أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (الاخيرة)

حجم الخط
0

أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (الاخيرة)

أم الشاعر خليل حاوي كانت ترسل له دجاجة محشوة الي بريطانيا.. ومطارات الأعراب مفتوحة فقط للأغرابطبريا جنة العالم.. وبيروت أحب المدن.. تغيرت وصارت تحتاج لدليل أما كمبردج فأجمل بقعة غير عربيةأنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (الاخيرة)أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية … وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي ، و نصف قرن من الاوهام ، و بلدانية فلسطين المحتلة ، و الهاشميون والثورة العربية ، و الهاشميون وقضية فلسطين ، واخيرا مذكراته التي تنشر القدس العربي مقتطفات منها. القدس العربي دمشق وعمانلا عوائق تذكر عند التنقل بين بيروت ودمشق. فهو يجري براً إلا حينما كانت الطريق مقطوعة في بعض مراحل الحرب الأهلية حين كنت أذهب إلي دمشق جواً. لكن تجربة إحدي الزيارات كانت هي الأخري تحفل بالعوائق. كنت قد أخذت موعداً مع طبيب العيون في لندن بتاريخ محدد. وحجزت مقعدين لزوجتي ولي علي الطائرة الفرنسية التي تطير من دمشق إلي باريس في اليوم الأخير لمفعول سمة الدخول، بحيث أنتقل من باريس إلي لندن حال وصولي مطارها. وبحيث أنزل في مطار هيثرو في لندن قبل انتهاء الفيزا بساعات قليلة. وكانت الحرب في لبنان علي أشدها. أوصلتنا سيارتنا إلي شتورة. وهناك طلبت من مرافقي العودة إلي بيروت قبل حلول الظلام وأخذت تاكسي إلي دمشق. لكن موظف الحدود في الجانب السوري سألني أين بطاقتي الصحافية. استغربت السؤال. وتذكرت أن المهنة في تذكرة الهوية اللبنانية التي صدرت سنة 1958 أي قبل عشرين سنة من الواقعة تقول إني صحافي . ولم أكن أحمل بطاقة لأنني عملياً لم أكن صحافياً بالمعني الدقيق وإن كنت يومها أترأس تحرير شؤون فلسطينية ورفض الموظف أن يسمح لي بدخول سورية مع أني كنت سأدخلها ترانزيت إلا بعد أن يري بطاقتي الصحافية. وخطر لزوجتي أن تبرز له شهادة بالوسام السوري الذي أحمله، وهو أرفع وسام في القطر. فاحترمنا الرجل وسمح بعبور الحدود. وذهبنا رأساً إلي المطار. كان يجب عليّ أن ألحق بالطائرة وإلا تعذر الوصول إلي لندن في الموعد المحدد. وأجريت كل المعاملات. وذهبنا إلي قاعة المسافرين ونقلت الحقائب إلي الطائرة، ونودي علي الركاب. وإذا بمندوب الشركة، الفرنسي، يختار راكباً دون آخر. وبدا أن عدد المستعدين للسفر أكثر من عدد المقاعد الفارغة. وحاولت أن أفهمه أن معاملاتي قانونية وأني حجزت منذ أيام وأن الفيزا تنتهي في المساء وأن لديّ موعداً في اليوم التالي مع طبيب مختص، إلخ. ولم يفهم. لم يرد أن يفهم. وصدّني بفظاظة. مرة أخري لجأت زوجتي إلي براءة الوسام. ذهبت بسرعة إلي مكتب مدير أمن المطار وعرّفته بنفسها وأخبرته بالقصة. فجاء فوراً وطالب مندوب الشركة بلهجة الأمر: أوقف ذهاب الركاب إلي الطائرة فوراً. وأنزلْ جميع الركاب. واعمل علي دخول د. صايغ وزوجته وبعد ذاك أسمح لك باستئناف عملك. وهذا ما حصل. ولا أزال أذكر كيف تحوّل الموظف الفرنسي المتعجرف إلي نعجة ذليلة. وفهمت فيما بعد أنه كان يتقاضي رشاوي ممن يسمح لهم بالسفر علي طائرته لندرة الأماكن الخالية فيها.سبق أن ذكرت في فصل سابق منعي من دخول الأردن لحوالي ست عشرة سنة. ولما سُمح لي أُعطيت وعداً بعدم حصول أي إزعاج علي الحدود أو في المطار، وحسب التعبير الذي استعملته آنذاك ألا يطلب مني أن آتي في اليوم الثاني لشرب فنجان قهوة في مديرية الأمن . وفعلاً زرت الأردن منذ ذلك الحين عشرات المرات وكان الدخول والخروج طبيعيين. إلا في حالتين اثنتين.دعيت في خريف 1949 لمرافقة الدكتور قسطنطين زريق وحضور حفل تكريم له في قاعة محاضرات الجامعة الأردنية. وهبطت الطائرة في التاسعة مساء. وأخذنا إلي صالون الشرف. وأنجزت معاملة زريق بعد دقائق وأعيد إليه جوازه. وبقينا ننتظر إنجاز معاملاتي وإعادة الجواز. ودقت ساعة القاعة الثانية عشرة ونحن لا نزال ننتظر. وحاولت إقناع الدكتور بالذهاب إلي الفندق ليرتاح وكان في أواخر عقده التاسع. وأصرّ علي الانتظار معي. فتوجهت إلي مدير أمن المطار وسألته عن سبب التأخير. وأخذ يمهلني ويحدثني في أشياء تافهة وليست ذات بال وكأنه يحاول إلهائي. وفي الواحدة صباحاً وصل الجواز وقدمه ضابط الأمن إلي. قلت له أتسمح لي بسؤال يبدو سخيفاً ولكنه ملحّ: لماذا هذا التأخير مع أني آتي وأخرج منذ أكثر من عشر سنوات بدون أي سؤال أو تأخير؟ أجاب ببرود: أتسمح لي بسؤال أكثر سخافة ما هو موقفك من اتفاق أيلول (سبتمبر)؟ قلت: كتبت كتاباً ضده. قال: إذن عرفت السبب. قلت: لم أكن أعرف أن مطار عمان يخضع لسلطة عرفات. ولحقت بالدكتور زريق لنذهب معاً إلي الفندق، وكان في حال صحي ومعنوي سيء.نوادر المطارات العربيةتوجهت ذات يوم عام 1990 إلي العراق عن طريق مطار عمان، لأن الخطوط الجوية مع بغداد كانت مقطوعة من بيروت ودمشق. وبدلاً من أن تتحرك الطائرة في الثامنة صباحاً تأخرت حتي الثامنة مساء. ووصلت بغداد بعد أن كانت اجتماعات اليوم الأول لمشروع الموسوعة العربية التي عيّنت مستشاراً لها قد انتهت. ومع هذا كان الموظفان من وزارة الثقافة اللذان كلفا باستقبالي في المطار لا يزالان في انتظاري. وأسقط في يدي وفي أيديهما حينما أصرّ الضابط المسؤول عند باب الخروج علي عدم السماح لي بدخول العاصمة لأني لا أحمل شهادة ضد مرض السيدا. لم أكن أعلم أن المسافر إلي العراق يجب أن يحمل مثل هذه الشهادة. لا شركة السفر ولا السفارة أبلغاني بذلك. سأل أحد المرافقين الضابط: إذن ما العمل؟ أجاب: نجري للأستاذ فحص دم. وينتظر في المطار يومين أو ثلاثة حتي تظهر النتائج. لكن لما عرف الضابط سبب مجيئي إلي العراق تبدد خوفه علي الشعب العراقي من أن أحمل له جراثيم هذا المرض الخطير وسمح بدخولي. أختم هذه السلسلة من النوادر المؤلمة عن حال المسافر العربي في مطارات وطنه الشاسع بواقعة من نوع آخر حصلت صيف 1987 في المملكة العربية السعودية. وصلت طائرة الميدل إيست إلي مطار جدة في حوالي السادسة مساء ليأخذني مندوب وزارة الحج والأوقاف إلي الطائف حيث سنعقد اجتماعاً للمجلس الاستشاري للموسوعة الفلسطينية برئاسة الوزير الشيخ عبد الوهاب أحمد عبد الواسع. واستقبلني المندوب في صالون كبار المسافرين. وتحولت معدتي إلي بحيرة من السوائل إذ توالت أقداح القهوة والشاي والهال والماء زهر وعبارات الترحيب والتكريم. وبعد ساعة أخبرني أنه لن ينتقل بي إلي الطائف إلا بعد أن تصل الطائرة القادمة من دمشق تحمل عدداً من أعضاء المجلس. ووصلت الطائرة بعيد منتصف الليل. وركبنا سيارات التشريفات الفخمة. وقبل أن يتحرك الموكب المهيب، بحرسه وأبواق سياراته لفتح الطريق، تنبه مسؤول الضيافة الي أنني مسيحي. إذن فنحن لا نستطيع أن نتوجه إلي الطائف عبر الطريق المار في جوار مكة المكرمة. علينا أن نسلك طريقاً آخر طويلاً. وكان يشاركني في السيارة المحامي الفلسطيني عبد المحسن أبو ميزر. وأخذ يحدثني عن نظرية تثبت أن حجر الكعبة الأسود إنما هو من حجارة طبريا السوداء. وحينما وصلنا الفندق المعدّ لإيوائنا في الطائف في الثالثة صباحاً كان أبو ميزر لم ينهِ بعد حديثه المفصل. وأخذ زملائي ينهالون عليّ باللوم: لماذا لا تعلن إسلامك يا أستاذ وتريحنا من عناء هذا الطريق الطويل؟ أجبتهم أني لو فعلت ذلك لخسرت رفقة أبو ميزر!يلاحظ القارئ أن جميع المطارات ونقاط الحدود المذكورة في هذا الفصل إنما هي عربية وعلي الأرض العربية وتتعامل في الغالب مع المسافر العربي. حاولت كثيراً أن أتذكر إزعاجات حصلت لي في مطارات أجنبية، في آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية حتي أنفي عن شعبنا الاتهام بأنه فريد في ممارسة هذه المنغصات التي كثيراً ما تفقد السفر متعته وتسلب من المسافر راحته. ولم أتذكر حادثة واحدة من عدة مئات من حالات السفر بين تلك المطارات وعبر حدود تلك الدول. ومرة أخري أقول إني لا أزعم أن هذه الإزعاجات كانت موجهة ضدي شخصياً أو لظروف معينة، بل هي من النوع العام والشائع الذي يختبره آلاف المسافرين العرب يومياً في هذا المطار أو ذاك. حتي إني فكرت مرة أن أصدر كتاباً أجمع فيه شهادات العشرات من الكتّاب العرب عن معاناتهم في المطارات وعلي الحدود العربية. ولو فعلت ذلك لكان كتاباً شيقاً وطريفاً، ولكان مُنع في سائر الأقطار العربية!ومن هنا أطلقت علي المطارات العربية تعبير البوابات التي تُشرّع أمام الأغراب وتوصد أمام الأعراب!طلبات الناس الثقيلةتترافق مع ذكريات المطارات ذكريات من نوع آخر مرتبطة بالسفر والتنقل. إنها تثقيل بعض الناس علي المسافر بأن ينقل لهم أغراضاً لقريب يقيم في البلد الذي يتجه المسافر إليه. وهي من العادات العربية البشعة والتي كثيراً ما تكون محرجة. وقد تعرضت لهذا النوع من الطلبات المزعجة، لبّيت القليل منها واعتذرت عن تنفيذ الكثير. فمنذ أن ركبت الطائرة لأول مرة في حياتي، من بيروت إلي القاهرة 1954 طلبت إليّ سيدة صديقة للعائلة أن أحمل معي إلي ابنتها المقيمة في مصر تنكة زيت. فعلت ذلك خجلاً. وتحملت كل متاعب عمل مثل هذا. ومرت الأيام، وكرّت طلبات الأصدقاء والصديقات، ومعظمها من أمهات إلي أبنائهن أو بناتهن. وكلها تتعلق بأمور كمالية يجوز الاستغناء عنها. وأكثر ما حصل لي بهذا الخصوص حينما كنت أتنقل أسبوعياً بين بيروت والقاهرة، أو شهرياً بين بيروت وتونس. عشرات القصص في تجارب لا أنفرد بها. ألم ترسل أم الشاعر خليل حاوي مع أحد المسافرين إلي كمبردج دجاجة محشوة من إعدادها هي نفسها ، وكأن لا دجاج في كمبردج. وكان أن تأخر المسافر في تسليم الأمانة فأكل خليل الدجاجة وقد فسدت فتسمم ونقل إلي المستشفي؟ أما أنا فوصلت إلي قرار لا أحمل تواصي إلا إذا كانت أدوية أو أدوات علاجية.والأخطر من طلبات مثل هذه أن تكون المادة المطلوب نقلها خطرة سياسياً أو أمنياً. وكنت أعتذر عن تلبية طلبات حمل أغراض لا أطمئن إلي محتوياتها. القدسصرفت سنوات الدراسة الثانوية الثلاث في القدس (خريف 46 حتي خريف 47) وصيدا (شتاء 48 حتي صيف 49). ودخلت المدينتان حياتي عن طريق الفرض والحاجة. ولم تدخلا عن طريق الرغبة الذاتية والاختيار الحر. وربما كان لهذه الظروف أثرها في تحديد موقفي من المدينتين خلال إقامتي فيهما ثم بعد مغادرتهما. يضاف إلي ذلك ظروف أخري، الابتعاد عن الأهل لأول مرة والإقامة في مدرسة داخلية، ونشوب الاضطرابات ونمو الخطر الصهيوني وقيام دولة العدو واغتصاب الأرض وتشريد السكان ومن بينهم أسرتي، وتحول إنسان فلسطيني مثلي من مواطن يترقب ساعة تحرير بلده إلي لاجئ يحلم بالعودة إلي وطنه.الحكم علي بلد إنما هو حاصل رضي الإنسان علي ذلك البلد وسعادته فيه. التجربة الحية هي التي تجعلك تحب بلداً أكثر من غيره. كن سعيداً تر العالم جميلاً. لذلك قد أكون مخطئاً في تقييمي لمدينتيْ القدس وصيدا. وقد يراهما غيري علي عكس ما رأيته فيهما. وسيكون معه كل الحق في ذلك بقدر ما معي أنا بعض الحق.سئل المفكر الفلسطيني إدوار سعيد مرة في مقابلة تلفزيونية عن القدس. فلم يبدِ حماسة ولا إطراء. وثار الناس عليه واتهموه بالعقوق. بل وصل التهجم عليه حد التخوين. لذلك، وحتي لا ينالني ما نال ذلك المفكر قبل رحيله، سأحاول أن أكون دبلوماسياً ولبقاً في الإفصاح عن مشاعري تجاه القدس أو صيدا أو أي مدينة أخري لها عشاقها الكثر. أكتفي بالقول إن جمالات هاتين المدينتين المتعددة الألوان والأشكال موجودة بوفرة لكن عينيّ لم تظفرا برؤيتها لضعف البصر فيهما ليس إلا!كانت تحركاتي في القدس محدودة مثل أي تلميذ داخلي تقع مدرسته علي جبل علي أحد أطراف المدينة. ولولا المشوار الأسبوعي المفروض علينا إلي الكنيسة أيام الآحاد لقلت إني لا أعرف القدس خارج حي القطمون، ذلك الحي الراقي بسكانه ومبانيه وحدائقه وشوارعه، الذي استأجر شقيقي يوسف غرفة عند بعض سكانه. وكان يوسف يأخذني بين الحين والآخر إلي غرفته أو إلي بعض المطاعم والمقاهي والنوادي مساء يوم السبت. وكانت هناك زيارات أخري إلي مبني جمعية الشبان المسيحية، أحدث مباني القدس الحديثة وأجملها بقاعاته ومكتبته وبرجه العالي، في مواجهة فندق الملك داود الذي اتخذت سلطات الانتداب جانباً من مبناه كمقر للدوائر والوزارات المختلفة في فلسطين، والذي استهدفه الإرهاب الصهيوني وفجّر بعض أجنحته وسقط أكثر من تسعين من الموظفين المدنيين، عرباً ويهوداً وبريطانيين وبينهم بعض رؤساء الإدارات وكبار الموظفين.لم أعرف من القدس أكثر من ذلك. بالطبع زرت المسجد الأقصي وقبة الصخرة وكنيسة القيامة وبعض الأماكن المقدسة إسلامياً ومسيحياً، وزرت الكلية العربية حيث كان شقيقي منير طالباً في سنته الأخيرة. لكنها كانت زيارات خاطفة يشترك فيها العشرات من الطلبة تحت إشراف الأساتذة. وما بقي في الذاكرة هو المدرسة وقسوة الحياة فيها، والبرد القارس في الشتاء، وما كان البرد يتركه من ألم في أصابعي، وعدم التعود علي بعض تقاليد المدرسة وقوانينها الشديدة، واضطراري لحصر مصاريفي في التسلية بسبعة قروش فقط في الأسبوع هي كل ما كان أمين صندوق المدرسة، الأستاذ زحلان يعطيني كل يوم سبت. بيروت وبيروتيوقعت بحبها منذ النظرة الأولي. إنها بيروت. جئتها مرة أو مرتين في النصف الأول من ثلاثينيات القرن الماضي. وكنت طفلاً. ولا أذكر منها ولا عنها شيئاً. بل لا أعرف أني جئتها إلا من أحاديث الأهل فيما بعد. وفي صيف 1938 كانت الزيارة الأولي الراسخة في الذاكرة. وصلناها، الوالدان والأشقاء، في القطار من دمشق التي كنا قد عرّجنا عليها وصرفنا أسبوعاً في ضيافة إحدي عمّاتي التي لا أذكر عنها الآن سوي أرغفة الصفيحة أو اللحم بعجين التي كانت تتقن صنعها علي الطريقة الشامية. وكان القطار وسيلتنا أيضاً للسفر بين سمخ جنوب طبريا ودمشق، مروراً بجسر المجامع وبدرعا. وسفر القطارات متعة لا تقدّمها وسائل النقل الأخري، لا السيارة ولا الطائرة ولا السفينة.أقمنا في منزل آل المعلوف، أقدم أصدقاء الأسرة من اللبنانيين، منذ أن تزامل شقيقي يوسف مع ثاني أبناء المعالفة، رشدي، في مدرسة الأميركان في صيدا . وكانت الشقة تحتل الطبقة الثالثة من بناية طقوش التي لا تزال قائمة حتي اليوم في شارع جان دارك في منطقة الحمراء وبالقرب من الجامعة الأميركية حيث كان ثلاثة من أشقائي وثلاثة من المعالفة يدرسون آنذاك. وكانوا يذهبون في الصيف إلي ضيعتهم الصغيرة عين القبو في منطقة المتن الشمالي بين بسكنتا وكفرعقاب. ولذلك نزلنا في شقتهم بدل أن ننزل في فندق، إلي حين تم استئجار منزل ريفي صغير في تلك الضيعة مكثنا فيه إلي آخر فصل الصيف.بدا كل شيء في غاية الروعة والجمال في بيروت. خبزها ولبنتها الطازجة من محلات ضومط وأجبانها البيضاء وفواكهها وتبّولتها وكشكها الذي لم نكن نعرفه في فلسطين… كل شيء لذيذ. أذهب مع أبي في الصباح لشراء ما نحتاج إليه من أطعمة. ونلعب في الشارع الذي لم يكن مكتظاً بالناس ولا بالسيارات لأن الجامعة ومحيطها في عطلة الصيف وقد فرّ الجميع إلي الجبل، وندخل الجامعة من بابها الكبير. تأخذنا الرهبة أمام مبانيها الشامخة المائل لونها إلي الصفار. هنا يدرس يوسف وهنا يدرس فؤاد وهنا يدرس فايز. وهنا سأدرس يوماً ما. والحدائق والأشجار والطرقات الملتوية من بناية الكوليدج ذات الساعة التي لا تخطئ إلي بناية الكيمياء والفيزياء علي كورنيش البحر. نروح ونجيء ولا سيارات نخاف منها ولا أساتذة وطلاب بل متفرجون ومتنزهون مثلنا. نشعر أننا كبار لأننا نسير حيث سار الكبار منا. ونشعر أننا صغار لأن كل من يصادفنا علي الطريق يبتسم لنا وبعضهم يسألنا عمن نكون ومن أين أتينا.حتي بناية طقوش التي نقيم في إحدي طبقاتها كانت مصدر تسلية لي. تولدت فيّ هواية جديدة أحصي عدد الأحذية والبوابيج المصفوفة أمام أبواب الشقق في الطبقتين الأولي والثانية كلما صعدت السلم أو نزلته. ثم أحزّر والدتي أو من أجده معها في البيت عن العدد، وأعد الفائز بجائزة كان الكل يصر أن تكون قبلة علي خده أو خدي أنا. ولعل في هذه الإحصاءات الطفولية ولد حرصي علي الدقة والتقيد بالأرقام والتواريخ الصحيحة ورفض التخمينات والتعميمات الإجمالية. كان الأستاذ أربري، رئيس قسم الدراسات المشرقية في جامعة كمبردج، يقول إن أسوأ ما في التقديرات العربية هو الإجمال بدل التحديد بدقة. ويقول إنه سأل طالباً للدكتوراه عن تاريخ وفاة ابن خلدون فأجابه ببساطة من زمان! وسأل آخر عن طول نهر النيل فأجابه طويل جداً! وكانت أرقام الأحذية والبوابيج عند كل باب تتراوح بين الستة والعشرة. وما زال أبناء عائلة طقوش يملكون عدداً من محال بيع الزهور في جان دارك وفي أماكن أخري من بيروت الغربية، وما زالوا أسياد هذه التجارة الجميلة التي هي بحق أجمل التجارات بعد تجارة الكتب. وأينما كنت في لبنان لا أشتري الزهور إلا من أفراد هذه الأسرة. المدينة المتغيرةأعود إلي بيروت. أقمت فيها إقامة متواصلة من 1949 حتي 1959 . ثم عدت إليها 1964، ولا أزال أسكن فيها، في المبني نفسه في شارع الكومودور، بالرغم من تجوالي المتواصل مع زوجتي في معظم الأحيان ولوحدي أحياناً قليلة في أطراف الأرض الشاسعة. ومنها تردد متواصل علي مصر 1970 ـ1979، وعلي الكويت 1979 ـ 1980 ، وعلي تونس 1980 ـ 1982، وعلي دمشق 1982 ـ1993. لكني كنت أصرّ علي أن تبقي الإقامة الرسمية في بيروت مهما تعددت المهام خارج لبنان. وحتي الحرب الأهلية – لم تستطع بأخطارها وضحاياها ونيرانها أن تقتلعني من هذه المدينة الجميلة مثلما اقتلع الإرهاب والاغتصاب الصهيونيان العائلة من طبريا، المدينة الأجمل. صمدنا، زوجتي وأنا، لأننا نحب بيروت، بالرغم من عروض كثيرة جاءت للعمل والإقامة في بريطانيا ومصر وتونس، وبالرغم من ضغوط عليّ لنقل الموسوعة إلي حيث أريد خارج لبنان منذ 1982وخاصة عمان أو قبرص أو دمشق.بعد أكثر من خمسين سنة من الإقامة في هذه المدينة أستطيع أن أقول إن بيروت التي كنت أعرفها هي غير بيروت الحالية. أصبحت أحتاج إلي دليل يرشدني إلي حيث أريد أن أذهب. أتجول في شوارع المدينة كالغريب أو السائح.كل المدن تتبدل أو تتمدد مع الأيام. تمددت القاهرة ودمشق وعمان، مثلاً، منذ أن عرفت كلاًّ منها قبل عقود. أما بيروت فإنها تبدلت أكثر مما تمددت. والذي منع تمددها هو وضعها الجغرافي بينما عملت عدة ظروف وتقلبات علي فرض التبدل عليها، وأهمها تعمير ما تهدم في عقديْ الحرب الأهلية، خاصة وأن سياسة التعمير ركّزت علي الحجر أكثر مما ركّزت علي الإنسان نفسه الذي هو أهم من الحجر. من هنا أصبحت غريباً عن بيروت السنوات الخمس عشرة الأخيرة، بقدر ما كنت خبيراً بها قبل نشوب الحرب 1975.بيروتي هي رأس بيروت، ومحوره شارع بلس حيث الجامعة الأميركية والشوارع الثلاثة المتفرعة عنه، السادات وجان دارك وعبد العزيز، وصولاً إلي الحمراء. وهي أيضاً عين المريسة، حيث أقمت مع العائلة وقبل زواجي (1950 ـ1959) . وأيضاً في شارع الكومودور حيث أقيم منذ عودتنا إلي لبنان 1964. في هذه المنطقة عشت ودرست وتجوّلت ولهوت وجالست الأصدقاء والرفقاء وكتبت ونشرت ونشطت في حقلي الصحافة والتعليم وحاضرت وحضرت الندوات واللقاءات. في هذه المنطقة كانت تجاربي الحلوة، والحياة الهنيئة، وهي نقطة الارتكاز في ذاكرتي البيروتية.كمبردجإذا كانت طبريا هي جنة العالم، وكانت بيروت أحبّ المدن العربية خارج فلسطين، فإن كمبردج هي بالفعل أجمل المدن خارج الوطن العربي.كانت كمبردج المحطة الأخيرة من شهر عسل امتد عشرين يوماً، من بيروت إلي لندن، مروراً بأثينا وروما وجنيف. وصلناها، زوجتي وأنا، في العشرين من أيلول (سبتمبر) . وقضينا فيها باستثناء إجازات في أوروبا وعودتين صيفيتين إلي لبنان خمس سنوات متواصلة. ثم أخذنا نعود إليها، ولو لمدة أسابيع في السنة، في كل صيف منذ 1965 . وإذا كان صحيحاً أن من يشرب من مياه النيل مرة لا بد أن يعود إلي مصر مراراً، فإن من يشرب الشاي علي ضفاف نهر الكام مرة لا بد أن يشتاق إلي شرب الشاي هناك كلما سنحت له الفرصة. والكام نهر صغير غير صالح للملاحة إلا للقوارب الصغيرة. أهميته الوحيدة أن بلدة بنيت علي ضفتيه منذ قرون وسميت علي اسمه كمبردج أي الجسر فوق نهر الكام.كمبردج مدينة تحتضن جامعة، ولولا الجامعة لما كان للمدينة من أهمية. وقد نزعت الجامعة من المدينة كل شيء غير جامعي. فلا مصانع ولا معامل ولا حانات صاخبة ولا شركات كبري، ولا سهر عاما بعد العاشرة والنصف مساء. تغادر الباصات الساحة الرئيسية التي تتوسط المدينة في ذلك الموعد ليتجه كل منها إلي ناحية من نواحي المدينة. ومن يريد أن يسهر إلي ما بعد ذلك عليه أن يعود إلي بيته ماشياً علي قدميه إذا لم يكن عنده سيارة خاصة وقليلون هم أصحاب السيارات الخاصة أو دراجة هوائية.طبعت الجامعة المدينة بطابعها العلمي التقليدي، وهي محور اقتصاد المدينة ومحور معالمها والمؤثر الأكبر في مهن سكانها وأعمالهم وحياتهم العامة. ولا شك أن الجامعة هي التي أعطت المدينة شهرتها البريطانية والعالمية، وأهّلتها لأن تكون معلماً سياحياً ومقصداً تربوياً ومركزاً رائداً للثقافة والنشر والاختراعات والاكتشافات وموقعاً دائماً في قوائم رابحي جائزة نوبل.كمبردج، المدينة، حديقة واسعة في عشرات الكيلومترات المربعة من الأزهار والجنائن والحقول والغابات حوالي النهر وجداوله وتفرعاته الطبيعية والاصطناعية، تتخللها مبان لكليات الجامعة وإداراتها ومكاتبها ولسكن الطلاب والأهالي، وللمتاجر والمحال التي تعتاش علي الجامعة، أساتذة وطلاباً وحياة علمية. وإذا كانت المدينة تخلو من المتاجر الضخمة الشهيرة في لندن والتي تعلو في الفضاء في أربع أو خمس طبقات، فإن تلك المتاجر تفتح فروعاً صغيرة لها وللشركات الكبري. وفي الوقت نفسه تتفوق علي غيرها من المدن البريطانية، بما فيها لندن، بأربع مسرحها التجريبي، الذي يعرض أشهر المسرحيات قبل أن تنتقل إلي المسارح اللندنية في ضوء تعليق النقاد الفنيين وملاحظاتهم. ومكتبتاها وهما من أشهر مكتبات العالم التجارية بوز أند بوز وهفرز. والمكتبة المركزية في الجامعة التي هي واحدة من أغني ثلاث مكتبات جامعية في بريطانيا. ومطبعتها الجامعية التي لا تتعهد بنشر أي مخطوط إذا لم يكن مؤهلاً للجوائز العلمية الكبري.القاهرة: ذكريات ولقاءات مع عبد الناصرذكريات القاهرة كثيرة. زرتها أول مرة مطلع 1954، وتكررت الزيارات في الخمسين سنة وتعددت وتحوّل بعضها إلي إقامات غير قصيرة، فعرفت المدينة وناسها وأخبارها وطباعها أكثر من أية مدينة عربية أخري. بل كنت أعرف القاهرة معرفة وثيقة قبل أن أزورها. منذ مطلع الأربعينيات والقاهرة صفحة من الأخبار والمعلومات أقرأها بسهولة وبتفاصيل من خلال عشرات الصحف والمجلات التي كان يتاح لي الاطلاع عليها وأنا بعد في الصفوف الابتدائية في طبريا. ربما كنت أعرف عن المدينة وأهلها، سياسييها وكتّابها ومثقفيها، أكثر مما كان يعرف الكثيرون من الطلاب الابتدائيين في مصر نفسها آنذاك. أعرف أن عند توفيق الحكيم حماراً وعند حافظ رمضان كلباً وأن حافظ عفيفي يدخن الغليون وأحمد عبود يدخن السيجار ومصطفي أمين لا تنزل السيجارة عن شفتيه والدكتور علوش لا يدخن أبداً. أعرف من هو الذي يوقع مقالاته بالملحوس أو مصمص. أعرف عن أناقة محمد التابعي ودرية شفيق. أعرف شخصية ابن البلد لرخا والمصري أفندي لصاروخان. أعرف خطوط نجيب هواويني وسيد إبراهيم. أعرف تنافس الأهلي مع الزمالك والرسالة مع الثقافة والوفديين مع السعديين والإخوان المسلمين مع الشبان المسلمين. أعرف ماذا يعني قصر الدوبارة ولاظوغلي وأنشاص والليمان طرة. أعرف لماذا كانت الفتيات علي شواطئ الإسكندرية يخفن من نبوية موسي، ولماذا لقب زكي مبارك بالدكتور، وصفية زغلول بأم المصريين، ولماذا حاصر السير مايلز لامبسن قصر عابدين بالدبابات. أعرف كيف قتلت أسمهان وأحمد ماهر وأحمد حسنين وأمين عثمان وحكمدار القاهرة لي ستاك وكيف وقع سامي صليب ميتاً وهو يخطب في البرلمان. أعرف الكثير عن أخنوخ فانوس والبدراوي عاشور وتوجو مزراحي ودريني خشبة وسيزا نبراوي وقوت القلوب الدمرداشية وسابا حبشي ووديع فلسطين … كل هؤلاء الأشخاص وهذه المواقع والأحداث عرفتها قبل أن أنزل في مطار القاهرة بأكثر من عشر سنوات. ومثلما عرفت لندن، قصر بكنغهام وساحة بيكادللي وساعة بغ بن والباص الأحمر في طبقتين والشرطي علي باب 10 داوننغ ستريت قبل أن أزورها 1959 ، عرفت القاهرة حتي أني شعرت في 1954 أني أزور مكاناً لست غريباً عنه. عرفت مصر ما قبل عبد الناصر وعرفت مصر ما بعد عبد الناصر. لكن مصر عبد الناصر هي الأقرب إلي قلبي. أما مصر السابقة للناصرية، مصر البرجوازية الفاسدة، ومصر اللاحقة لعبد الناصر المتصالحة مع العدو فهما غريبتان عني. أما مصر عبد الناصر فهي مصر الأماني القومية ومصر النهضة والانبعاث.بعد ساعات من وصولي القاهرة ونزولي في فندق نيتو كريس في شارع 26 يوليو كنت أركب التروللي إلي مصر الجديدة لأزور ابنة أسرة صديقة للعائلة. لم أشعر أني غريب. لم أسأل أحداً كيف أذهب إلي مصر الجديدة. كان كل شيء مألوفاً وكنت واثقاً من نفسي. القاهرة هي بلدي.تمتاز الزيارة الأولي للقاهرة بأنها كانت مكافأة غير متوقعة لتخرجي في الجامعة في صيف العام السابق. فقد أرادت شركة طيران الشرق الأوسط أن تروّج لرحلاتها إلي مصر فأجرت يانصيباً بين متخرجي الجامعة الأميركية حوالي الأربعمئة في ذلك العام الدراسي، وفزت بالتذكرة إلي مصر ذهاباً وإياباً، والإقامة في فندق نيتو كريس علي حساب الشركة. وما كان عليّ إلا تحديد موعد السفر في حدود سنة من تاريخ التخرج. وبالطبع كنت سعيداً جداً بالخبر. ولم يكن في نيتي ولا في إمكاناتي المالية أن أقوم برحلة أسبوعين إلي مصر مثل هذه. والواقع أن حظي باليانصيب لم يتكرر فيما بعد، في الخمسين سنة الأخيرة، إلا مرة واحدة. أقامت إحدي الجمعيات الخيرية يانصيباً علي خارطة صغيرة لفلسطين مذهبة ومرصعة بالماس. وقال مقدّم البرامج في الحفل إنه يتمني لو أني أنا أفوز بالجائزة، وفعلاً كنت أنا الفائز.بالإضافة إلي زياراتي الأسبوعية لمصر في السنة الدراسية 1968 ـ 1969 وإلي زياراتي نصف الشهرية، ذهبت إلي مصر خمسين مرة علي الأقل في النصف الثاني من القرن الماضي. وعرفت معظم فنادقها الكبري، سميراميس وهيلتون ومريديان وشيراتون وكونتننتال والإنتركونتيننتال ومينا هاوس والنيل. لكن الفندق الذي أصبحت جزءاً منه كان شبرد الذي وقعت في غرامه. كنت أشعر فيه أني من أهل البيت ولست زبوناً عابراً. هذا إلي جانب سكناي في بنسيون التونسي لفترة من الوقت. وكان زملائي أعضاء المجالس الوطنية الفلسطينية الذين اعتادوا النزول في فندق سكارابيه المتواضع يأخذون عليّ أرستقراطيتي بالتمسك بشبرد. كما كانوا يأخذون عليّ ترددي علي مطعم غروبي ذي الأسعار المرتفعة بالنسبة إلي مطاعمهم التقليدية مثل أبو شقرا. والواقع أن مطاعم القاهرة التي يستطيع أن يأكل فيها الإنسان المعتاد علي المطاعم اللبنانية قليلة عدا مطاعم الفنادق ذات النجوم الخمس. أستثني منها الدمياطي حيث الفلافل هي الوجبة الوحيدة تقريباً، وبعض مطاعم الهرم حيث يأكلك البرغش قبل أن تنهي طعامك اللذيذ، وصوفر الذي أسلم الروح وهو في عز شبابه.مصر التي تتفوق علي غيرها من الديار العربية هي مصر المسرح والمقهي السياسي والدار الصحافية والمتحف والحدائق العامة وضفاف النيل ودار الأوبرا والميادين الواسعة والشوارع العريضة والكورنيش الذي بناه عبد اللطيف بغدادي في أيام معدودة والجوامع والمساجد والتكايا والأبواب التي يختصر كل منها مئات السنين من التاريخ العربي. وهي أيضاً الأهرام وأبو الهول والكرنك وسد أسوان. مصر البلد العربي الوحيد الذي لو صرفت فيه شهراً تتجول بين معالمه لاضطررت أن تمدد إقامتك شهراً آخر.جمال عبد الناصر، وجه مصر المعاصرة المشرق، أعظم ما في مصر بشخصه وبطولته وسيرته وإيمانه ونقائه. لقد أعطي بلده والوطن العربي أملاً وعزة وكرامة وهيبة ورونقاً فحوّل البلد إلي شيء آخر. وكما فقدت الناصرية بريقها بعد عبد الناصر، فاكتفت بجمال دون روح، كذلك فقدت القاهرة رونقها بعد عبد الناصر فأصبحت نوماً هانئاً بدون أحلام ذهبية.قابلت عبد الناصر ثلاث مرات. وأنا نادم أني لم أسعَ إلي المزيد من المقابلات. وكلها تاريخية بالنسبة إليّ. كانت الأولي 1954، وكان ما زال البكباشي عبد الناصر، نائباً لمحمد نجيب. نصحني إحسان عبد القدوس بأني إذا كنت أريد التعرف إلي زعيم مصر الحقيقي فعلي الذهاب إليه. ودبّر إحسان لي الموعد. وفي اليوم التالي ألقت المخابرات القبض علي إحسان بسبب مقالات كتبها في روز اليوسف يدعو فيها إلي المزيد من الديموقراطية. وكانت الزيارة الثانية 1963. جئت إلي مصر من كمبردج بدعوة من الرئيس عبد الناصر ومكثت فيها شهراً كاملاً. جرت المقابلة في الإسكندرية، بعد خطابه في ذكري 26 يوليو. بدأت المقابلة في منتصف الليل وامتدت حتي الساعات الأولي من الصباح. أما الثالثة فكانت بعد النكسة، آخر أيام عام 1969. وأراد أن يكرمني فدعاني وزوجتي لقضاء سهرة رأس السنة في أوبرج الهرم وسلمني بطاقتين ما زلت أحتفظ بهما. ولو لم يكن كتابي هذا في الذكريات لكان الحديث عن هذه المقابلات الثلاث يستحق فصلاً كاملاً. وقد كتبت مرة مقالاً مطولاً عنها في إحدي المجلات اللبنانية.لكني لا أستطيع هنا إلا أن أعبّر عن اعتزازي حينما اتصل بي سفير مصر في بريطانيا أواخر ربيع 1963 لينقل إليّ دعوة لزيارة مصر ضيفاً علي الرئيس عبد الناصر. تلك الزيارة التي حصلت فيها مقابلتي الثانية مع الرئيس. وفي القاهرة وخلال شهر الضيافة، ازداد ذلك الاعتزاز. فقد وضع الرئيس الشاعر صلاح عبد الصبور مرافقاً لي. وإذا به يخصص كل وقته من الصباح حتي المساء ليتجول بي بين الأماكن والمواقع الثقافية والسياحية. وصدف أن زار القاهرة في ذلك الشهر صديقاي من بيروت، هشام أبو ظهر وغسان كنفاني، وكانا يحضّران لإصدار جريدة المحرر (التي صدرت في بيروت 1964 واعتبرتني الجريدة مراسلاً لها في كمبردج!). وصرفنا، نحن الأربعة أياماً ممتعة، إذ كنت أحظي برفقة أحد أفضل الشعراء وأحد أفضل الروائيين وأحد أفضل الصحافيين. وأذكر أن شقيق غسان، مروان، انضم إلي حلقتنا مرة (وكان مروان يقيم في القاهرة، ويلعب حارساً لمرمي النادي الأهلي. وكان بالتالي بطلاً جذاباً للجماهير المصرية، وخاصة فتياتها. وقد تزوج إحدي الممثلات القديرات والمثقفات) وبسبب اندفاعه الوطني الشديد عاب عليّ كيف أدرّس في بريطانيا وأخدم بذلك العمل أعداء شعبنا. فضحك غسان من كلامه وقال لي مطيباً خاطري: لا تعتب عليه يا أنيس. إن عــقل مروان موجود في قدميه!هذا وقد نزلت ضيفاً علي الرئيس عبد الناصر مرة أخري حينما ذهبت وزوجتي إلي القاهرة لقضاء عطلة الفصح 1966. وحجزنا لأنفسنا غرفة في فندق اللوتس الجميل والمتواضع. وبعد أيام زارني منير حافظ، أحد مديري مكتب الرئيس، يرحب بنا في مصر باسم الرئيس ويبلغني أننا ضيوفه في تلك الزيارة.كما أني أعتز بأن عبد الناصر كتب مقدمة كتاب لي، لم أنشره لسوء الحظ لأني لم أعد راضياً عن مستواه العلمي إذ كتبته وأنا طالب في الخمسينيات، وموضوعه العلاقات السورية ـ المصرية في التاريخ. وكذلك بأن أبلغني أقرب الصحافيين إليه، محمد حسنين هيكل، إعجابه واستشهاده بكتابي الفكرة العربية في مصر . كما أعتز باهتمامه بحمايتي إثر نشر كتابيّ عن الهاشميين وتدخله الشخصي لمنع أي اعتداء عليّ عبر عدة وسائل دبلوماسية. بالمقابل، أعتز بما كتبته عنه في كتابي عن الزعامة السياسية ثم في الكتاب الذي حررته بمناسبة مرور عشر سنوات علي رحيله عبد الناصر وما بعد . 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية