أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (3)
حياتي المتشابكة الهوية انتصار علي الاستعمار وأشعر أني أصفع سايكس وبيكو كل يوم صفعة جديدةمدّعو الإنجيلية الأمريكية جهلة أوقعهم غباؤهم في فخ التآمر علي العرب والمسلمين ولا يمثلون المسيحيةأنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (3)أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية … وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي ، و نصف قرن من الاوهام ، و بلدانية فلسطين المحتلة ، و الهاشميون والثورة العربية ، و الهاشميون وقضية فلسطين ، واخيرا مذكراته التي تنشر القدس العربي مقتطفات منها. القدس العربي بصمات دينيةلا بد لي من وقفة هنا قد لا تكون موجزة قبل إنهاء الحديث عن البصمات الدينية عموماً والمسيحية خصوصاً في تربية أبناء العائلة البيتية. المذهب المسيحي للعائلة، كما سبق وبيّنت مراراً، هو المذهب الإنجيلي المعروف بالبروتستانتي (وبالتحديد، علي المفهوم المشيخي، وهو أحد أكثر مفاهيم المذهب الإنجيلي انفتاحاً وديموقراطية وابتعاداً عن الطقوس والشكليات. كما أنه أكثرها رفضاً لوجود رتب وتفاوت في المراكز بين القسس، فلا يوجد من هو أعلي من القسيس أو أدني في المقام والصلاحيات. وكل القسس متساوون في كل شيء حتي في الرواتب. ولا يجوز لقسيس أن يتقاضي أتعاباً خاصة لأدائه مراسم معينة كالزواج والعمادة والدفن). وإذا كان الإنجيليون في العالم أكثر من عُشر السكان، وإذا كانوا أكثر من ثلث المسيحيين عموماً، فإنهم أقلية بسيطة جداً بين العرب عموماً (أقل كثيراً من واحد في المئة) وبين العرب المسيحيين خصوصاً (أقل من خمسة في المئة). إذ أن المذهبين الأرثوذكسي والكاثوليكي، بفروع كل منهما المختلفة، يحتلان الغالبية الساحقة من الطائفة العربية المسيحية. ومع هذا، وفي المقابل، ولأسباب متعددة معظمها تاريخي وظرفي، تحتل الأقلية الإنجيلية مركزاً مرموقاً جداً علي المستويات الثقافية والتربوية والصحية والاجتماعية والمهنية والوطنية، في الأقطار السبعة ذات الوجود المسيحي المحلي (لبنان وسورية وفلسطين والأردن والعراق ومصر والسودان) بشكل يلفت النظر، وذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر حتي اليوم.أقول هذا الكلام لا للمباهاة وإذكاء لروح التنافس (الرياضي أو غير الرياضي) بين المذاهب المسيحية في بلادنا، فذلك آخر ما يهمني، إنما أريد أن أسجّل واقعاً أدي، لسوء الحظ، إلي قيام حساسيات سلبية بين الإنجيليين وغير الإنجيليين، بين الرعايا والمؤمنين أكثر مما هي بين الكنائس ورجال الدين أنفسهم. وأنا أفسّر هذه الحساسيات بما يلي: اعتدنا في علم الاجتماع أن نتحدث عن مركّبات النقص (وما تؤدي إليه من عقد ومشاكل) عند الأقليات ضد الأغلبية، سواء علي المستوي الديني أو العرقي أو اللغوي أو الحضاري أو حتي الثقافي. وهو أمر مألوف ومفهوم. إنه ينشأ عن تساؤل ابن الأقلية عن أحقية ابن الأغلبية بالاستيلاء أو بالسيطرة علي غالبية المكاسب والفرص في المجتمع. لكن علم الاجتماع قلما يتحدث عن عقدة نفسية أخري، مغايرة تماماً، تعاني منها الأغلبيات الدينية أو غيرها تجاه أقليات معينة استطاعت بظروف خاصة أن تصل إلي ما وصلت إليه الأغلبيات ثم أن تقفز فوقها وتتفوق عليها في بعض المجالات. في حال مثل هذا يتحول الأمر من شكوي الأقليات من حرمان الأغلبية لها إلي غضب الأغلبيات علي تلك الأقليات بسبب نجاحها في ما لم تنجح هي به. وكثيراً ما يتحول هذا الغضب إلي جو من الشكوك والاتهامات والإدانات، وأحياناً يشحن هذا الجو بالشائعات وبالسخرية، في محاولة للنيل من نجاح الأقلية واعتراف الناس بفضلها.في هذا الإطار يمكن أن نقرأ (وربما أن نفهم) سر ضيق صدور الكثيرين من المسيحيين غير الإنجيليين بإخوانهم الإنجيليين قليلي العدد كبيري الأثر. ولما لا يجد هؤلاء عذراً لأنفسهم في التهجم أو حتي التهكم يطلقون الاتهامات جزافاً. وسأختار ثلاثاً من هذه الأفكار الشائعة في بعض القطاعات المسيحية في عالمنا العربي ضد الإنجيليين يسمّون الإنجيليين بطائفة (الشلن)، أي أنهم اعتنقوا مذهبهم الجديد نسبياً لقاء مساعدات وإغراءات مالية وليس عن اقتناع وإيمان. وهو أمر يناقض أصل التسمية تماماً. فلأن الإنجيليين عموماً ذوو مراكز مالية ومهنية جيدة ولأن طائفتهم صغيرة ولأنهم تربوا علي مبدأ مساعدة بعضهم بعضاً تميزوا عن غيرهم، عموماً، بالسخاء في التبرع للكنيسة. وبينما كان المواطن العادي يقدم قرشاً عند تقديم العطايا في نهاية خدمة العبادة كان الإنجيلي يقدم شلناً، خاصة أن التبرعات تذهب إلي الكنيسة وليس إلي الكاهن كما هو حال المذاهب الأخري. وهكذا تحوّل فعل الكرم والإحسان إلي مجال للسخرية.ومن جهة ثانية يطلقون وصف العشاء البروتستانتي علي العشاء البسيط والمتواضع، ويتحول هذا القول إلي سخرية. والواقع أن الإنجيليين العرب، بحكم تأثرهم بالأوروبيين اجتماعياً، اعتادوا أن يكون طعام العشاء خفيفاً لأن ذلك أفضل للصحة، خاصة وأن لديهم عادة وجبة رابعة هي وجبة الشاي في المساء التي يجيء ذكرها في هذا الفصل كواحدة من ذكريات الطفولة.أما الاتهام الأعنف والأكثر ابتعاداً عن الحقيقة فهو أن الكنائس والمدارس الإنجيلية تعفي الطلبة الإنجيليين من تسديد أقساطهم المدرسية التي تفرضها علي غير الإنجيليين من مسيحيين ومسلمين كرشوة وأسلوب لجذب الآخرين إلي المذهب الإنجيلي. وسيجد القارئ في أماكن متعددة من كتابي ما يناقض هذا الزعم. ربما كان القس عبدالله صايغ وزوجته أحق من أي إنسان آخر بتعليم أبنائهما السبعة مجاناً في المدارس والكليات والجامعات الإنجيلية. ومع هذا لم يحظ أي من الأبناء بإعفاءات خاصة في أي معهد من معاهد العلم الإنجيلية التي انتسبوا إليها، في صفد والقدس وصيدا وبيروت باعتبار أنهم إنجيليون.ولعل ما حصل في العقود الأخيرة من قيام جماعات من مدّعي الإنجيلية من ملايين الأميركيين المهووسين والمنحرفين والجهلة والعنصريين الذين ألقاهم غباؤهم وتعصبهم في فخ التآمر علي العالم عموماً وعلي العرب والمسلمين خصوصاً ممن يسمون بالبروتستانت أو المسيحيين الجدد وهي ظاهرة للفساد الأميركي في السياسة والخلق والفهم والتربية والكنيسة أعمي بصيرة عرب كثيرين وظنوا، خطأ، أن المذهب الإنجيلي الذي يؤمن به العرب الإنجيليون هو نفسه ذلك المذهب الذي ينطلق منه مجانين أميركا المحدثون. وهذا ظلم للحقيقة والواقع. إن أتباع ذلك المذهب الأميركي المسيحي ـ الصهيوني لا يمثلون المسيحية وجوهرها وفهمها للعدالة والمساواة والحرية والحقوق. إنهم دعاة مذهب جديد منحرف وغريب ومشوه من أساسه. إن من يتكلم باسم الإنجيلية من الفلسطينيين، مثلاً، هم العشرات من أولئك الذين بذلوا جهودهم وأموالهم، وبعضهم بذل حياته ودمه، من أجل عروبة فلسطين. إنهم قافلة طويلة من مناضلي الفكر والرأي ورموز العطاء الثقافي والاجتماعي والإعلامي. إنهم يتباهون أنهم عرب مسيحيون وليسوا مسيحيين عرباً.وسأكتفي بتسمية بعض الراحلين منهم إميل حبيبي والفارس بولس وإميل اغابي وإيليا خوري وبولس شحادة وتوفيق صايغ وتوفيق كنعان وثيوفيل بوتاجي وحبيب خوري وحنا عصفور وحنا صلاح وحنا بولس وحنا ميخائيل وخليل طوطح وسامي هداوي وشبلي الجمل وعزت طنوس وفايز صايغ وفؤاد بهنان وفؤاد سابا وكريم خوري وكمال ناصر ومتيلدا ومغنم مغنم وموسي ناصر ونبيل خوري ونبيهة ناصر ويوسف صايغ.إن العربي المسيحي الإنجيلي الذي يصرّ علي تسمية كنيسته بالكنيسة الوطنية حريص علي أن يظل منارة في عالمه العربي يؤدي واجباته الوطنية والقومية والثقافية بصمت وصلابة. وهو لا ينسي أن عرب المشرق في القرن التاسع عشر أطلقوا نعت كلمة بروتستانتية وصفاً للكلمة الصادقة والوعد الموثوق.بين الكتبأثر كبير ثالث انعكس في وعيي وفي لاوعيي في آن هو الجو العلمي والثقافي في المنزل. كان الكتاب زينة البيت وثروته الأساسية وملء الخزائن والرفوف. كان أثاث المنزل بسيطاً وقليلاً إلا من الكتب الكثيرة العدد والغالية الثمن. وقد اعتدنا أن يكون لكل فرد في الأسرة مكتبته الخاصة به، من الوالد إلي أصغر الأبناء. وأذكر أن مكتبة الوالد كانت تحفل بالموسوعات والمعاجم. وكانت مكتبات يوسف وفايز وتوفيق هي الأكثر كتباً. وأذكر أن مكتبتيْ فايز وتوفيق كانتا تضمان كتباً فنية فيها الكثير من اللوحات التي تظهر فيها نساء عاريات. وكنت ومنير نسترق النظر إليها عند وجودنا وحدنا في البيت. وبالطبع كنا أصغر من أن نتذوق أو ندرك الناحية الجمالية الفنية في الموضوع. وكان توفيق الأحرص علي كتبه. يغضب إذا رأي أحداً يقلّب أحدها. وكثيراً ما كان زوارنا في البيت من خارج طبريا وهم زوار الأشقاء الأربعة الأكبر، أو ضيوف الوالد يصرفون الساعات في المكتبة والاطلاع علي بعض محتوياتها.وحينما تركت طبريا 1948 كانت مكتبتي تضم عدة مئات من الكتب، نصفها تقريباً مما كان يُهدي إليّ في المناسبات من الوالدين والأشقاء ومن بعض أصدقاء العائلة. أحدهم، خليل الطبري، كان يحمل إليّ كتاباً أو أكثر كلما جاء للزيارة أو لتلبية دعوة غداء، وخاصة في شهر رمضان حينما كان ضيفنا الدائم علي الغداء لأن أسرته تلتزم الصيام في الشهر الفضيل. لكن معظم الكتب التي أهداني إياها كانت أكبر من سني. وكنت أحتفظ بمجموعة كاملة من كتب كامل كيلاني الذي أعتبره رائد الكتابة للأطفال. واحتوت مكتبتي أيضاً كتباً للأطفال مشهورة عالمياً مثل رحلات جلفر وروبنسون كروزو والسندباد البحري. ومع الأيام استهواني نوعان من الكتب الرحلات والسّير. أذكر من كتب الأربعينيات التي فضّلتها علي غيرها أميركا الضاحكة لمصطفي أمين وخمسة في سيارة لسامي جريديني وآثار أقدام لإميل خوري وكان أعلي من مستواي الفكري وجولة حول العالم لحنا خباز. وكذلك كتب رحلات محمد ثابت الرحالة المصري. أما في كتب السيرة فكان أهمها كتب طه حسين وأحمد أمين وميخائيل نعيمة عن جبران والأمير عبدالله في كتابه مذكراتي. والطريف أن هذين النوعين من الأدب اللذين أغرمت بقراءتهما في الأربعينيات ما زالا هما الموضوعين المفضلين لدي حتي اليوم.كانت مكتبتي تضم آلاف الأعداد من المجلات الفلسطينية واللبنانية والمصرية. وكنت أحرص علي شرائها وأحرص علي مطالعتها. وأعترف أن شطراً كبيراً من المعلومات التي كانت تتوافر لي وأنا بعد في سن مبكرة إنما أدين به إلي مطالعة هذه المجلات، السياسية والثقافية، ومعظمها مصور. والواقع أني كنت أقرأ المجلات قبل أن أتعلم القراءة. كنت أحفظ الصور عن ظهر قلب، صور الشخصيات والأماكن والمعارك وأعلام الدول وشعارات الأحزاب والمؤسسات.واحتوت غرفة المكتبة الرئيسية علي ثلاث أو أربع طاولات للمطالعة والكتابة. وكانت إحداها خاصة بالوالد. ولا يسمح لأي منا أن يستعملها ولا أن يقترب منها حين يكون جالساً للمطالعة أو الكتابة. وكنا لا نتكلم في الغرفة إلا بصوت خافت. وكانت الوالدة تمنعني ومنيراً من دخول المكتبة أيام السبت حينما يكون الوالد يحضّر عظته ليوم الأحد. المائدة الصائغيةيلفت النظر في النهم الصائغي للعلم أمران تنوّع المعارف التي تخصص بها أفراد الأسرة اللاهوت والطب والهندسة والسياسة والفلسفة والتاريخ والأدب والمكتبات والإدارة والاجتماع والعلاقات العامة، من جهة أولي، ومن جهة أخري عدم فرض الآباء الموضوعات التي يتخصص بها الأبناء. ولا شك أن حرية الدارسين في اختيار سبيلهم العلمي أسهمت كثيراً في نجاح هؤلاء مثلما أسهم تنوع الموضوعات في غني الحصيلة العامة لهذه الثروة المعرفية للأسرة. وينسب إلي المفكر اللبناني منح الصلح قوله إن جلسة الغداء في الأسرة تمتد إلي ما بعد العشاء لتنوع الموضوعات التي تثار علي المائدة بناء علي تعدد اختصاصات الجالسين حولها!يقودني الحديث عن المائدة الصائغية التي لا تقارن بساطة محتوياتها وأطباقها الغذائية مع خصوبة أحاديث المشاركين بتناولها وطروحاتهم، إلي ذكر مختصر لأهمية آداب المائدة في الأسرة. هناك موعد محدد يلتزم الجميع به في الجلوس إلي المائدة. لا يعود الفضل في هذا التقليد إلي المستوي الحضاري والأسلوب الغربي للأسرة فقط بل هو نتيجة طبيعية لضرورة أداء صلاة الشكر لله قبل البدء بالأكل، الأمر الذي كان يلزم الجميع بالحضور والجلوس قبل أن يتلو الوالد أو الوالدة صلاته. وإذا كنت لا أمارس الصلاة فأنا أحتفظ بتقليد التقيد بمواعيد جلسات الطعام وكذلك بأمكنة جلوس المشاركين من ضيوف أو/ و أفراد الأسرة، إلي جانب الاهتمام شبه الأعمي بترتيب المائدة بأطباقها وأكوابها وأدواتها وفضّياتها. ليس المهم عدد الأطباق وأصناف المأكولات، إنما المهم أسلوب التقديم والأناقة في الترتيب والتعاون في تبادل الأصناف، إلي جانب جلوس سيدة البيت وإشرافها علي المائدة وأحاديثها مع الجالسين إليها. وأعترف أني أفضل أن أجوع أنا الأكول إلي حد النهم علي أن أدعي إلي مائدة تفيض بالأصناف الشهية وبالفوضي وبجهل آداب الجلوس والتناول وتبادل الأحاديث المناسبة. إن أداء سيدة البيت في غرفة الطعام أهم من أدائها في المطبخ! وأعترف أيضاً أن أكثر ما أخافني عند بتر أصابعي في حادث التفجير الذي تعرضت له 1972 أن أفقد السيطرة علي ما تبقي من أصابع وأفقد بالتالي القدرة علي استعمال الشوكة والسكين. لكن تصميمي علي الاحتفاظ بوقار المائدة سهّل عليّ القيام بذلك ولو بسبع أصابع فقط. ولا يضيرني سماع التشنيعة بأني أستعمل الشوكة والسكين في أكل الفلافل!علمتنا الوالدة منذ الطفولة أن نأكل ما يوضع أمامنا من طعام، وأن لا نطلب أكثر مما نستطيع أن نأكل. وكثيراً ما كان توفيق، صاحب المزاج الصعب في الأكل، يعاقب إذا لم ينهِ الطعام الذي طلبه بنفسه وكثيراً ما كان العقاب أن يبقي علي المائدة ساعات وساعات ولا يترك مكانه إلا بعد أن يكمل ما هو أمامه. وكنت ومنيراً نشفق عليه أحياناً فنساعده في التهام الباقي وراء ظهر الوالدة.ليست برجوازيةربما يشتمّ القارئ في هذا الحديث عن إتيكيت الأكل ودقة المواعيد رائحة من البرجوازية. والواقع أن ذلك إساءة لفهم حقيقة الأمور. فالنظام والتنظيم وجدا لمصلحة العمل، أي عمل، بما فيه النضال والإبداع. ويخطئ من يظن أن المناضل والمبدع إنسانان بعيدان عن الروتينية ويجب أن يبقيا خارج الانضباط حتي ينطلقا بحرّية في أداء رسالتيهما النضالية أو الإبداعية. إنه كلام هراء. فالنظام سنّة الحياة. والانضباط هو القانون الطبيعي لسير الأمور. ومع هذا أسمح للآخرين أن يتهموني بالبرجوازية في هذا المضمار فقط، مع التأكد من أن تربيتنا كانت تربية بسيطة ومتواضعة. كان المنزل في أثاثه وأدواته في منتهي البساطة. وإذا لم تكن العائلة فقيرة، فإنها لم تكن غنية بأي معني مادي أو مالي. كان المدخول في الخمسين سنة التي كرسّها الوالد للدعوة لله أدني بكثير من المتوسط وأضعف من أن يلبي حاجات عائلة محترمة من تسعة أفراد وكل أبنائها في مرحلة من مراحل الدراسة. ما أنقذ الوالد من الإفلاس قدرته والوالدة علي العيش ببساطة والتقيّد بسلّم أولويات. كان هذا هو الحل إلي أن أكمل الأخوة الكبار دراساتهم وأخذوا يتحسسون بواجبات كل منهم تجاه الآخر، علي الأقل في تغطية نفقات التعليم بعد أن نزح الوالد إلي لبنان ولم يعد يحصل علي مرتب، ناهيك بتكاليف تطبيب الوالدة في لبنان 1948ـ 1950 بعد أن لم يعد هناك ذلك المستشفي وأولئك الأطباء الذين كانوا يعالجونها في طبريا مجاناً. كما يجدر بي أن أذكر أن كلاًّ من فايز وتوفيق قطعا دراستيهما الجامعية في النصف الأول من الأربعينيات للعمل سنة أو سنتين لتأمين أقساط الجامعة في العام الدراسي التالي، إذ عمل فايز مديراً لدائرة التموين في الناصرة وطبريا، وعمل توفيق معلماً للغة العربية في القدس والبصة وطبريا، بعض الوقت ريثما أمّن كل منهما جزءاً من المصاريف المطلوبة، حتي لا يرهقا الوالد أكثر مما كان مرهقاً، وكانا يعلمان أنه لن يطلب مساعدة من أي مؤسسة كنسية يعمل بها. لقد اعتاد أن يعطي ويعمل مجاناً ولم يعتد أن يطلب مساعدة، مهما كانت حاجته أو حاجة أسرته إليها، كما كانت الوالدة تقول لنا. أما بعد النكبة فقد أسهم كل من يوسف وتوفيق، ثم منير بعد تخرّجه طبيباً 1954، في نفقات البيت عموماً وفي تأمين أقساطي المدرسية 1948 ـ 1953 . وحينما سافرت إلي بريطانيا عام 1959 دون أن أسدد باقي القروض التي كنت قد تلقيتها من صندوق الدعم في الجامعة الأميركية، قام منير، في غيابي ودون علمي، بتسديدها كاملة مع فوائدها. ولم أعرف ذلك فيما بعد إلا بالصدفة.آخر العهد في التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 أقرّت الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين إلي دولتين، عربية ويهودية. وأعلن عرب فلسطين إضرابهم العام. وأغلقت المدارس كلها. ونقلني الباص إلي طبريا حيث أقمت مع الأسرة إلي حين رتّب يوسف لي أمر الالتحاق بمدرسة الفنون في صيدا حيث سبق له وللوالد والوالدة أن درسوا من قبل.وصل يوسف صباح يوم الرابع من شباط (فبراير) 1948 لأخذي إلي المدرسة. وكانت الوالدة قد تعرضت لنوبة قلبية قضت بنقلها إلي المستشفي قبل ساعات. وفي هذا الجو الحزين غادرت طبريا. وكانت المرة الأخيرة التي أراها بدون مجهر من بعيد. كان نسيمها المنعش في الصباح يمسح خديّ والسيارة تقطع شوارعها والناس بعد في بيوتهم يستعدون لاستقبال يوم جديد. اختلطت دموع الخوف علي الوالدة مع دموع الحزن لفراق المدينة. وإذا كنت قد التقيت الوالدة بعد عشرة أسابيع في بيروت التي أصبحت مأوي للأسرة بديلاً غير مواز لطبريا فإني لم ألتقِ طبريا حتي اليوم، إلا عبر نظرات خاطفة من بعيد من فوق تلال أم قيس في شرق الأردن، التي كانت ذات يوم، في القرن الأول الميلادي، مقاطعة في إمارة طبريا.هكذا تتشابك الكيانات القطرية التي رسّخ الاستعمار حدودها المصطنعة في اتفاقية سايكس ـ بيكو 1916 مع بعضها بعضاً، ويحمل الشعب الواحد السوري العربي حضارة وإرادة أربعة أنواع من البطاقات الرسمية. فهذا فلسطيني وذاك أردني. وهذا لبناني وذاك سوري. وهكذا انتقلت من مسقط الرأس في فلسطين إلي الإقامة المؤقتة لمدة سبع وخمسين سنة في لبنان، وامتد عملي إلي سورية حيث مسقط رأس الوالد، وتزوجت من أردنية. ولم أعد أسعد برؤية طبريا إلا من فوق بعض التلال. وكان ذلك كله دليلاً حسياً ومقنعاً لحقيقة الأمة الواحدة الموزعة علي شعوب متآخية، وحقيقة الوطن الواحد الممزق في كيانات متجاورة. وبالتالي فإن سيرتي هي بحد ذاتها انتصار علي المؤامرة الاستعمارية. وأشعر وأنا أعتز بتشابك انتماءاتي في إطار سوري عربي أني أصفع السير مارك سايكس والمسيو جورج بيكو كل يوم صفعة جديدة. أصفعهما بالممارسة الحياتية دون خطابة ولا ضجة ولا بهورة.من هنا فأنا فلسطيني ولبناني وسوري، إلي حد ما وليس بالمطلق. أنا عربي موزع بين هذه الأقطار التي يتساوي عندي الولاء لها والانتماء إليها. إني أحمل قلباً إنسانياً يضخّ دمه العربي في شرايين بعضها فلسطيني وبعضها لبناني وبعضها سوري شريان النضال الفلسطيني من أجل التحرير الكامل وإسقاط الاغتصاب. وشريان الثقافة والعصرنة اللبناني المنفتح علي الحضارة العالمية. وشريان الإباء والشموخ والاعتزاز السوري التواق إلي الوحدة والانطلاق. أنا إذن فلسطيني، وأنا لبناني، وأنا سوري، لكني عربي أولاً وإنساني في نهاية الأمر، عروبة تخدم فلسطين ولبنان وسورية مثلما تستمد منها كلها وجودها وقوتها، وتقوم علي القيم والمثل الإنسانية العامة، ولا تتعارض هذه العروبة والإنسانية مع نقطة الارتكاز السورية التي تتفرع بين فلسطينية ولبنانية. فسورية، كما كتب فيليب حتي، هي أساس الحضارة في العالم. إن لكل إنسان في العالم وطنين يدين لهما بالولاء مسقط رأسه وسورية.أذكر هنا أني حصلت علي هوية فلسطينية لأول مرة في أوائل عام 1948 لأتمكن من عبور الحدود إلي لبنان. واسترجعت جنسيتي اللبنانية، مع معظم أفراد الأسرة، في الثاني من حزيران (يونيو) 1958كما استرجعت الجنسية السورية في ربيع عام 1973. إلا أن ولائي العربي أهم من هذه البطاقات الثلاث! وأود أن أذكر هنا أن يوم استرجاعي الهوية اللبنانية كان في الواقع يوم تشييع جنازة المطران الماروني مبارك الذي شذ عن إجماع الشعب اللبناني ودعا إلي إقامة كيان مسيحي في لبنان متعاون مع الكيان الصهيوني في فلسطين. وهذا ما يذكّرنا بأن الشاعر الماجن عمر بن أبي ربيعة ولد يوم وفاة الخليفة التقيّ عمر بن الخطاب.ولعلي أحظي قبل أن أموت بتلك الهوية الواحدة التي تكمّل هوياتي القطرية المؤقتة الثلاث وتتوجها!أما طبريا فتبقي سيدة المدائن وعميدة الأمصار. فيها كانت الولادة والنشأة وأيام الطفولة والصبا. ومنها كان الانطلاق إلي العالم الواسع. هي الأساس والقاعدة. وهي مآل الأحلام والتطلعات. هي الأعز في القلب والأقوي في الوجدان. وهي الخاتمة الطبيعية لطريق الحياة الوعرة نحو الراحة النفسية وربما الراحة الجسدية الأبدية أيضاً. لم أتخلَّ عنها طوعاً ولم استبدل بها بيروت إلا مرغماً. وبيروت هي المحطة النهائية لي قبل العودة إلي طبريا، سواء تحققت هذه العودة فعلاً أو بقيت حلماً في الخيال. وباستثناءات قصيرة نسبياً فرضتها سنوات الدراسة في كمبردج والعمل في تونس والقاهرة تمتد إقامتي في بيروت، واستقراري المؤقت، مدة سبعة وخمسين عاماً. وإذا حذفت الاستثناءات شارفت المرحلة البيروتية علي خمسين سنة. ومع هذا فأنا طبرانيّ لا غشّ فيه!منزلنا في فردوس اسمه طبرياكان منزلنا يقع علي الطريق المؤدي من وسط طبريا إلي المناطق الشمالية نحو صفد بمحاذاة الشاطئ الغربي للبحيرة. ولم يكن يفصل بين حدائق المنزل وساحاته وأراضيه الواسعة التي لم تطأ قدماي بعضها وبين البحيرة غير شاطئ ضيق قام عليه منتجع الليدو وبجواره مقهي أبو دياب ومنزله الصغير ولكل من المنتجع والمقهي آثار في الذاكرة.أسس المنتجع رجل أعمال ألماني اسمه كروسمان. وبني فيه مبنيً واسعاً للحفلات وقاعات الموسيقي والرقص، وإلي جانبه مقهي كبير وسط مجموعة من الحدائق ذات الأزهار والأشجار النادرة. وكان يشرف علي هذه الحدائق عدد قليل من اللبنانيين وكان بعضهم يتردد علي حدائق منزلنا للعمل فيها حسب رغبات الوالدة. وكنا نعجب بهؤلاء الرجال، يلبسون لباس المشايخ الدروز الذي اعتدت علي رؤيته في لبنان بعد الهجرة 1948. وكانوا يتشابهون في اللطف والكياسة وحلاوة اللسان والمهارة في العمل.كان المنتجع للنخبة فقط من عرب طبريا وبريطانييها وزوار المدينة وحماماتها، وأقصد بها النخبة الاجتماعية التي تسعي وراء الرقص وسماع الموسيقي الغربية والكلاسيكية وشاربي الشاي في الرابعة أو الخامسة بعد الظهر وهواة السهر في الليل. وكنا نسمع أصوات الموسيقي والغناء حتي منتصف الليل من غرف النوم في المنزل إذ لم يكن يفصل بيننا إلا طريق السيارات. لكن المنتجع لم يكن مفتوحاً لي ولا لشقيقي منير، إذ كنا صغاراً. أما الأخوة الكبار، من يوسف إلي توفيق، فكانوا يرتادون المقهي باستمرار. ولمدة سنة (1940 ـ1941) أصبح يوسف مديراً لفندق طبريا، وهو توأم المنتجع الليدو وصاحبهما واحد هو كروسمان، الذي مات في الثلاثينيات وخلّف الفندق والمنتجع لأبنائه. وكان أحد أبنائه نازياً متعصباً وضع علي باب المنتجع لافتة كبيرة بالعربية والإنجليزية والعبرية تقول صراحة ممنوع دخول اليهود والكلاب. فانتقم اليهود من الرجل وأوغروا صدر الإنجليز عليه بعد إعلان الحرب 1939 فاعتقل أبناء كروسمان كلهم ولم يبق إلا الوالدة العجوز. وكانت إدارية ممتازة أشرفت علي العمل وأدارته بنجاح ورفضت أن ترفع اللافتة. وكانت السيدة صديقة لوالدتي وتزورها يومياً تقريباً. وبعد هجرة 1948 نزحت إلي لبنان ونزلت في فندق صغير في حي الزيتونة قرب فندق نورماندي. وأرسلتني والدتي عدة مرات لآتي بها إلي الشقة التي أقمنا بها في عين المريسة. ثم غابت أخبارها بعد وفاة الوالدة وأظن أنها عادت إلي ألمانيا. أما أبناؤها فقد ظلوا رهن الاعتقال حتي إعلان إنهاء الحرب 1945. ولا أذكر ماذا حل بهم إلا أني أعرف أن أحدهم انتحر بأن أطلق الرصاص علي نفسه ولذا لبست والدته السواد باقي حياتها.فصل بين منزلنا وبين فندق طبريا (عرفه الناس باسم فندق كروسمان، وكان أكبر فنادق شمال فلسطين قاطبة وأفخمها حسب مقاييس ذلك الزمان) ثلاث بنايات ضخمة نسبياً دير للراهبات والمستشفي الاسكتلندي من جهة، والكنيسة الإنجيلية من جهة أخري. أما الدير فكان لراهبات لاتينيات أو كاثوليكيات، لا يظهرن ولا يخرجن من الدير، ولا نراهن إلا حينما ينزلن إلي الحديقة يعتنين بالزهور والخضار. ولا أعتقد أن أحداً من أهلي تبادل الحديث أو حتي التحية مع أي منهن في مدي عشرين سنة تقريباً! وكان الدير، المرتفع قليلاً فوق تلة، يطل جزئياً علي منزلنا. وكان المستشفي الاسكتلندي إلي جانبه الآخر. وهو المكان الذي ارتبطت عائلتنا به ارتباطاً وثيقاً. فهو يتبع الإرسالية الإنجيلية الإسكتلندية المشيخية التي يتبعها والدي وكنيسته. وكان والدي يصلّي يومياً في العاشرة في مصلي المستشفي لمن رغب من الموجودين من مرضي وعواد وأطباء وممرضين وتقنيين. وكان معظم المترددين علي المستشفي، وبعضهم لا يري مانعاً من حضور الصلاة التي يقيمها والدي لمدة نصف ساعة، من المسلمين، أما المسيحيون فكان عددهم في طبريا قليلاً، بنسبة عشرة في المئة أو أقل. ومعظمهم من المذاهب الأخري غير الإنجيلية من الكاثوليك والأرثوذكس. ولذلك كانت عظات الوالد خلقية وتوجيهية أكثر منها دينية بالمعني التبشيري الحرفي.كانت أسرة المستشفي أقرب الناس إلي حياتنا. أذكر منهم طبيباً اسكتلندياً اسمه طورنس ابن مؤسس المستشفي في مطلع القرن ويهودياً متنصراً من تشكوسلوفاكيا اسمه زاكي ولعله ساكي محرّفاً. وكان كلاهما متزوجاً، فكان الأربعة يترددون علي منزلنا باستمرار، وخاصة لعيادة الوالدة المريضة دوماً، أو للاجتماع بالوالد، أو للسلام علي أشقائي عند مجيئهم من بيروت أو القدس. وقد روي لي الوالد أن طورنس أخذ في أشهر ما قبل سقوط طبريا واحتدام المعارك مع الصهيونيين يمانع في مداواة الجرحي العرب بينما كان زميله اليهودي الأصل لا يتردد في معالجتهم وتقديم كل وسائل الراحة لهم..البصةطبريا هي مسقط الرأس، وتأتي قرية البصة ثانية من حيث الانتماء والشعور بأنها جزء من المنبت الجغرافي. إذ هي مسقط رأس الوالدة والمكان الذي ترددت عليه في صغري أكثر من أية بلدة أخري بينما لم أزر مسقط رأس الوالد في خَرَبا إطلاقاً. لذلك فأنا أعتبرها جزءاً أساسياً من تكوين الأسرة ونشأتها. والبصة في الذاكرة هي بصة الأربعينيات. أما ما قبل ذلك فإن زياراتنا كانت متقطعة بحيث لم تترك بصمات قوية في ذاكرتي وكنت في سن الطفولة المبكرة التي تسبق تكوين الذاكرة الباقية.تقع البصة علي مسافة ثلاثة كيلومترات عن البحر المتوسط، علي الطرف الشرقي للطريق الدولي الساحلي من فلسطين إلي لبنان. وهي أبعد قرية ساحلية شمال فلسطين. ومنها يصل المرء إلي الناقورة، الفلسطينية ـ اللبنانية، حيث الحدود الدولية بين القطرين الجارين.كانت البصة مصيفنا علي مرحلتين الأولي وكنت طفلاً صغيراً، في النصف الأول من الثلاثينيات وفي أواسطها. وهي سنوات لا تسعفني الذاكرة بتفاصيلها. كنا نقيم أثناءها في منزل الوالدة، في إحدي الطبقات. أما المرحلة الثانية فكانت في ما بين حوالي 1943 و 1947، وكان البيت قد بيع. ولذلك كنا نستأجر أحد مباني المدرسة الكاثوليكية لأن الطلاب الداخليين يكونون آنذاك في عطلة الصيف. أما في أشهر صيف ما بين 1937 و 1944 فكنا نقصد أماكن أخري في قريتي عين القبو ثم فاريا في لبنان أواخر الثلاثينيات، ثم في مدينة الناصرة في أوائل الأربعينيات. ولا أذكر أننا صرفنا فصل الصيف في طبريا منذ أن وعيت حتي الهجرة 1948.انفردت البصة في شمال فلسطين بدرجة من الحرية الاجتماعية والسماح بالاختلاط، الأمر الذي جعلها هدفاً للأقاويل وللانتقاد والطعن والمبالغة في الإشاعات الناقدة والنكات الساخرة. ولا شك أن قرب البلدة إلي لبنان، ورخاء الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ووجود المدرسة الثانوية، ذلك كله فتح الباب أمام الشبان والشابات لإقامة صداقات لم يكن أهالي القري المجاورة معتادين عليها. ولم يكن غريباً أن أشاهد شاباً وشابة يتمشيان في المساء قرب المبني الذي نصطاف فيه بعيداً عن أعين الآباء والأمهات. وكان العشاق أحياناً يدخلون بستان المبني ويفترشون أرضه متسترين بأغصان الأشجار.المناسبة البريئة لإنشاء الصداقات أو لتقويتها بين الشبان والشابات الذين هم في سن الزواج كانت علي سطوح المنازل في ما كان يسمي بسهرات الشعيرية والتين المجفف. كان بين تقاليد أهالي البصة أن تتنادي نساء الحي إلي دعوة بعضهن بعضاً في أماسي فصل الصيف إلي الاجتماع كل ليلة علي سطح بيت لمساعدة ربة ذلك البيت علي تموين أسرتها بما تحتاج له خلال السنة من الشعيرية والتين الجاف. وتأخذ العملية عدة ليال، قد تمتد إلي أسبوع. وفي الأسبوع التالي ينتقل الجميع إلي سطح منزل آخر. وكان اللقاء يضم حوالي عشرين امرأة، ومعظمهن أمهات. وكان يرافقهن بناتهن، خاصة ممن كن في سن الزواج ويبحثن عن العريس المناسب. ولذلك كان يسمح للشبان العازبين بالانضمام إلي هذه السهرات العائلية البريئة وتمكين الجميع من التعارف وتمتين الصداقة. وكانت الأحاديث تمتد أحياناً إلي الشروط التي يقطعها كل طرف علي الآخر، وإلي الدوطة وسائر المطاليب. وكانت الصفقات تجري بشيء من الصراحة والعلنية. ويقال في بصة الأربعينيات أن نصف الزيجات وضعت أساساتها أو أبرمت اتفاقاتها في تلك السهرات الصيفية وأثناء التعاون بعمل حبال الشعـــيرية وشرائح التين الجاف.7