أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (4)

حجم الخط
0

أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (4)

ارتدينا كنزات بلون العلم الفلسطيني لاغاظة المفتش الانكليزي ونائب المدير كان يشجع هيلاسيلاسي الارثوذكسيلا اخجل عندما اكشف عن كراهيتي للدرس.. فمعاهد التعليم هي ابشع الاماكن التي ترددت عليها طالباً واستاذأنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (4)أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية … وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي ، و نصف قرن من الاوهام ، و بلدانية فلسطين المحتلة ، و الهاشميون والثورة العربية ، و الهاشميون وقضية فلسطين ، واخيرا مذكراته التي تنشر القدس العربي مقتطفات منها. القدس العربي في الدرس والتدريسلا عجب/ فهو ابن أبيه وأمه وأخو أخوتهلن أفاجأ إذا أبدي الكثيرون من قراء ذكرياتي استغرابهم، وربما استنكارهم، وربما أيضاً عدم تصديقهم، لدي اطلاعهم علي الحقيقة التي لا أخجل من الاعتراف بها وهي أني كرهت الدرس كطالب وكرهت التدريس كأستاذ طيلة حياتي وعلي مر الأيام وفي مختلف مراحل الدراسة والتدريس. وأعترف أيضاً أن أبشع ذكرياتي هي التي تتعلق بالتلمذة والأستذة في المدرسة والكلية والجامعة، وأن معاهد التعلم والتعليم كانت أبشع الأماكن التي اضطررت إلي التردد إليها كطالب علم أو كمربّ في مدي خمس وعشرين سنة. وليعذرني الآباء والأمهات ممن يحاولون أن يشجعوا أبناءهم علي العلم ليقتدوا بعمو أنيس، فعمو أنيس ليس ذلك البطل الذي يتوهمون.بدأت مطلع العام الدراسي أواخر صيف 1939 رحلة العمر الدراسية التي انتهت أوائل صيف 1964 ومجموعها خمس وعشرون سنة عجافاً ـ وإن كنت في معظمها طالباً متفوقاً حسب ما تقول الشهادات ونتائج الامتحانات. وإن كنت أيضاً أستاذاً ترضي عنه الإدارة في بعضها وتمدد له عقده.وليس أدلّ علي نفوري من الدراسة من هاتين الواقعتين اللتين جرتا، الأولي في أول تلك السنوات الخمس والعشرين، والثانية في آخرها.في أيامي الأولي في المدرسة، وفي صباح يوم دراسة عادي، ولم أكن قد بلغت الثامنة من العمر، أعدّت لي الوالدة الشنطة ووضعت فيها الدفاتر والكتب والأقلام وغيرها من أدوات التعليم الابتدائي آنذاك، وطلبت مني أن أتناول إفطاري لأذهب إلي المدرسة مع أخي منير الذي كان ينتظرني. وشعرت برغبة شديدة في البقاء في البيت. لكن لم تكن لدي الشجاعة لأن أقر بذلك لأنه لم تكن لدي الحجة التي أتذرع بها. وفجأة تذكرت ألماً خفيفاً في سنيّ كنت شعرت به من قبل. فزعمت أن الألم قد اشتد وأخذت أشكو وأئنّ. واستعنت بدمعة كاذبة تنزل من عيني. وأعتقد أن الوالدة، بعد أن ربّت ستة أبناء قبلي، لم تنقصها الفطنة لتدرك أني أتصنع المرض لأتغيب عن المدرسة. وكذلك لم تنقصها الفطنة لتحتال عليّ. قالت، وهي تغمز منيراً بعينها حسناً، سأقلي لك بيضة وصحناً من البطاطا، فإذا استطعت أكلهما كان عليك أن تذهب مع أخيك لأن الوجع يكون أقل مما تتصور. أما إذا لم تستطع فستبقي معي. وكان عليّ أن أقارن بين أحب المأكولات إليّ وبين الذهاب إلي أبشع الأماكن. وتغلبت البطاطا المقلية علي صف المعلم جميل أستاذ الصف الأول الابتدائي. حصلت الواقعة الثانية بعد خمسة وعشرين عاماً. وكنت قد وصلت إلي السنة الأخيرة من التحصيل لشهادة الدكتوراه. وكان عليّ أن أزور أستاذي مرة في الشهر علي الأقل لأتداول معه في شؤون الأطروحة وكان أستاذاً اسكتلندي الأصل، مختصاً بالتاريخ الإسلامي في القرن الثالث عشر، بينما كانت أطروحتي تتناول الفكر القومي في مصر في القرن التاسع عشر. وأذكر أنه قال لي في أول لقاء إن آخر ما يعرفه من تاريخ العرب أن بغداد سقطت أمام جحافل المغول في عام 1258، ولم تجد الجامعة أفضل منه أستاذاً لي.كان منزله، حيث نجتمع، يبعد عن الشقة التي أقيم فيها حوالي ثلاثة كيلومترات. وتمر الطريق بينهما عبر ساحة المدينة الملأي بالمطاعم والمقاهي. وحدث ذات يوم أن بدأت رحلة العذاب سيراً علي الأقدام إلي حيث سيجري اللقاء. ومررت أمام مطعم كنكو الشهير بنوع خاص من الهامبرغر يقدم مع البطاطا المقلية. ووقفت أفكّر أأواصل السير للقاء ضروري علمياً وممل عملياً أم أملأ بطني بذلك الصحن الشهي؟ ودخلت كابين الهاتف العمومي وطلبت الأستاذ. وردّت زوجته. واعتذرت لها عن عدم تمكني من الحضور لأني أصبت فجأة بنوبة من الصداع النصفي المايغرين الذي كنت أنا وكانت هي كما أخبرتني مرة أعاني منه في سني شبابي، الأمر الذي يجعل ذهابي إليه صعباً وغير ذي جدوي. وكان جوابها دلواً من الماء قذفتني به: لا بأس. اضطر زوجي للذهاب إلي لندن لإجراء معاملاته للسفر والهجرة إلي أميركا! ذهبت حيلتي سدي. وغادر الأستاذ دنلوب بعد شهر واستعاضت الجامعة عنه بأستاذ آخر لي. إذن فإن صحناً من البطاطا المقلية أفضل من قضاء ساعة أو ساعات مع أستاذ. هذا ما أريد أن أعترف به، وأعتذر من كل الأساتذة الذين توسّموا فيّ خيراً. كان نبيه أمين فارس، أحب أساتذة التاريخ إليّ، يردد في الجامعة: إسمع يا أنيس. لقد خرّج برستد وهو أشهر أساتذة تاريخ الشرق الأوسط القديم في الولايات المتحدة في مطلع القرن الماضي فيليب حتي. ودربني حتي لأواصل المسيرة من بعده. وها أنا أعدّك لتكمّل المشوار. وبقدر ما أحببت هذا الأستاذ العظيم أشعر بخجل أمام ذكراه لأني تحولت عن التاريخ إلي السياسة ولأني لم أبرز في أي من العلمين. ولأني أيضاً كثيراً ما بعت الصف والمحاضرة والأستاذ بصحن بطاطا مع بيضة مقلية أو قطعة همبرغر!اندلاع الثورةشل اندلاع الثورة الشعبية العربية في فلسطين وإعلان الإضراب العام 1936 الحياة العامة في الكثير من المرافق والأعمال والنشاطات، ومن بينها الحياة الدراسية. وتأثرت بهذا الشلل مدن وقطاعات أكثر من غيرها. ففي طبريا مثلاً كانت المدرسة الرسمية وكانت تسمي مدرسة الحكومة تقع في أقصي الجنوب الغربي من المدينة الصغيرة، بعيدة عن الأحياء العربية في الجانب الشرقي الشمالي. فتعطلت الدراسة طويلاً لعدم قدرة أعداد كبيرة من الطلاب والأساتذة علي الوصول إلي المدرسة بأمان. وكانت الأحياء اليهودية تحيط بالمدرسة، وتقطع الطريق مع المناطق العربية.كان منزلنا يقع في الطرف الشرقي.الشمالي. وكان علي المتوجه إلي المدرسة أن يسير حوالي ربع ساعة بعضها بين مساكن ومتاجر ومؤسسات يهودية. هذا ما دعا الوالدين إلي تأجيل التحاقي بالمدرسة إلي حين انتهاء الثورة في عام 1939. فدخلت الصف الابتدائي الأول في أيلول (سبتمبر) من ذلك العام أي أني كنت في الثامنة من عمري، وهو عمر متأخر في كل المقاييس. ولم تكن هناك، لا في طبريا ولا في غيرها من البلدات الفلسطينية في ذلك الوقت، رياض للأطفال. من هنا كنت قد قاربت الثانية والعشرين حينما تخرجت في الجامعة.قضيت في المدرسة الابتدائية سبع سنوات. وكنت، علي ما يشهد زملائي في الدراسة، وكذلك الأساتذة الذين ما زال بعضهم علي قيد الحياة، طالباً متفوقاً. حتي إن رتبتي في الصف، في السنوات السبع كلها، كانت الأولي دائماً. وهذا ما دعا مدير المدرسة، طلعت السيفي، إلي أن يكتب في أسفل شهادة التخرج كان الأول في السنين السبع التي قضاها في المدرسة وأنا، علي حد علم المدير الوحيد في فلسطين الذي حقق هذا الإنجاز.لم تكن الدراسة صعبة عليّ، ولا علي أمثالي ممن يأتون من أسر ذات مستوي عال من العلم والمعرفة. كنت مزوداً بالاستعداد وبالقواعد الأساسية وأصول الحياة المدرسية بمجرد أن بدأت الدراسة النظامية. كانت غرف المنزل أشبه بصفوف المدرسة، ملأي بالكتب، وطاولاتها جاهزة كمقاعد المدرسة ومجهزة بكل الأدوات وبوسائل الراحة، وجو الهدوء يخيم علي البيت كله، وساعات الدرس مقدسة ولا يجوز اختصارها ولا التعدي عليها. وكان معظم الأساتذة أصدقاء للعائلة، للوالدين أو للأشقاء الكبار سناً. وكان التزاور مألوفاً وخاصة في الأعياد والمناسبات. كن أولاً أو ثانيا..كنت الأول، بلا منازع، في سائر المواضيع المدرسية، في تلك السنوات السبع. غير أن العلامات كانت تتفاوت بين موضوع وآخر، بسبب اهتماماتي الأدبية ونفوري من الموضوعات العلمية. كانت العلامات لا تنزل عن التسعين في اللغتين العربية والإنكليزية والتاريخ والجغرافية والديانة، بينما تنزل قليلاً لكن تظل في خانة الثمانينيات في الرياضيات والزراعة والطبيعة وهو أمر أصبح أكثر وضوحاً في المرحلتين الثانوية في القدس وصيدا والجامعية الأولي في بيروت. أما الرسم والرياضة فكانت العلامة قلما تصل إلي الثمانين. ولولا مجاملة أستاذيْ هاتين المادتين لي بحكم علاقاتهما مع الأسرة لكانت العلامة تدنت أكثر من ذلك. للرياضة معي قصة طويلة. لم أكن رياضياً في أي يوم. ولم تكن لي هواية بأي نوع من الرياضة. لعل المشي هو الرياضة الوحيدة التي كنت أمارسها. ولكن حتي هذه الرياضة اضطرني وضعي الصحي إلي الإقلاع عنها. كنت في المدرسة الابتدائية أشاهد الزملاء يلعبون ويجرون ويقفزون وأنا جالس من بعيد تحت أغصان شجرة في طرف ساحة المدرسة. وفي القدس كان علي كل طالب أن ينخرط في واحدة من سبع فرق رياضية. وكان نصيبي أقوي الفرق التي حملت اسم مكنس رئيس المدرسة السابق، وكانت تتفوق دائماً علي زميلاتها. أما أنا فقد نجحت في إقناع والدتي بأن تبعث برسالة إلي مدير المدرسة تناشده أن يرفق بجسدي الضعيف. والأمر نفسه حصل في صيدا. وكان الأمر أسهل لأن المدير كان في الواقع قريباً للوالدة. وكنت أيام السبت من كل أسبوع حينما يخرج الطلاب إلي ملاعب كرة القدم أنتظر حتي يقرر قائد الفرقة إذا كان الطقس مناسباً أم لا. إذا لم يكن مناسباً تسير الأمور بصورة طبيعية. أما إذا وجد الغيوم قد زالت وطلعت الشمس أو كادت تطلع يصيح بالطلاب: كشّحت يا شباب فيخرج اللاعبون إلي الملعب مبتهجين وأدخل أنا إلي عنبر النوم مدعياً وجع الرأس. كانت كلمة (كشّحت) التي لم أكن قد سمعتها في فلسطين تعني لي إنذاراً بأن أحيد عن الدرب وأختفي من أمام الطلاب والأساتذة وتعني الكلمة أن الغيوم قد انقشعت.ولم تكن الرياضة في الجامعة في بيروت إجبارية إلا في حال السباحة. لم تكن شهادة التخرج تُعطي إلا بعد المرور في امتحان السباحة. وقد تطوع أحد زملائي بأن نزل إلي البحر نيابة عني وسبح المسافة المطلوبة وأخذت أنا الشهادة. وأظن أن الأستاذ عبد الستار الطرابلسي أدرك الحقيقة ولكنه غضّ نظره.قم للمعلم وفه التبجيلالا أزال أذكر الشيء الكثير عن معظم معلمي المدرسة المعلم رشاد، أستاذ مادة الزراعة وكان في جوار المدرسة حقل نذهب إليه بعد ظهر كل أربعاء نمارس عملياً الدروس التي تعلمناها نظرياً في زراعة الخضار والفواكه. والمعلم أنور، أحب أستاذ إليّ كان يدرّس التاريخ والجغرافية. ولا أعلم إذا كان ولعي بالتاريخ هو الذي قرّبني إليه أو كان لطفه معي هو الذي حببني بدراسة التاريخ. وقد هاجر بعد النكبة إلي الولايات المتحدة. أما الشخصية الأطرف والأشهر فهو المعلم توفيق، المعروف دائماً باسم أبو خليل. كان رجلاً متقدماً في السن، ولا بد أنه تجاوز سن التقاعد ولكنه بقي يدرّس حتي سقوط طبريا ربيع 1948. كان رجلاً لطيفاً جداً، حنوناً وصبوراً، درّسنا العربية. وكان نقيض مدير المدرسة طلعت السيفي، الذي كان قاسياً لا يتحرك إلا وفي يده عصا يستعملها في معاقبة الطلبة المقصرين أو المتأخرين أو العصاة. وكان الجلد مسموحاً في المدارس أيام الانتداب البريطاني. وجدير بالذكر أن المدير كان وطنياً ساند الثورة الكبري في يافا فعاقبته السلطات بالنفي إلي طبريا. وأذكر أن منزل المدير كان قريباً من منزلنا. أما منزل نائبه فكان يشرف علي الميدان العام في البلدة حيث كانت تجري الاحتفالات الرسمية والاستعراضات العسكرية في المناسبات. لذلك كانت العائلة تزوره في تلك المناسبات لمشاهدة الاستعراضات من فوق شرفة منزله. وكانت جدران البيت مغطاة بصور هيلاسلاسي، إمبراطور الحبشة الذي خلعه الطليان. وباعتباره أرثوذكسياً كان يحب الإمبراطور المخلوع ويدافع عنه بحرارة، حتي أن ابنه خليل تغيب عن طبريا فترة فتناقل الناس شائعة بأنه ذهب إلي الحبشة ليحارب الإيطاليين الكاثوليك. وكانت الصراعات بين عائلات طبريا المسيحية القليلة، الكاثوليك والأرثوذكس، محدودة جداً وغير ذات بال إلاّ أثناء تلك الحرب في أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات. وربما كان وقوف بريطانيا ضد الإيطاليين قرّب أبا خليل من والدي الإنجيلي. ولا بد من كلمة عن المفتشين الذين كانت إدارة المعارف ترسلهم بين الحين والآخر لتفقد المدرسة. أذكر منهم حبيب خوري مفتش اللغة العربية تميز بطيبة القلب وبساطة المظهر، ووصفي عنبتاوي مفتش التاريخ والجغرافية يعتمر الفيصلية دوماً، وأحمد طوقان مفتش الرياضيات أصبح فيما بعد رئيساً للحكومة الأردنية لوقت قصير، وأحمد القاسم مفتش الزراعة، وجميل زنانيري المفتش الإداري أصبح ابنه سامي طبيب العائلة في بيروت منذ 1975. وكانت المدرسة تلبس حلة نظيفة قبيل حضور أي منهم. ويُطلب منا أن نحسن التصرف. ولا أعرف كيف كانت المدرسة تعلم بحضورهم مسبقاً. وكنا نشعر بزهو حينما يسألنا المدير أو الأستاذ سؤالاً ونجيب عليه إجابة صحيحة، إذ نشعر أننا نرفع رأس المدير أو الأستاذ ونؤمّن له تقريراً جيداً يرفعه المفتش إلي الإدارة في القدس. وكان مدير المعارف أشبه بوزير التعليم في الأربعينيات مربياً إيرلندياً متعصباً دينياً ومتعجرفاً يكره العرب كثيف الحاجبين قاسي النظرات اسمه المستر فرل، عكس سلفه، المستر بومان، الذي كان ألين وأسلس.المدير والمفتش الإنكليزيلم يكن فيرل والسيفي علي انسجام. كثيراً ما كان الثاني يهاجم الأول ويسخر منه في مجالسه الخاصة دون أن يسميه. ولإغاظة فيرل شجع السيفي آباء الطلاب علي شراء كنزات صوف في فصل الشتاء تحمل علي طرفها ألوان العلم الفلسطيني الأربعة الأبيض والأسود والأحمر والأخضر. وكان أحد مصانع القدس قد أنزل إلي الأسواق الآلاف من هذه الكنزات. ومع أن فصل الشتاء في طبريا مشهور بدفئه، اشتري كل أب لابنه كنزة. وتحولت المدرسة إلي مهرجان متحرك للعلم الفلسطيني.وكان طلعت السيفي يأخذ الطلاب عدة مرات في السنة خاصة في الربيع في رحلات إلي بعض الأماكن قرب طبريا، الأثرية أو ذات التاريخ البارز. كنا نصرف النهار هناك ونعود مساء، وتسمي هذه النزهات الشطحات. وكنا نأخذ أكلنا معنا حتي لا نتكلف مصاريف إضافية.ولاحظ السيفي أن بعض الطلاب يعانون من قلة الغذاء، فأمر أن يحضر كل طالب إلي المدرسة برتقالة في موسم البرتقال وثمرة بندورة في موسم البندورة ويأكلها في فترة الاستراحة.مدرسة صهيون بدأ الوالد يبحث مع الوالدة والأشقاء في الكلية التي يجب أن أذهب إليها بعد أن تخرجت في المدرسة الحكومية في طبريا في حزيران (يونيو) 1946وبمجرد أن جرت حفلة التخرج تلتها حفلة شاي دعت والدتي إليها أصدقاء العائلة من عرب وأجانب حتي حمل الكثيرون منهم الهدايا لي وكان معظمها كتباً سعدت بقراءتها كثيراً. المكان الأنسب إلي الوالد هو الكلية العربية في القدس، حيث درس توفيق ومنير. فهي الأعلي مستوي في فلسطين كلها، وربما في المشرق العربي. إنها لا تقبل إلا الأوائل المتخرجين في مدارس الحكومة. وتتباهي دوماً بأنه لم يسقط طالب واحد في تاريخها منذ تأسيسها في العشرينيات في امتحانات المتروكليشن الصعبة. وأساتذتها هم أفضل أساتذة فلسطين في تخصصاتهم المختلفة. وهي، بالنسبة إلي الظروف المالية الصعبة للعائلة، مجانية. لكن المشكلة كانت أن قانون الكلية يمنع انتساب أكثر من شقيقين، بل إن القانون قلما يسمح بانتساب شقيقين وكان قبول منير بعد توفيق حالة استثنائية لإتاحة المجال أمام أبناء عائلات أخري ومنع الاحتكار. عائلة واحدة فقط في تاريخ الكلية الذي بلغ خمسة وعشرين عاماً سمح لثلاثة من أبنائها بالالتحاق بالكلية وهي أسرة محمد يوسف نجم أستاذي وزميلي فيما بعد. وعبثاً حاول الوالد إقناع المستر فيرل بأن نكون نحن استثناءً ثانياً.احتفظت بابتسامتي بعدم إرسالي إلي الكلية العربية. وأرسلني الوالد إلي مدرسة صهيون في القدس ولا علاقة للاسم بالحركة الصهيونية. لقد اختير الاسم لأن المدرسة تقع علي جبل صهيون وكان اسمها بالإنكليزية مدرسة المطران غوبات، المطران الأنجليكاني الذي تأسست المدرسة في عهده في القرن التاسع عشر.كانت المدرسة تتمتع بسمعة حسنة أكاديمياً واجتماعياً. وكانت إحدي أشهر مدرستين ثانويتين للذكور للإرساليات الإنجيلية في فلسطين طيلة القرن الماضي لا تنافسها إلا مدرسة القديس جورج. وكانت صهيون أكثر شعبية بينما تباهت المدرسة الأخري بأرستقراطيتها.كانت صهيون تقع كما قلت علي جبل صهيون. وفي جوارها مقبرة صهيون التي كانت تحتضن جثامين المتوفين الإنكليز والإنجيليين في فلسطين، من عسكريين ومدنيين، وكانت المدافن أشبه بالحدائق العامة بأشجارها وورودها والطيور المعششة فيها. وكنا نقضي ساعات الاستراحة نتمشي ونتنزه فيها.كنت في صهيون تعيساً ومهموماً أعدّ الساعات للعودة إلي طبريا في الإجازات. ولم تكن المدرسة نفسها سبب كل هذه التعاسة. فالقدس مدينة قارسة البرد في فصل الشتاء. بينما اعتدت أنا علي طقس طبريا الدافئ شتاء والحار جداً صيفاً. ولم أكن قد رأيت الثلج في حياتي قبل الإقامة في القدس حيث يكون مألوفاً في معظم السنين. وقد أدي ذلك إلي تورّم في أصابع اليدين والقدمين، واضطرني إلي معالجة طبية مكثفة وإلي دهن الأصابع بمراهم سوداء كريهة الرائحة تبعث فيّ وفي زملائي القرف. وكم رسالة كتبتها إلي الوالدين أشكو هذا الحال وأناشدهما إعادتي إلي طبريا ريثما يتسني لي الالتحاق بمدرسة أخري، علماً أن شقيقي يوسف الذي كان يقيم في القدس منذ سنوات كان يتردد عليّ دوماً ويأخذني إلي شقته في حي القطمون الأرستقراطي ويحاول أن يخفف من كآبتي. وكان الخروج مع يوسف هو الخرق الوحيد تقريباً لروتين الحياة في المدرسة. قلما كنت أخرج إلي المدينة وأذهب مع الطلبة الآخرين إلي السينما أو المطاعم أو المقاهي. فلم يكن يتوافر لي المال الكافي. كان المصروف المسموح به سبعة قروش فلسطينية في الأسبوع. وما كانت تكفي لشراء كعكة بسمسم يومياً أسدّ بها جوعي. لم يكن الوضع المالي للوالد يسمح بأكثر من هذا المبلغ.كان الأستاذ منح خوري لبنانياً يقيم في فلسطين. وكان معجباً بكتاباتي الإنشائية. وكان يعطيني أعلي علامة في الصف ويشيد بي باستمرار. لكن استغلال الآخرين لي أزعجه. وأصبح منح فيما بعد عودته إلي لبنان 1948 ثم هجرته إلي الولايات المتحدة شاعراً معروفاً وصديقاً حميماً. ومن الأمور الطريفة أن منحاً كان قبل انتقاله إلي صهيون أستاذاً في إحدي كليات يافا. وأحب طالبة وتقدم من والدها يطلب يدها. لكن الوالد، الطبيب الثري، رفضه بحجة أنه ما زال معلماً محدود الدخل، فغضب منح ونظم قصيدة اشتهرت أيام الدراسة وكنا نحفظها عن ظهر قلب يقول في مطلعها مخاطباً حبيبته التي انقطعت عنه وأطاعت والدها أنا المعلم يا ليلي ….أستطرد في الحديث عن مساعدة طلاب في كتابة موضوعات الإنشاء في صهيون فأذكر أني في النصف الثاني من الخمسينيات، بعد التخرج في الجامعة في بيروت، طلب مني اثنان من الأصدقاء أن أكتب لكل منهما رسالة جامعية. كان أولهما يعد للماجستير في الجامعة الأميركية عن فلسفة توينبي في التاريخ، وكان الثاني يعد للدكتوراه في أكسفورد عن الاقتصاد اللبناني. وبالطبع اعتذرت من الصديقين علي الرغم من المكافآت التي وعدني بها كل منهما! وقد تخرجا دون مساعدة مني. أصبح الأول أستاذاً للعربية في إحدي الجامعات الأميركية، واحتل الثاني منصباً عالياً في البنك المركزي في لبنان!في المقابل كان الطلاب يرتعبون من مجرد ذكر اسم أحد الأساتذة، وديع الخوري. كان الرجل خريج مدرسة شنلر الشهيرة بقسوتها ونظاميتها. وحاول دائماً أن يطبق أسلوب مدرسته السابقة في التعامل مع طلابه. لا مزاح ولا مرح ولا لهو ولا ابتسامات، بل درس وتمارين رياضية باستمرار. أما زميله، إسبر الجوزي أحد أفراد تلك العائلة التي قدّمت كوكبة من المجلّين في الثقافة والفنون فكان محبوباً. وكان يدرّس التاريخ. وكنت أحب الاستماع إليه ويزيد في حماستي لدراسة التاريخ الذي بدأه الأستاذ أنور حديد في طبريا وتابعه نبيه فارس في بيروت. ومن الأساتذة الذين بقيت أحمل ذكريات جميلة عنهم يعقوب سابا حداد، أستاذ العلوم الطبيعية علي الرغم من ضعفي في تلك المادة. كان الرجل يلبس دائماً نظارات سوداء لتخفي آثار حادث سيارة. وغازي البندك الذي كان مسجوناً بتهمة الشيوعية ثم أفرج عنه، وجاءنا أستاذاً شاباً صغير السن ليعمل فيما بعد في القسم العربي من الإذاعة البريطانية. أذكر أنه كان مرة يحدثنا عن الحزب الوطني في مصر، وفوجئ أني أعرف الكثير عن هذا الحزب ورئيسه وكبار شخصياته ومؤسسه وتاريخه ومبادئه. فقامت بيننا صداقة طيلة وجودنا معاً في صهيون.أفلام في القدسقلت آنفاً إنني قلما كنت أخرج من المدرسة حراً طليقاً. أستثني في ذلك حالات أربع ذهبنا مرة، طلاب المدرسة الداخليين، إلي دار للسينما. وكنت أول مرة أشاهد فيها فيلماً سينمائياً. وكان الفيلم من إخراج نجيب شماس وبطلته زوجته صباح، وكان من أوائل أفلامها، واسمه أول نظرة. ومع أنه كان فيلماً عادياً جداً وربما دون العادي فقد فتح شهيتي علي مشاهدة الأفلام إلي حد أني أدمنت علي ذلك خلال إقامتي في بيروت وكمبردج حوالي ثلاثين سنة حضرت خلالها ما يزيد علي عشرة آلاف فيلم، كلها في دور العرض وليس عبر شاشات التلفزيون. وأصبحت بفضل هذه الهواية شبه خبير بهذا الفن الرائع.كان يوسف يأخذني أحياناً معه لحضور محاضرة أو ندوة في إحدي قاعات جمعية الشبان المسيحية التي بني لها الدكتور هارت وقد سبق ذكره في الفصل السابق أحد أضخم مباني القدس وأجملها. وتميز المبني ببرجه العالي وبقاعات المحاضرات. ولا أظن أني كنت أستوعب الكثير من مضمون الندوات والمحاضرات. غير أنها ولّدت فيّ رغبة في الاستماع والإصغاء حتي ولو لم أشارك في النقاش، رغبة عاشت معي طويلاً ولم تتغلب عليها إلا رغبة واحدة هي المطالعة. ولا شك أن الرغبتين متلازمتان بل ومتلاصقتان. وكان مدير الجمعية والآمر الناهي في نشاطاتها رجلاً جليل الطلعة كبير الحجم صارم النظرات اسمه شفيق منصور. كنت بادئ الأمر أهابه كثيراً لكنه استطاع أن يكسر الحاجز بيننا رغم فارق السن، وكان يتحدث إليّ بلطف ويدعوني إلي النشاطات المقبلة.كما استفدت من ذهابي مع يوسف إلي بعض المقاهي والصالونات السياسية، خاصة في فندق سميراميس (الذي دمره الإرهابيون الصهيونيون 1948) ومقهي بيكاديللي وفندق كلاريدج. وكان معظم النقاشات يدور حول الصراع العربي الصهيوني والمعركة المقبلة ومصير فلسطين. وأذكر بين المشاركين باستمرار كلاًّ من برهان الدجاني وخيري حماد، وكانا يحرران مجلتين فلسطينيتين. وقد أصبح أولهما فيما بعد أميناً عاماً للاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة العربية لمدة خمسين سنة. أما ثانيهما فكان مؤسس الاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين وأمينه العام في الستينيات والسبعينيات. معرض الكتاب العربي الفلسطينيأما أجمل الذكريات الثقافية خارج المدرسة في القدس فتعود بي إلي معرض الكتاب العربي الفلسطيني الذي أقامته، لأول مرة في التاريخ الثقافي العربي، لجنة الثقافة العربية التي شكلها في القدس عدد من كبار المثقفين الفلسطينيين بينهم اثنان من أساتذتي فيما بعد إسحق موسي الحسيني ونقولا زيادة. ضم المعرض حوالي ثمانمئة كتاب بأقلام فلسطينية. وكان نواة مشروع لم يتكرر فيما بعد بسبب نكبة عام 1948. زرت المعرض عدة مرات. وكنت أتجول فيه وأكاد ألتهم عناوين الكتب وأسماء مؤلفيها وإن لم يكن بينها آنذاك أي كتاب من الكتب المئة تقريباً التي وضعها فيما بعد أفراد من أسرتي.هكذا صرفت الأشهر القليلة في مدرسة صهيون برتابة مملة إلي حد ما. وبعد ثمانية أسابيع من فتح المدرسة أبوابها صيف 1947 اضطرت إلي إغلاقها يوم 30/11/1947 وعاد الطلاب إلي بيوتهم. فقد بدأ العد العكسي لحرب فلسطين أواسط 1948 التي انتهت بقيام دولة إسرائيل ونكبة أهل فلسطين وهجرة ثلاثة أرباعهم. في صيداتبدأ الصفحات الأولي من المرحلة الثانية من دراستي الثانوية في صيدا في الرابع من شباط (فبراير)1948. فقد أقمت في المنزل في طبريا شهرين كاملين إلي أن حملني شقيقي يوسف في سيارته الستوديبيكر الصفراء إلي صيدا حيث استقر بي المقام في مدرستها مدرسة الفنون المعروفة بمدرسة الأميركان في منطقة عين الحلوة شرق المدينة.الرابع من شباط (فبراير) 1948 يوم تاريخي في حياتي، لعله اليوم الأرسخ في ذاكرتي. أيقظني الوالد في الفجر ليقول إن الوالدة أصيبت بنوبة قلبية جديدة وإنه اتصل بالمستشفي لأخذها للمعالجة. وبعد وقت قصير وصلت سيارة الإسعاف وذهبت والوالد وشقيقتي معها إلي غرفتها المعهودة في مستشفي الإرسالية الاسكتلندية المجاورة لمنزلنا أقول المعهودة لأن والدتي كانت تتردد عليها باستمرار ومنذ أن شعرت لأول مرة بمرض القلب قبل أكثر من عشر سنوات. وبقينا معها إلي أن طمأننا الطبيب وطلب منا العودة إلي البيت لنكون في انتظار يوسف الذي سيأتي بسيارته من القدس ليأخذني إلي صيدا.ركبت السيارة وأنا أجهش بالبكاء كطفل لمغادرة المنزل وطبريا وفلسطين وأمي في حال الخطر. وعبثاً حاولت مديرة المستشفي الأميركية الأصل أن تخفف من خوفي علي الوالدة وتطمئنني بكلمات صحيحة أو كاذبة. وفي الثامنة تماماً كنت أغادر طبريا والجليل لآخر مرة في حياتي ولأجيء إلي لبنان لاجئاً يمكث علي أرضه في إقامة مؤقتة امتدت سبعة وخمسين عاماً. لكن بقي لطبريا وجود دائم في أحلام المنامة، بشكل كوابيس تلاحقني بمعدل مرة في الأسبوع. وصلنا إلي صيدا ظهراً. وأودعني يوسف مدير المدرسة، إبراهيم مرقس، وغادر إلي بيروت.لم يجد الأهل صعوبة في إقناع المدرسة بقبولي في منتصف السنة الدراسية وهو أمر غير مألوف، خاصة أني انتقلت من منهج إنكليزي ـ فلسطيني إلي آخر أمريكي لبناني للعلاقة التقليدية بين الأسرة والمدرسة. فقد تخرج الوالدان فيها حوالي 1914 وتخرج ابنهما الأكبر يوسف بعد عشرين سنة. وكان مدير المدرسة قريباً للوالدة من جهة أمه وأمها. وكان يتردد علينا في طبريا لتشجيع الطلاب علي الالتحاق بمدرسته. غير أني لم أعثر في المدرسة علي أي طالب طبراني، ولا من قضاء طبريا. أقربهم، جغرافياً، كان من قرية كفرياسيف.لا شك أني وجدت صعوبة في أيامي الأولي. ليس فقط بسبب الانتقال من منهج إلي آخر وسط السنة الدراسية بل أيضاً بسبب الأحوال النفسية وانشغال الفكر علي الوالدة ثم علي مصير الوالدين والشقيقة بعد اشتداد الهجمات الصهيونية علي عرب فلسطين مدينة بعد أخري. وجاء دور طبريا في الثامن عشر من نيسان (أبريل) 1948 حينما حاصر الإرهابيون الصهيونيون البلدة من جنوبها وغربها وأخلي الجيش البريطاني السكان العرب منها بحجة حمايتهم حتي لا يلاقوا المصير المرعب الذي لاقاه عرب دير ياسين قبل عشرة أيام. لن أتطرق هنا إلي ظروف إخراج الوالدين والشقيقة من المنزل، بالقوة، فقد توسعت في ذلك في أكثر من مقال نشر بالعربية والإنجليزية لم يكن في طبريا مع الوالدين آنذاك إلا شقيقتي ماري. كان يوسف في القدس، وفؤاد في غزة، وفايز في واشنطن، وتوفيق ومنير في بيروت. صحيح أن انشغال الفكر خف بعد وصول الأهل إلي بيروت، لكن الهم الأكبر حول مصير فلسطين بلداً وشعباً وأرضاً استمر وازداد مع اتساع رقعة الهجمات الصهيونية والمذابح الوحشية لتشمل أكثر من نصف فلسطين، ومع وصول عشرات الآلاف من اللاجئين إلي صيدا وانتشارهم في شوارعها وجوامعها وكنائسها ومدارسها.أما الصعوبة المتأتية عن اختلاف المنهج التربوي بين صهيون والفنون فقد خفف منها اقتراح المدير بأن يتولي أحد الطلاب المتفوقين تدريسي دروساً خصوصية كل مساء أعوّض فيها عما درس زملائي في الصف العاشر، أي قبل الأخير في النصف الأول من تلك السنة الدراسية.كان الطالب المختار ليدرّسني متفوقاً بمختلف الموضوعات وكان يتصدر الصف في نهاية كل فصل. وكان فقير الحال. لذلك كانت المدرسة تعفيه من الجزء الأكبر من القسط المدرسي.أخذت أستعين بهذا الطالب لمدة شهرين أو ثلاثة. وكان المدير يكافئه بكرم ويتسلم المبلغ من شقيقي يوسف. وفي منتصف أيار (مايو) وقع يوسف في أسر القوات الصهيونية. وأعلمت المدير أنني لن أستطيع متابعة الدروس الخاصة لأن يوسف لن يستطيع مواصلة تغطية النفقات. وشكرت الطالب الزميل من كل قلبي. وجلسنا علي مقاعد الامتحان النهائي في شهر حزيران (يونيو). وإذا بالمدير يفاجئ الصف كله بأني حصلت علي الدرجة الأولي وأني انتزعت التفوق من ذلك الطالب المسكين السييء الحظ. فقد خسر مع إعجاب زملائه والإدارة المبالغ التي كان يوسف يرسلها وكذلك تلك الحسومات التي كانت المدرسة تقدمها له باعتباره الأول في صفه. وأذكر أني ناشدت المدير، وكذلك فعل الوالد بعد أن أبلغته الأمر، بأن يعده بالحسومات نفسها في السنة التالية حتي ولو لم يكن هو الأول. وكنت أنا الأول بالفعل، طوال السنة التالية، سنة التخرج. قرأت عدة مقالات في إحدي صحف بيروت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بتوقيع كاتب يحمل اسم الطالب نفسه، مرسلة إلي الجريدة من إحدي مدن أميركا اللاتينية. ولا أعرف إذا كان هو الشخص نفسه.تختلف تجربتي في صيدا عن تلك المقدسية اختلافاً واسعاً، لمصلحة التجربة الصيداوية. فعلي الرغم من الهم الوطني/الإنساني بنكبة البلد واقتلاع أهله، كنت في صيدا أشعر بشيء من الراحة. كانت العلاقة بين الطالب والأستاذ علاقة أخوية حميمة. كنت أشعر كصديق لمعظم الأساتذة، نتبادل الأحاديث الخاصة والهموم والمشاكل وكأننا زملاء. كان علينا في القدس أن نقف ونصمت وننظر إلي الأرض إذا أقبل الأستاذ علينا ولو كنا نلعب في الساحة في فرصة الاستراحة. وكنا في صيدا نخاطب الأستاذ ونحن جلوس. وكان بعضنا يتعمد وضع قدميه علي الطاولة دون أية مراعاة لحرمة الأستاذ أو المدير. وباختصار كان جو المدرسة في صيدا ديموقراطياً إلي حد بعيد.وكنا مساء كل سبت تقريباً نعبر الجدول الصغير نهر البرغوث الذي يفصل بين مدرستي الذكور والإناث لنسهر مع بنات صفنا حتي وقت متأخر. وكانت الفتيات يتقنّ صنع أنواع الجاتو وقد اشتهرت مدرسة الإناث بعلم التدبير المنزلي، وكانت سمعة المدرسة أنها أفضل معهد في تأهيل البنات للزواج. بينما كان الفتيان يتفننون في ممارسة أنواع الرقص الحديثة. ولم تكن المدرسة بعيدة عن المدينة. كان يسمح لنا بالخروج عدة ساعات بعد ظهر السبت وأيام الآحاد وإن كنت أصرف معظم أيام الإجازات مع أهلي في بيروت أو في قرية عين عار حيث اصطافوا 1948.كان الطعام في صيدا نقيض ما كان عليه في القدس، سواء من حيث النوعية أو الكمية. كان أبو رجا، طباخ المدرسة، يبرع في إعداد المأكولات وكأنه طباخ فندق بخمس نجوم. أما الست أكابرية، مدبرة المنزل، فكانت أماً لكل طالب، داخلياً كان أو خارجياً. وكانت العلاقة بين الطلاب الداخليين والخارجيين وثيقة، فكنا نُدعي إلي بيوت زملائنا الصيداويين أو إلي بساتينهم في مواسم البرتقال والأكي دنيا. كان ترددي علي منزل هشام أبو ظهر أو إلي بستان العائلة من أجمل أيام صيدا. عرفت والدته المأكولات التي كنت أحبّ. فكانت تطلب من هشام أن يصطحبني إلي المنزل كلما أعدّت إحداها. وكانت عائلات زملائنا فاروق الجوهري وطارق بعاصيري وحيدر الأسعد تعتب علي أبنائها إذا تأخروا في دعوتنا إلي منازلهم. وجدير بالذكر أن غالبية طلاب صيدا الداخليين كانوا من أبناء لبنان الجنوبي، من آل الأسعد وأبو ظهر وبدرالدين والخليل والزين والزعتري وشاهين والشماع والصباح وعسيران وغلمية وفخري ومروّه. وقد قامت بيني وبين معظم الطلاب صداقات عاشت طويلاً. أما نسبة الطلبة الفلسطينيين في المدرسة فكانت قليلة، لترتفع كثيراً في أوائل الخمسينيات بعد أن انضم العشرات من أبناء الأسر اللاجئة إلي صيدا والجنوب عموماً. وأستطيع أن أذكر أسماء أكثر من عشرة من تلامذة صيدا في أواخر الأربعينيات أصبحوا وزراء أو نواباً في لبنان في النصف الثاني من القرن الماضي. وبالإضافة إلي هؤلاء برز خريجون تفوقوا في مجالات أخري، في الصحافة هشام ووليد أبو ظهر، والاقتصاد عزالدين شمس الدين ويوسف مروّه علم الذرة. واشتهر شاكر نجيم كأحد أطول الرجال في العالم. وربح سيروب كارزيان ورقة يانصيب وأصبح من كبار المالكين في صيدا وبني ضاحية علي اسمه!7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية