عبّرت بوضوح عن جمود ورجعية في النظر إلي الممارسات في الحياة اليومية والعادية. ممنوع علي الرفيق أن يحضر فيلماً سينمائياً أو حفلاً غنائياً أو أن يدخن سيجارة أيام الجمعة، فإن إعدام سعادة صباح يوم جمعة يجعل من ذلك النهار يوم حداد دائم للحزب. وعلي من يزور العرزال وهو أشبه بخلوة مرتفعة بناها سعادة فوق جذع شجرة في أرض له في بلدة ضهور الشوير وخصصها للمطالعة والتأمل والاختلاء أن يخلع حذاءه، بل إنه اعتبر زيارة العرزال أشبه بحج إلي مكان مقدس. وتوالي إصدار القرارات التي وجدها بعض المتنورين في الحزب، وخاصة في صفوف الطلبة الجامعيين، أنها مؤشر علي ولوج الحزب منحي خطيراً يعززه تثبيت هالة القداسة علي الزعيم، علي صوره وأقواله وكتاباته وروايات مريديه عنه. وهو منحي يهدد حرية الرأي والنقد بين الأعضاء، ويمنع الاجتهاد والتفسير المخالف للرأي الشائع والموروث.

ربما كنت أكثر من اعترض علي هذه الممارسات بين الطلاب القوميين في الجامعة، مع اعترافي بأن صديقاً ورفيقاً كان يحرّضني علي التمرد ويشجعني في مخالفة تلك القرارات وممارسة المحظورات علناً، وهو إنعام رعد الذي وصل إلي سدة رئاسة الحزب بعد ذلك بعشرين سنة، والذي أسهم أكثر من غيره في فتح نوافذ الحزب، عقيدة وسياسة وممارسات، التي أحكم جورج عبد المسيح إغلاقها، علي الفكر المتطور وعلي الأوضاع المتبدلة والأحداث الطارئة والأوضاع الراهنة في الحزب، في الوطن والعالم.

لن أزعم أنه لولا جورج عبد المسيح وقيادته للحزب في ذلك الأسلوب الاستبدادي لما كنت قد تركت الحزب بالتأكيد. لكن ذلك الأسلوب كان عاملاً مؤثراً في اتخاذ قرار الترك، عاملاً تلقائياً وداخلياً ومتدرجاً ولاشعورياً إلي حد ما. والحدث الذي كان القشة التي قصمت ظهر البعير، حسب المثل العربي، هو مقتل الضابط المحبوب في الجيش السوري عدنان المالكي يوم الثاني عشر من نيسان (أبريل) 1955 . لم يكن المالكي كشخص بالذات يعني لي الكثير. ولم أكن قد سمعت باسمه إلا عرضاً، ولم أكن متعاطفاً مع حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان المالكي أحد رموزه العسكرية. لكن حادثة الاغتيال هي التي استفزتني بحد ذاتها. وكنت أتخذ الموقف الرافض نفسه مهما كانت شخصية الضحية أو اتجاهها السياسي. فأنا ضد الاغتيال وضد كل أنواع العنف وضد كل معارضة سياسية تنحرف عن الوسائل السلمية والديموقراطية. وأعترف أني كثيراً ما سألت نفسي لماذا لم آخذ الموقف نفسه عند اغتيال رياض الصلح 1951، بل إني لم أشعر بغضب أو أسف عند حصول الاغتيال. ربما كان لفارق السن بين الحدثين أثر في اختلاف المواقف، كنت ما أزال طالباً عند اغتيال الصلح. أما عند اغتيال المالكي فقد كنت أكثر نضجاً ووعياً. أما السبب الأهم فهو أن الصلح كان بالنسبة إلي الحزب المسؤول الأول عن جريمة قتل سعادة، بينما لم يكن للحزب ثأر من المالكي.

لم أكن وحدي الذي حمّل القيادة الحزبية وجورج عبد المسيح علي رأسها مسؤولية الاغتيال الذي نفّذه رقيب سوري ينتمي إلي الحزب. وبعيداً عن إدانة المحاكم العسكرية السورية للحزب ولقيادات كثيرة فيه بالجريمة وإصدارها أحكاماً قاسية بالإعدام والسجن المؤبد والسجن لمدد طويلة، وبعيداً عن الحملة الصحافية في سورية وأقطار أخري ضد الحزب آنذاك، كان التصرف السائد في الحزب يوحي أن الحزب مسؤول بشكل أو بآخر. صحيح أن كتابات ومذكرات صدرت في العقود الثلاثة الأخيرة تلقي الاتهامات علي جهات أخري غير الحزب، علي المخابرات المصرية أو علي عناصر بعثية مناوئة للمالكي أو علي عناصر غير بعثية في الجيش السوري، إلا أن ذلك الكلام خارج عن الموضوع. نحن نتحدث عن حدث وردود فعله والأقوال حوله والمواقف منه في أواسط الخمسينيات بالذات.

مثل غيري حمّلت عبد المسيح المسؤولية. وتركت الحزب نهائياً مع اعترافي بوجود عوامل أخري. لكني لا أصل في الحكم علي عبد المسيح إلي المدي الذي وصل إليه كثيرون في الحزب ومعظمهم ممن كانوا علي خلاف أو تنافس معه واستغلوا الفرصة لعزله عن القيادة وإلصاق أبشع التهم به. إن مذكرات الأمينة الأولي في الحزب، أرملة سعادة، التي كانت علي خلاف شديد مع عبد المسيح، تكيل إليه من الاتهامات ما يبدو صعب التصديق والقبول، اتهامات توحي بالغدر والخيانة. حينما توفي جورج عبد المسيح في أيلول (سبتمبر) 1998 كتبت عنه في السفير مقالاً أحاول فيه أن أصف الرجل دون أن أتغاضي عن سلبياته التي حملتني قبل خمسة عقود تقريباً علي الانسحاب من الحزب. ولاقي المقال رفضاً قاسياً من معظم أصدقائي من القوميين. أما أنا فلا أزال عند رأيي. إن الرجل الذي خدم الحزب طويلاً وكثيراً وضحّي لمبادئه وعقيدته وأخلص لزعيمه يستحق أن ينظر الحزب في إمكان رد الاعتبار له بعد سنين طويلة من التجني عليه. إن عبد المسيح، مثل فايز صايغ، كان ضحية ظروف سياسية وحزبية وثقافية معينة جعلت الموقف العام من كل منهما علي ما بينهما من تباعد في الرأي والشخصية والظروف يستوجب إعادة النظر فيها واتخاذ مواقف أكثر عقلانية وعدالة وانسجاماً مع ماضيهما وماضي الحزب. فقد رد الحزب الاعتبار فيما سبق لشخصين قياديين تخليا عنه من قبل غسان تويني الذي أقصاه سعادة عن الحزب خريف 1947 ثم اختاره الحزب نائباً عنه في البرلمان اللبناني بعد أقل من ست سنوات. وهشام شرابي الذي انسحب من الحزب 1956إثر تورطه في اغتيال المالكي وظل الحزب يتعامل معه بشكل طبيعي ورسمي وتكريمي حتي وفاته بعد حوالي خمسين سنة. حسناً فعل الحزب في الحالتين. إني أعتقد أن حزباً يثق بنفسه ولا يخشي إعادة النظر بقرارات سابقة وضعت في ظروف معينة لا يجوز له أن يخاف من تصحيح تاريخه. إن التطور والتجدد الضروريين في حياة كل فرد وجماعة لصيانة الذات والقدرة علي البقاء والاستمرار يحتمان مثل هذه المحاكمات الضميرية الذاتية.

في المدن وحكاياتهاتنقضي الأسفار وتختفي المشاهدمن الأعين وتبقي الانطباعات في المخيلةأقمت وزرت وتجولت في المئات من المدن في العشرات من الدول في القارات الأربع آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية. فأنا بطبيعتي مديني أحب المدن، مشاهداً ومقيماً ومتجولاً. ولا ننسي أن نصف سكان العالم إنما هم مدينيون مثلي والنسبة تزداد سنة بعد أخري. وتتراكم في الذاكرة آلاف الحكايات التي تخلفها الأحداث والحركات واللقاءات والأحاديث والمشاهدات والانطباعات والصدف، في البيت والفندق والمدرسة والمكتب والشارع والحديقة والمتجر والمقهي وعيادة الطبيب وقاعة المحاضرة ومكتب الموظف المسؤول والمطار وموظف الحدود وإدارة الشرطة، وغيرها من الأماكن التي تتكون المدينة من مجموعها ونوادرها وذكرياتها الحلوة والمرّة.

لا يُعني هذا الفصل من الكتاب بعرض تاريخي أو جغرافي أو ثقافي أو عمراني أو اقتصادي أو سكاني أو اجتماعي لمدن عرفتها. فللحديث في هذه الأمور كتب ومجالات أخري. نعرض هنا لعلاقة الإنسان المؤلف بالمدن التي ارتبطت أيامه بها، ارتباطاً أهّلها لأن تحتل جزءاً من ذكرياته.

قبل دخولي المدن وعرض ذكرياتها، لا بد من وقفة مطولة عند أبواب هذه المدن، عند المطارات والحدود البرية التي لا بد من عبورها قبل الوصول إلي المدن. وحديث الحدود والمطارات حديث متشعب وطويل، وحديث مضن ٍ وموجع بقدر ما تختزن الذاكرة من ذكريات قهر وانزعاج وتأخير تجمعت علي مرور الأيام في مطارات العالم، وخاصة مطارات العالم العربي. ولا أحسب أن هناك عربياً خاصة إذا كان فلسطينياً أو حتي فلسطيني الأصل والمولد لم يتعرض للمتاعب والصعوبات في معظم المطارات التي حل بها. ولذلك لا أزعم أني أستأثر بالوقائع التي سأروي، وبعضها يبدو وكأنه ضرب من الخيال أو وليد فن المبالغة التشويهية أو التشويقية. ولعل دريد لحام تفوق علي أي كاتب عربي في وصف المآسي الحدودية بين الأقطار العربية في تمثيليته المشهورة الحدود وصفاً ساخراً ومؤلماً.

كانت السفرات الأولي في حياتي خارج فلسطين برفقة العائلة، وكنت في سن الطفولة (1938و 1939). وكذلك كان مجيئي إلي لبنان 1948 إذ كنت برفقة شقيقي يوسف الذي تولّي معاملات الخروج من فلسطين ودخول لبنان عند معبر الناقورة. أما أول مرة اضطررت فيها إلي أن أتحمّل مسؤولية التنقل عبر الحدود العربية، في معبر الناقورة نفسه، فكان في ربيع 1948 حينما حاولت مع شقيقي منير أن نستغل فرصة عيد الفصح ونزور الأهل في طبريا. ولم يتح لنا ذلك بسبب إغلاق الطرق إلي المدينة. وعدنا أدراجنا إلي لبنان لنفاجأ عند الحدود أننا لم نحصل علي إذن بالعودة. ولم يحلّ المشكلة إلا مبلغ من المال نصحنا السائق بأن ندفعه للموظف علي الحدود. وبهذا الإجراء انفتح سجل تجربة السفر المرّة عبر الحدود والمطارات العربية التي تتكرر في عدة فصول في أكثر من عشر مدن عربية في مدي خمسين عاماً. مع الإشارة هنا إلي أني أتعمد الذهاب إلي المطار وإجراء معاملات السفر قبل الموعد المحدد بساعة أو أكثر حتي أقطع الطريق علي أي إشكال بحجة التأخر. وقد أصبحت عادة الذهاب باكراً تقليداً بل كابوساً يسيطر عليّ ويجعلني مثار استهزاء الآخرين، وخاصة زوجتي. وربما كانت هذه العادة نتيجة سفري لأول مرة في حياتي وحدي وعبر مطار بيروت. فقد اكتشفت بعد وصولي المطار أني تركت تذكرة السفر في المنزل. وعدت مسرعاً لإحضار التذكرة ولما وصلت المطار كانت الطائرة علي أهبة الإقلاع. وخوفاً من تكرار هذه التجربة، أصبحت أبكر في الذهاب إلي المطار وكأني أسافر لأول مرة في حياتي علماً أني اكتشفت فيما بعد أن كثيرين غيري يعانون من هذه العقدة النفسية ولعل من أبرزهم الدكتوران قسطنطين زريق وكلوفيس مقصود. وفي المقابل فإن شقيقيّ يوسف وفايز كانا يذهبان إلي المطار متأخرين في معظم الأحيان. وكنا مسافرين مرة، نحن الثلاثة، علي طائرة واحدة من بيروت إلي القاهرة، وجلسنا في مقهي المطار بانتظار إعلان الإقلاع نتجادل في موضوع العدد الأول من مجلة شؤون فلسطينية الذي كان قد صدر قبل أيام. وتشعب الجدل وطال حتي أقلعت الطائرة ونحن نتحدث. وأصبحت منذ تلك الحادثة أتحاشي السفر مع أي منهما!

القاهرة ومطارهامطار القاهرة هو الأوسع والأكثر حركة بين المطارات العربية. وهو أيضاً أكثرها تعقيداً في المعاملات وتبديلاً في إجراءات الدخول والخروج مما يجعلك دوماً لا تعرف كيف تتحرك من معاملة إلي أخري. أما أنا فلا يجوز لي أن أشكو. كان من حسن حظي أن دارساً في معهد البحوث والدراسات العربية كان مسؤولاً عن الرقابة الصحية في المطار. وكان الرجل خدوماً. ولمدة عشرين سنة كان يصرّ علي استقبالي عند سلّم الطائرة ليقوم بنفسه بإجراء المعاملات أو التسريع بإجرائها، ولا يتركني إلا علي باب سيارة التاكسي عند مدخل المطار. وإذ كان من عادة المرء أن لا ينسي الإساءات فحريٌّ به في المقابل أن يذكر دوماً الأفعال الحسنة، ولن أنسي أبداً جميل هذا الصديق المخلص، إسماعيل شلش.

ومرت الأيام. وقلّ سفري إلي مصر. وانقطعت الصلة مع شلش وفقدت عنوانه. ثم زرت مصر في أواخر التسعينيات. وتوجهت إلي مراكز الأمن واحداً بعد الآخر حسب الأصول. وأخذ ضابط المركز الأخير، وهو برتبة لواء، جواز سفري الدبلوماسي، وطلب مني أن أجلس في مكان قريب بانتظار ختم الجواز. انتظرت. ومرت عقارب الساعة وركاب الطائرة ينهون معاملاتهم واحداً بعد الآخر، ويخرجون لأخذ حقائبهم ومغادرة المطار. وقام اللواء من مقعده ليقول لي: سأعود حالاً. ولم يعد. وبعد أن صبرت أكثر من ساعة ولم يبق أمام ذلك الحاجز أحد قمت أبحث عن اللواء وعن الجواز. وتنقلت من غرفة إلي أخري، وعلي باب بعضها لوحة ممنوع الدخول. وكانت كلها خالية. ولمحت أخيراً طاولة بعيدة عليها جواز سفر مهجور. فأخذته وإذا به جواز سفري، وعليه الختم المطلوب. فحملته وخرجت ولا أحد يسأل.

يخطئ من يظن أن جواز السفر الدبلوماسي يحل المشاكل. إنه يعقّد الأمور أحياناً ويؤخر المعاملات.

وإذا كان جواز السفر الدبلوماسي لا يحل المشكلة أحياناً فإن حمل جوازيْ سفر دبلوماسيين يعقد الأمور أكثر. حضرت في الدار البيضاء في المغرب مؤتمراً. وكنت دخلت البلد بجواز السفر اللبناني المعفي من سمة الدخول. وعند المغادرة توجهت نحو الضابط المسؤول وأخرجت جواز السفر. وخطاً خرج من جيبي الجواز السوري وهو أيضاً جواز دبلوماسي. فأبقيته في يدي اليسري وناولته الجواز اللبناني باليد اليمني. فسأل عما بيدي الأخري. أعطيته إياه موضحاً أني لم أدخل به. وإذا به يسأل كيف أسمح لنفسي بحمل جوازين. أخبرته أن كليهما قانوني ورسمي وبمعرفة سلطات البلدين. قال إن هذا ممنوع ولا يمكنه أن يسمح لي بمغادرة المطار. وطلبت أن أري مدير الأمن في المطار. وقبل أن يصل كانت أبواب الطائرة تقفل ويبدأ المحرك بالدوران. وكان التأخر في اللحاق بها يعني المكوث أسبوعاً آخر في المغرب بانتظار الطائرة المتوجهة إلي تونس حيث كنت أعمل. وأشفق عليّ مسؤول شركة الطيران واتصل بقائد الطائرة بأن ينتظر قليلاً. وقام هو بإحضار مدير الجوازات الذي تفهّم قانونية حمل جوازي سفر في لبنان وسورية وأني لم أخالف القوانين، وأني حتي لو كنت أخالفها فإن ذلك يعود إلي سلطات البلدين وليس إلي سلطات الأمن المغربية!

وعرّجت مرة علي الجزائر من المغرب حيث ذهبت إلي البلدين في مهمة ثقافية. حطت الطائرة في مطار الجزائر في الواحدة صباحاً. وكنا، زوجتي وأنا، الراكبين الوحيدين القادمين من المغرب. وكان المطار خاوياً تماماً إلا من موظف للأمن وآخر للجمارك. وكانا نصف نائمين. أخذ الأول جوازَي السفر. وسأل عن سبب الزيارة، بطريقة أوحت لي أني أقترف إثماً. قلت لحضور اجتماعات كذا وكذا. فأشار بيده إلي زوجتي وسألني ماذا تفعل هي؟ قلت إنها زوجتي. والليلة هي ليلة رأس السنة. ورغبنا أن نكون معاً في المغرب كما في الجزائر. سأل ولماذا؟ قلت ألا تحتفل بالعيد مع زوجتك؟ ولم يعجبه جوابي واعتبره تحدياً فظاً. وقال ولكنها ليست مدعوة إلي الاجتماعات. قلت ما أدراك؟ قال المرأة لا تحضر الاجتماعات. أجبته هذه المرة ستحضر. وبعد أخذ ورد ختم الجوازين ورماهما في وجهي دون أن ينظر إليّ.

طرابلس الغربقمة التجارب التي لا تنمحي من الذاكرة كانت في مطار طرابلس الغرب. ذهبت إلي ليبيا لأول مرة بدعوة من رئيسها معمر القذافي. وكنت مديراً عاماً لمركز الأبحاث. وحملت له مجموعة من منشورات المركز هدية. مررت أمام موظف الأمن بسهولة. ولم تستغرق معاملات الدخول أكثر من دقائق معدودة. وجاء دور الجمارك. طلب الموظف جواز السفر ورزمة الكتب. وفتح الرزمة، وصدف أن كان الكتاب الأول بعنوان الاقتصاد الإسرائيلي. ما هذا؟. قلت كتاب من نشر المركز الذي أديره. هل أنت يهودي؟. ولم يكن يمازحني. قلت بل عربي فلسطيني. قال فلسطيني وتدعو إلي إسرائيل؟ أجبته بهدوء أن الكتاب مثل كل كتب المركز إنما هو ضد إسرائيل. إن مبرر وجود المركز هو لمقاومة إسرائيل. ولم يقنعه هذا الكلام. أعطني الجواز. وأخذ يقلّبه. ماذا؟ كنت في لندن؟. قلت نعم. زرتها عدة مرات. وقلب صفحة أخري وكنت في فرنسا أيضاً؟ قلت نعم. وفي ألمانيا قال بعد أن قلب صفحة ثالثة. وحتي أوفرّ عليه المزيد من المفاجآت قلت نعم. إني أزور معظم العواصم والمدن الأوروبية والأميركية. إن عملي كإعلامي في منظمة التحرير الفلسطينية يحتم عليّ ذلك.

قال إني لا أستطيع أن أسمح لك بإدخال هذه الدعاية الإسرائيلية. قلت ولكنها هدية للرئيس القذافي. قال إنه لا يقبل هدايا مثل هذه. قلت حسناً. لتبقَ عندك هنا وأنا أسترجعها عند مغادرتي البلاد بعد غد. وظننت أني قدمت حلاًّ معقولاً للمسألة. لكني أخطأت. لم أدرِ أنه لا يسمح بإبقائها عنده إلا إذا سلّمني إيصالاً بها. وأنه لا يستطيع أن يسلمني الإيصال لأن الختم أمامه لا حبر فيه. ما العمل إذن؟ أتريد سيادتك أن أعود في الطائرة نفسها قبل أن تقلع؟ لكنه أشفق عليّ بعد ساعة من الحوار الساخن. حسناً. فلنرَ ما أستطيع أن أفعل وأخذ المحبرة الجافة وبصق عليها ووضع الختم عليها ثم ختم به الإيصال وسلمني إياه وسمح لي بالمغادرة مع الاحتفاظ بالمنشورات الإسرائيلية. وما زلت أحتفظ بالإيصال معي لأني حينما غادرت قاعة المطار ركضت نحو باب الطائرة متنازلاً عن الكتب خوفاً من القبض عليّ بتهمة ترويج الدعاية الاسرائيلية واقسمت ان لا ازور ليبيا ثانية ومعي كتبي.

غدا حلقة اخيرة7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية