أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (7)
كان مركز الأبحاث أضخم مشروع ثقافي عربي وقع ضحية لعرفات ومقاومته استقلال الكلمة والرأي والفكرالخطة السرية لحماية محتويات المركز لم تنفذ والمخابرات الإسرائيلية سرقت مخطوطاته والباقي توزع في المنافيأنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (7)أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية … وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي ، و نصف قرن من الاوهام ، و بلدانية فلسطين المحتلة ، و الهاشميون والثورة العربية ، و الهاشميون وقضية فلسطين ، واخيرا مذكراته التي تنشر القدس العربي مقتطفات منها. القدس العربي الحاج أمين الحسينيتوليت في بيروت إثر عودتي من كمبردج صيف 1964 منصب مدير تحرير القاموس الإنجليزي ـ العربي. وكان أستاذي محمد يوسف نجم يتولي رئاسة المشروع، ويعاونه عدد من المحررين من بينهم كبير أدباء فلسطين إحسان عباس والقاصة سميرة عزام ووداد القاضي التي تشرف حالياً علي دائرة الدراسات المشرقية في جامعة شيكاغو الأمريكية. وكانت مؤسسة فرانكلن تموّل المشروع ويجري العمل بالتعاون مع مؤسسة لانغنشايت الألمانية المختصة بالقواميس. وقد سبق تعييني أن دعيت والدكتور نجم إلي الولايات المتحدة حيث صرفنا عدة أسابيع في الاطلاع علي معاهد إعداد الموسوعات والقواميس وسبل عملها، وعلي رأسها دائرة المعارف البريطانية التي أصبحت مؤسسة أمريكية بالرغم من الحفاظ علي اسمها.وانبثقت فكرة إعداد هذا القاموس عن إدراك لقلة القواميس الجيدة من الإنجليزية إلي العربية بالرغم من وفرة القواميس بالشكل المعاكس. لهذا خصصت مؤسسة فرانكلن مبلغاً كافياً من المال لإعداد القاموس وتجهيزه بما يحتاج له من علماء ومراجع وأدوات. وشكلت له هيئة من المستشارين من كبار العلماء العرب.والحقيقة أن إدارة قاموس من هذا النوع وتحريره يختلفان عن إدارة موسوعة وتحريرها. فالعمل أقرب إلي عالم اللغة والترجمة، وهو عالم لم أعتبر نفسي من أهله ولم أكن مؤهلاً له، بقدر شغفي ودرايتي بالتحرير الموسوعي. لهذا لم تكن مدة العشرين شهراً التي مكثت خلالها في هذا المشروع مبعث راحة نفسية، بل كانت مملة إلي حد ما. وللتخفيف من رتابة العمل انصرفت في أوقات الفراغ إلي البدء بإعداد كتاب عن أدب الرحلات العربية الحديثة، أي من مطلع القرن التاسع عشر حتي منتصف القرن العشرين. وجمعت عدة مئات من كتب الرحلات. وصورت العشرات مما لم يكن متوافراً في الأسواق. وبدأت أحضّر المسودة الأولي. غير أن تركي العمل فجأة في القاموس، وما تبعه من مغادرة لبنان ثم العودة والانتقال إلي عمل آخر استولي علي كل وقتي وجهدي وتفكيري ومطالعاتي كما سيجيء لاحقاً جمّد مشروع كتاب الرحلات، وما زال مجمداً رغم حماستي الشديدة للموضوع. ورغم أني لا أزال من هواة مطالعة أدب الرحلات وتفضيله وأدب السيرة علي كل فنون الأدب. ولو أتيح لي أن أنجز كتاب الرحلات لكان أصبح مرجعاً في الموضوع لأني خططت له أن يكون في جزأين أحلل في أولهما المشاهدات والملاحظات، وأوثق في ثانيهما لمئات كتب الرحلات التي صدرت.مات كتاب الرحلات قبل أن يولد مشروع كتاب آخر. كنت معجباً بالحاج أمين الحسيني مفتي القدس. وكنت أحسّ بالظلم الذي لحق به. وإن كنت لا أتغاضي عن أخطائه ولا أبرر بعض تصرفاته. لذلك بدأت أحضّر دراسة مطولة عنه اخترت لها عنوان الحاج أمين الحسيني في صعوده وهبوطه . وحتي أتفرّغ لوضع الصيغة النهائية اخترت مصيفاً نائياً في لبنان لا يتردد عليه عرب كثيرون، بلدة بزمار في كسروان. وذهبت وزوجتي إليه للعمل هناك بعيداً عن الناس والمراجعات والاتصالات. وما إن وصلنا إلي الفندق شبه الفارغ، وأخذت أوراقي ومسوداتي وملاحظاتي وتوجهت إلي أقصي طاولة في حديقة الفندق، حتي لفتت زوجتي نظري إلي اقتراب رجلين من طاولتنا. وبدا أنهما رأيانا وجاءا للسلام علينا. واكتشفت، وأنا لا أصدق، أنهما الحاج أمين نفسه ومعه صديقه ومساعده إميل الغوري. فحجبت الأوراق علي عجل وقمت للترحيب بهما. وصرفنا الأسبوع معاً، دون أن أذكر لهما الغرض من وجودي هناك وموضوع كتابي. وأقلعت عن فكرة إنجاز الكتاب لأني شعرت أن بعض محتوياته ستكون قاسية بحق رجل ظلمه التاريخ ولم أرغب أن أشارك في ذلك.توازي إشرافي القصير نسبياً علي مشروع القاموس مع متابعتي عن كثب وفي العمق للتطورات والحركات والنشاطات السياسية والقومية في الوطن العربي محلياً ودولياً، بعد أن أنهيت مرحلة الدراسة وعدت إلي الاستقرار في الوطن في لبنان بالذات من جديد. لم يعد بإمكاني أن أراقب الأحداث من بعيد من بريطانيا مثلاً ولا كطالب تفرض التزاماته المدرسية حدوداً معينة وضيقة علي نشاطه وتحركه. أخذت، بالتالي، أشارك في عدد من النشاطات الثقافية ذات الشأن الوطني والقومي، ككتابة المقالات والمشاركة في الندوات وإلقاء المحاضرات بالرغم من ابتعادي نسبياً عن المنابر الخطابية.ألقيت إحدي هذه المحاضرات في النادي الثقافي العربي الذي كنت أتردد عليه باستمرار وأكتب في مجلته. وكانت تربطني بالمشرفين عليه وهم في غالبيتهم من أعضاء حركة القوميين العرب أو من المقربين لها صداقة وارتباطات ثقافية. تناولت المحاضرة موضوع الأحلاف الإسلامية التي كانت مطروحة علي بساط البحث وعلاقتها بالأحلاف الاستعمارية ومشاريع الهيمنة الغربية والأمريكية خصوصاً علي الوطن العربي ومواجهة المد القومي التحرري العربي بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر.وجدت المحاضرة وما كتبت ونشرت في بعض الصحف آنذاك من مقالات حول الموضوع نفسه مَنْ نقل الخبر إلي رئاسة مؤسسة فرانكلن الأمريكية في نيويورك التي تموّل مشروع القاموس. فأصدرت المؤسسة قراراً وزعته علي جميع فروعها ومؤسساتها في العالم يحظر بحزم وإصرار علي كل من يعمل في المؤسسة أو في مشاريع ترتبط مالياً أو معنوياً بها المساهمة بأي نشاط سياسي أو فكري أو ثقافي يتناول موضوعاً سياسياً مثيراً للجدل. وطلب القرار من كل العاملين في كل دول العالم أن يوقّعوا علي تعهد خطي بالتزام هذا القرار والامتناع عن أي نشاط يثير الحساسيات.أدركت أن هذا القرار موجه إليّ وإلي كرامتي وحقي كمثقف وكمواطن وكوطني. فرفضت التوقيع. كان عليّ أن أحتفظ بوظيفة محترمة وراتب لا بأس به أو أن أتمسك بكرامتي والتزامي القومي. وكان الاختيار حاسماً ومصيرياً في حياتي، ولم يأخذ التفكير فيه أكثر من دقيقة واحدة!أحمد الشقيري وقرار تعييني في مركز الأبحاثلم أكن قبل بعيداً عن الاهتمام بالشأن الوطني والقومي الفلسطيني والعربي. كانت المشاعر نحو فلسطين تجري في العروق مع الدماء، شأن غالبية الفلسطينيين. وأستطيع أن أقول إني وعيت القضية الفلسطينية منذ الطفولة في أحاديث الأهل في البيت والطلاب والأساتذة في المدرسة. لكني، بانغماسي مع رفاقي السوريين القوميين، غلبت الهموم والآمال الحزبية فيّ علي الهموم والآمال العامة كشيء منفصل ومستقل. وكان كل من هذين الصنفين من الهموم والآمال مرتبطاً بالآخر ارتباطاً عضوياً. لكني بعد أن تركت الحزب، وسافرت إلي بريطانيا ثم عدت إلي الوطن، جاء حادث محاضرة النادي الثقافي وردّ فعل المؤسسة الممولة صفعة أيقظتني من حال يبدو وكأنه إغفال نسبي وجانبي للمهمة الفلسطينية الملقاة عليّ مباشرة كمواطن في هذا البلد الجريح. كنت أشعر وأدرك التزامي الفلسطينـــي منذ أن وعيت. أدخلني ذلك الالتزام عالماً جديداً، أصبحت فيه أشبه بالناسك في صومعته . أصبحت القضية سجناً اختيارياً أقيم فيه لأتحرر وبلدي معاً. ولم أعد أعمل أو أكتب أو أدرّس أو أبحث أو أنشر إلا في نطاق الموضوع الفلسطيني ودائرته. بهذا المعني أعتبر أن تلك الحادثة كانت منعطفاً خطيراً ونقطة تحول أساسية في حياتي.أخذت تعويضي المالي عن عملي في المؤسسة، واشتريت تذكرتيْ سفر لزوجتي ولي وطرنا إلي لندن لأفكر هناك، من بعيد وبهدوء، في مستقبلي. وبعد أيام من التردد علي المكتبات في النهار والمسارح في الليل، وصلت برقية من شقيقي فايز، الذي كان قد أسس مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، يطلب مني العودة للبحث مع رئيس المنظمة أحمد الشقيري في مشروع سبق أن كلّمته فيه بإصدار موسوعة فلسطينية. وعدت فوراً.كانت معرفتي برئيس المنظمة محدودة جداً من قبل، عبارة عن لقاء واحد جري قبل أكثر من عشرة أعوام من ذلك التاريخ. وكان لقاء طريفاً ومحرجاً في آن. كانت روز ماري زوجة شقيقي يوسف ترغب في إجراء مقابلات في القاهرة لبعض الشخصيات من ضمن رسائل صحافية تبعث بها من مصر إلي إحدي الصحف البريطانية التي كانت تراسلها. وكنت أنا يومها في القاهرة أيضاً. فطلبت مني أن نذهب معاً لزيارة أحمد الشقيري، وكان أميناً عاماً مساعداً لجامعة الدول العربية، لتجري معه حديثاً. ففعلت. وكان الشقيري كعادته لطيفاً ومحدثاً لبقاً. وبدأت روزماري تطرح عليه أسئلتها، وهو يجيب. ولاحظت أن هناك التباساً ما. بدل أن تسأله في السياسة أو القانون وعن فلسطين والجامعة العربية، أخذت الأسئلة تنحو منحيً أدبياً. صحيح أن الشقيري هاوي أدب وقارئ ممتاز، لكن ما علاقته المباشرة والحميمة برواية الأرض مثلاً؟ سألته متي كتب روايته الأولي، وبمن تأثر من الروائيين العرب والأجانب؟ أدركت أن روزماري، وكانت لا تزال حديثة العهد بالإقامة في الوطن العربي ومعرفة اللغة العربية، التبس الأمر عليها بين الشقيري والشرقاوي أديب مصر الكبير وصاحب رواية الأرض. ولم أكن بحاجة إلي أن أعتذر من الشقيري وأوضح له الأمر. فقد انتبه هو إلي ذلك واسترسل في الحديث بدون إحراج له ولا لها، ولفت نظرها بطريقة غير مباشرة إلي أنه ليس عبدالرحمن الشرقاوي بحديث مطول عن الأديب المصري وعلاقته به وإعجابه بأدبه!اصطحبني فايز في اليوم التالي إلي كيفون، مصيف الشقيري. وجلسنا في حديقة دارته الجميلة. وفاجأ فايز الشقيري وفاجأني بأن قدم استقالته من رئاسة مركز الأبحاث. وإذا بالشقيري يلتفت إليّ ويقول إذن استلم يا أنيس المركز واعمل موسوعتك علي بركة الله. وأعترف أني انزعجت جداً وارتبكت، وتلعثمت ولم أعرف ماذا أقول. أزعجني أن الشقيري تسرع في قبول الاستقالة، وكان أولي به أن يؤجل البت بها والبحث في البديل إلي جلسة أخري خاصة أني اكتشفت خلال الجلسة أن سوء تفاهم كان قائماً ولو بصمت بين الشقيري وفايز. وأربكني أنني لم أكن متأكداً ما إذا كان فايز مصمماً علي الاستقالة فعلاً، وإن كنت أعلم أنه محشور في الوقت لأنه كان يدرّس في الجامعة الأمريكية إلي جانب توليه مهام المركز وغير متحمس للبقاء في المنظمة.في مركز الأبحاثاستلمت العمل في مركز الأبحاث يوم 7/8/1966 وإلي أن غادرته بعد عشر سنوات استأثر المركز بي استئثاراً كاملاً، بوقتي وطاقتي وجهدي وعملي وفكري ووجداني. ذاب المركز فيّ مثلما ذبت فيه. وتحوّل هذا الارتباط إلي عملية توحيد. أصبح المركز في عيون الناس هو أنيس صايغ. وأصبحت أنا عندهم مركز الأبحاث. وفقد كل منا هويته الخاصة واستقلاله الذاتي. باستثناءات نادرة، لم أكتب كلمة واحدة لمدة عشر سنين خارج نطاق مركز الأبحاث. فلسطين والقومية العربية هو عنوان أول كتاب ألّفت ونشرت في المركز. وكان البحث في الأصل إسهاماً في عدد خاص من مجلة الأزمنة الحديثة التي كان الفيلسوف الفرنسي الوجودي الشهير جان بول سارتر يصدرها في القرن الماضي. أراد سارتر بعد أن بدأ يُعاتب علي مناصرته المطلقة للفكر الصهيوني وجهله وتجاهله لوجهة النظر العربية الفلسطينية أن يصدر عدداً خاصاً من مجلته يحمل وجهتي النظر الفلسطينية ـ العربية و الإسرائيلية/الصهيونية . أوفد مندوباً خاصاً إلي لبنان، الكاتب المصري علي السمان، لدرس الموضوع مع مديريْ مركز الأبحاث ومؤسسة الدراسات الفلسطينية. واجتمعنا مطولاً، وقسّم المركز والمؤسسة العمل بينهما في تقديم وجهة النظر الفلسطينية العربية. لكن ومع الأسف حالت ظروف معينة دون تنفيذ المشروع الرائد، بالرغم من تبني مسؤولي المؤسسة آنذاك سامي هداوي ومنذر عنبتاوي وموافقتي المطلقة علي المشروع بتأييد أيضاً من رئيس المنظمة أحمد الشقيري الذي طرت خصيصاً إلي القاهرة لمناقشة الموضوع معه فجاء إلي المطار وتناقشنا واتفقنا ثم عدت إلي بيروت علي متن الطائرة نفسها!.وحسب تخطيط القسم العربي من العدد المذكور، الذي لم يرَ النور، كان عليّ أن أكتب بحثاً مطولاً في العلاقة العضوية بين المسألة الفلسطينية والقضية العربية. ففعلت. ونشرت البحث في كتاب ترجم ونشر فيما بعد إلي الإنجليزية والألمانية.ويبدو أن آراء ومعلومات واستنتاجات وردت في الكتاب لم يرضَ عنها بعض الكتّاب الفلسطينيين. حتي إن أحدهم، المؤرخ السياسي محمد عزة دروزة، نشر كتاباً في الرد علي مقولات دراستي. الموسوعةارتبط اسمي بمركز الأبحاث. ولما جمّدت نشاطي ربيع 1976ثم استقلت نهائياً 1977 (وقصة ذلك وخلفياته ترد في الفصل السادس عن العلاقة مع السيد عرفات) كان عليّ أن أواجه رغبات وإلحاحاً من عدد من المؤسسات تعرض أن تستعين بما اعتبروه خبرة ومعرفة في هذا الحقل البحثي الذي كانت الخبرة فيه نادرة في عالمنا العربي. ولا أكتم أني لمست في هذا الإقبال والطلب نوعاً من الاعتراف ورد الاعتبار، من جهة، ووسيلة لأداء خدمات ثقافية حاول عرفات أن يحرمني منها وأن يسد عليّ طريقها.من بغداد إلي القاهرة إلي عمان ومن أبو ظبي إلي الكويت تنقلت في زيارات تطول أو تقصر بدعوة من مراكز ومؤسسات ناشئة للأبحاث أو للدراسات الفلسطينية، إما للتأسيس والإنشاء أو لمراقبة النمو أو لتصعيد العمل. كنت ألبّي الدعوات بحماسة وأجتهد في الاطلاع علي المشاريع ومناقشتها لكن دون الالتزام بارتباط رسمي أو وظيفة أو راتب. وأصبحت أشبه بالمستشار غير المتفرغ. أما هذه المراكز فكان أبرزها مركز الدراسات الفلسطينية في بغداد وهو ملحق بجامعة بغداد. ومركز الدراسات الاستراتيجية في جريدة الأهرام في القاهرة وكان في أوائل نشاطه بإشراف محمد حسنين هيكل وإدارة حاتم صادق. ومركز الدراسات العبرية في عمان الذي لم يعش طويلاً وأجهضه الصلح مع إسرائيل. ومكتب الدراسات الخاص بالبعثات الدبلوماسية في أبو ظبي حيث درّبت دبلوماسيي الإمارات علي الدعوة لفلسطين. ومركز المعلومات في جريدة القبس في الكويت الذي عهد إليّ بإنشائه والإشراف عليه عبر زيارات شهرية. ومعهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة الذي أصبحت لفترة عضواً في مجلس أمنائه.وقمت بأعمال استشارية للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس، فترأست لجنة الترجمة والتعريب. وقمت بوضع تقرير نقدي للمجلات الأربع عشرة التي كانت تصدرها بعض هيئات المنظمة في عدد من العواصم العربية. وشاركت مع نخبة من أهل الاختصاص والثقافة في وضع استراتيجية الثقافة العربية التي كان من المفترض أن تتبناها وزارات الثقافة في الدول الأعضاء في الجامعة العربية علي غرار الاستراتيجية الاقتصادية التي أشرف علي وضعها شقيقي يوسف. لكنها لم تفعّل وانتهي المشروع بمجرد كتاب علي رفوف المكتبات تماماً كما حصل للاستراتيجية الاقتصادية. وكان ارتباطي التالي، الطويل، بمشروع الموسوعة الفلسطينية ، التي كنت صاحب فكرتها 1966 ، وتدرجت في مسؤولياتها من عضو ومقرر لمجلس الإدارة 1977 إلي مستشار 1980 إلي رئيس للتحرير 1982إلي رئيس لمجلس الإدارة 1988. وللموسوعة حديث مطول في الفصل التالي.كذلك فإني وإن كنت قد توقفت مؤقتاً عن التأليف بإصدار المجلات والموسوعة، فقد عدت إلي هذا الحقل في التسعينيات من القرن الماضي، كما سيجيء ذكره في آخر فصول الذكريات.أربع مجلات مهمةأصل إلي المجلات الثقافية التي أصدرتها وترأست تحريرها بين 1971 و1982. ففي إحدي عشرة سنة أشرفت، بالتوالي، علي أربع مجلات كبري عرفتها حياتنا العربية الثقافية في الربع الأخير من القرن الماضي. شؤون فلسطينية ، من آذار (مارس) 1971 حتي نيسان (أبريل) 1977 ، و المستقبل العربي ، من أيار (مايو) 1978 حتي آذار (مارس) 1979 ، و قضايا عربية (السلسلة الجديدة) من حزيران (يونيو) 1979 حتي كانون الثاني (يناير) 1981 ، وأخيراً شؤون عربية ، من آذار (مارس) 1981 حتي تشرين الأول (أكتوبر) 1982 . وصدر من هذه المجلات الأربع مئة وثلاثة أعداد احتوت علي حوالي ألفي بحث ومداخلة.باستثناء قضايا عربية ، قمت أنا وبمبادرة مني بتأسيس المجلات الثلاث. فمنذ أن تسلمت إدارة مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية كان حلمي أن أصدر موسوعة ومجلة. وإذا كان مشروع الموسوعة تأجل إلي الثمانينيات وانبثق عن هيئة خاصة لا علاقة للمركز بها، فإن المجلة رأت النور بعد رئاستي للمركز بأقل من خمس سنوات، أي بعد أن اطمأننت لسير العمل في المركز وتجهيزه بالإمكانات البشرية والمرجعية التي جعلته المركز الأول في الوطن العربي المختص بالدراسات والبحوث الفلسطينية. وكانت المجلة، بطبيعة الحال، تعتمد علي إمكانات المركز اعتماداً كبيراً.وتفاوضت مع مركز دراسات الوحدة العربية، الذي تأسس في بيروت 1975، حول إصدار مجلة شهرية تنطق باسمه وتحمل دعوته الوحدوية. وفي أول شباط (فبراير) 1978 بدأت بالإعداد ليصدر العدد الأول بعد شهرين ونصف الشهر، وهي فترة قياسية في تاريخ الصحافة الثقافية. وما إن استقلت من رئاسة تحرير المجلة حتي انتقلت إلي قضايا عربية ، وكانت المجلة تصدر منذ ست سنوات، بإشراف عبد الوهاب الكيالي ورئاسته للتحرير. وكنت بحاجة إلي أن أحقق نهمي بتحرير مجلة ثقافية بعد أن تخليت عن المستقبل العربي. فأقنعت الكيالي، وكان صديقاً عزيزاً، قتل غدراً في ريعان شبابه، بأن يسلمني مجلته لأصدرها في حلة جديدة أسميناها قضايا عربية السلسلة الجديدة. ثم انتقلت في العام نفسه إلي تونس لإصدار شؤون عربية .إنها تجربة حافلة وممتعة بالنسبة لي. كانت رئاسة تحرير هذه المجلات الأربع مصدر ثروة لا تعوّض ولا تقدر بثمن من الخبرة أضفتها إلي خبرتي في مركز الأبحاث سابقاً، ثم ألحقت بها خبرتي في الموسوعة الفلسطينية . وإن كنت أعتز بشيء في حياتي العملية إنمــــا هو هذه الخبرة التي امتدت علي مدي ربع قرن. وإني أنظر إليها الآن ومن بُعد نسبي من زاوية نفسية وشخصية. لكل إنسان هواياته ورغباته وقدراته، يميــل إلي مهن وتخصصات فينجح، ولكنه لا يحقق النجاح نفسه في مجالات أخري. وحين أرحل ويأخذ الناس في تقييم أعمالي آمل أن يأخذوا تجربتي في التحرير موضع اهتمامهم وتكون هي الأساس في الحكم علي سيرتي العملية.وبعد، لم تنته حياتي الكتابية وتجربتي القلمية باستقالتي من تحرير رابع هذه المجلات. فقد انتقلت إلي مقلب آخر في عالم الكتابة والقلم الذي قيل إني ولدت وهو بين أصابعي. وكانت النقلة هذه المرة إلي الموسوعة الفلسطينية حتي عام 1993. إلا أن حديث هذه التجربة وتقييم العطاء الذي قدمته أتركه إلي الفصل القادم. وكذلك فإن الحديث عما كتبت وأصدرت من كتب ومقالات بعد الموسوعة، أي في السنوات الأخيرة، هو أيضاً له مكان، في آخر فصول هذه الذكريات.ولن أختم الفصل دون أن أتحدث عن حلم راودني منذ عشرات السنين، وما زال يراودني بالرغم من صعوبة تحقيقه. وهو أن أكتب كتاباً عن طبريا، البلدة الأعز والأجمل التي لن يحل مكانها في القلب والوجدان أي موقع آخر. أحلم بكتاب موسوعي شامل يتحدث عن طبريا المدينة والبحيرة والجوار، وهي منطقة متميزة أعطت العالم قسطاً واسعاً من معالم مدنيته ورموز حضارته طبريا المكان والزمان والعمران والسكان، النبات والحيوان، وأخيراً طبريا شهيدة العدوان ستة فصول تاريخية جغرافية ثقافية عمرانية سكانية اجتماعية سياسية تكون مثالاً لتأريخ المدن الفلسطينية، هذا الفن.العلم الذي أقبل عليه الفلسطينيون مؤخراً، بعد نكبتي 1948 و 1967، كجزء من محاولاتهم لحفظ التراث وإبقاء الذاكرة حية.يبقي مشروع الكتاب حلماً حتي الآن. وأخشي أن يظل كذلك. لكن هذا الحلم سيبقي أجمل من كل ما كتبت ونشرت.ارتبط المركز والموسوعة بي وارتبطت بهما حتي كدنا نصبح واحداًيجد القارئ في صفحات الكتاب ذكراً كثيراً لكل من هذين المشروعين وعلاقتي بهما وعلاقتهما بي. وسأركز كلامي في هذا الفصل علي التعريف بالمشروعين وتأريخهما وعرض نشاطاتهما وانعكاساتهما علي الثقافة العربية المعنية بالشأن الفلسطيني منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي. وقد قيّض لي أن أتولي مسؤوليات كبري فيهما لأكثر من ربع قرن. وأسمح لنفسي أن أجمل المؤسستين في فصل واحد مع أن كلاًّ منهما كان مشروعاً مستقلاًّ عن الآخر لا لأن فكرة الموسوعة ارتبطت عند إطلاقها بالمركز، ولا لأن كليهما انتهي ضحية لسياسة السيد ياسر عرفات ومقاومته لاستقلال الكلمة والرأي والفكر الفلسطيني الملتزم، بل أيضاً لأن إشرافي المباشر عليهما وعملي المتفرغ فيهما جعل كلاًّ منهما يجسّد مفهومي للرسالة الثقافية وأسلوبي في أداء تلك الرسالة بشكل عملي.عندما تسلمت مهام إدارة مركز الأبحاث من شقيقي فايز صيف 1966 كان المركز يحتل شقة متوسطة الحجم في شارع السادات في بيروت، ويضم مكتبة في ثلاث أو أربع خزائن، وصدر عنه خمسة كتب كتب فايز معظمها. وحينما غادرت المركز وكان قد انتقل إلي بناية مجاورة في شارع كولمباني شغل ستاً من طبقاتها الواسعة، وكانت المكتبة بكتبها ووثائقها وملفاتها تحتل طبقتين كاملتين لاحتواء عشرين ألف مجلد وألف ملف وعشرات الخزائن من الوثائق. وكانت المنشورات قد تجاوزت الثلاث مئة (وبعضها بعدة لغات و/أو عدة أجزاء). وأضيف إليها مجلة شهرية ونشرة رصد تصدر مرتين في اليوم. أما الباحثون فقد ارتفع عددهم من ثلاثة إلي أربعين، وارتفع عدد الإداريين والمحررين من خمسة إلي عشرين. وارتفع جهاز التوثيق من أربعة إلي عشرة. ولم يكن التوسع في المكان وأعداد العاملين ومحتويات المكتبة هو المهم. فتلك مجرد مظاهر وانعكاسات لنمو المركز في مشاريعه وفي خدماته للمواطن وفي نقل رسالته إلي العالم كله. وكان هذا هو الذي نصّب مركز الأبحاث علي عرش الثقافة الفلسطينية المؤسسية في السبعينيات من القرن العشرين.أعترف، قبل كل شيء، بأني مدين في نجاح المركز ذلك النجاح الفريد من نوعه والذائع الصيت إلي ثلاثة: إلي رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي رعي المركز ويسر له الحماية وهو في مرحلة التأسيس. وبقي الشقيري، حتي أيامه الأخيرة، الصديق الوفي للمركز، يستفسر ويسأل ويستشير ويشير ويقرأ ويعلّق ويشجع. ولولا الخوف من الاسترسال لتحدثت مطولاً عن هذا الرجل الكبير بكل معاني الكبر. حسبي أن أذكر أنه عمل في المنظمة متطوعاً. وكانت أول مذكرة بعث بها إليّ بعد أن توليت إدارة المركز تحذر من التجاوب مع قريب له استغل القرابة بينهما فطبع كتاباً عنه ليتكسب منه. وإلي فايز صايغ الذي لم يغامر فقط بإنشاء المركز، وكان إنشاء مركز من هذا النوع طفرة جنونية، بل أيضاً أرسي قواعد العمل وفروعه وأسلوبه. وإذا كان قد ترك المركز بعد أقل من سنة ونصف السنة فقد بقي أثره حتي اليوم الأخير من حياة هذه المؤسسة الرائدة. أدين أخيراً إلي الاحتضان الرائع الذي حظي به المركز من جمهرة المثقفين العرب الحريصين علي أهمية الفكر والوثيقة والكلمة والرأي الحر في التعامل مع قضيتنا الكبري، من كل قطاعات الأمة العربية وأرجاء وطنها واتجاهاتها ومذاهبها السياسية المختلفة، من المحيط حتي الخليج.وربما أكتم بعض الحقيقة إذا لم أعترف بعامل آخر ساعد في إنجاح المركز بقدر ما ساعدني في تحمل أعبائه الكثيرة وخاصة في حقل تصريف الأعمال اليومية والإدارية والإشراف علي الأقسام المختلفة التي نمت مع الوقت أعني به انضمام إبراهيم العابد إلي أسرة المركز في العام ، ثم تعيينه نائباً للمدير العام. لقد حمل هذا الشاب الذي كان قد تخرج حديثاً في الجامعة الأمانة بمنتهي الإخلاص والنشاط والتجرد. وكان الساعد الأيمن لي طيلة سنوات ترافقنا في المركز قبل أن ينتقل إلي دولة الإمارات العربية المتحدة ليضع مواهبه في خدمتها علي الصعيد الإعلامي. كنت آخذ بمشورته وأعتمد عليه وأطمئن إلي أدائه طيلة فترة عملنا معاً.إني أعترف إذن بأنه لولا هذه العناصر المشجعة لما حققنا النجاح الباهر لمركز الأبحاث في مدي عشر سنوات من إشرافي عليه. واستطراداً أقول إن أي تقريظ واعتزاز بالمركز ونتاجه وبسيرته الجهادية العلمية إنما هو يعود إلي تلك العناصر في الدرجة الأولي. فسريعاً ما ثبّت المركز نفسه واستطاع أن يجسد المقولة المهملة سابقاً بأن المعركة الثقافية هي جزء أساسي وساحة رئيسية في صراعنا مع العدو الصهيوني الذي لم يهمل سلاح الثقافة في أي جولة من جولاته المتتالية ضد شعبنا في مائة عام. وليس صدفة أن يسير هذا الوعي الناشئ بأهمية الثقافة والعلم في المعركة جنباً إلي جنب تطور المقاومة الفلسطينية وتزايد ضغطها علي العدو. وكان ذلك إشارة واضحة إلي تعدد الأسلحة وتنوعها في آن وارتباطها مع بعضها بعضاً.ولأهمية محتويات المكتبة، بأقسامها المختلفة، أشير إلي ثلاثة جهود من أجل صيانة المكتبة وتوسيع الفائدة.أولها: تصوير محتويات ملفات المعلومات في أفلام وزعت نسخها علي كل من جامعة الدول العربية، ومكتبة جامعة بغداد التي غطت نفقات التصوير الباهظة، واحتفظ المركز بالنسختين الباقيتين.وثانيها: إصدار نشرة فصلية بكشف بالكتب الجديدة المضافة إلي المكتبة وتوزيعها مجاناً علي عدد من المكتبات ذات العلاقة.خطة سريةوثالثها: وضع خطة سرية وعملية للحفاظ علي أهم ما في المكتبة من محتويات كالوثائق والخرائط وبعض الكتب النادرة بنقلها إلي أماكن سرية آمنة في مدي ساعات قليلة من اقتراب الخطر من مبني المركز. ومع الأسف لما اقترب الجيش الإسرائيلي من بيروت وحاصرها لعدة أيام صيف 1982 لم يقم مسؤولو المركز أو المكتبة آنذاك بتنفيذ تلك الخطة، فجاء ضباط من المخابرات الإسرائيلية إلي المركز وصرفوا عدة أيام في التنقيب عن المحتويات النادرة والهامة بالنسبة إليهم ثم حملوها معهم، وكان عددها أكثر من عشرة آلاف كتاب ومخطوط، إلي جانب الوثائق والخرائط. ويروي الوزير اللبناني السابق فاروق البربير الذي يقيم في منزل مجاور لمبني المركز كيف كان الضباط يضعون بعض الكتب في صناديق حملوها معهم فيما بعد بينما يقذفون بكتب أخري إلي الشارع!وقصة مصير مكتبة المركز مأساوية إلي أبعد حد. نقلت بعض المحتويات التي لم يستولِ العدو عليها إلي قبرص 1983 ، ثم إلي عدة عواصم عربية. ولا أعلم ماذا حل بها وإلي أين انتهت عصا الترحال. أما العشرة آلاف كتاب فقد تفاوضت القيادة الفلسطينية عبر الصليب الأحمر الدولي مع العدو لاستردادها. ونجح الصليب الأحمر في نقلها من فلسطين المحتلة إلي جنيف، ثم إلي الجزائر، وذلك عام 1988. وقيل إنها ضاعت هناك واختفت كلياً، وقيل أيضاً ان بعض المحتويات وصل بحراً إلي ميناء أسدود الإسرائيلي . ومع أن سلطات الميناء أبلغت الهيئات المعنية في المنظمة بالأمر وطلبت منها العمل علي أخذها إلا أن تلك الجهات لم تبدِ اهتماماً إلا بعد سنة حينما أنذرت سلطات الميناء المنظمة بأنها ستتلف محتويات الصناديق إذا لم تتسلمها. وهنا أيضاً لا أعلم ماذا حصل. كل ما أعلمه أن اثنين من المقربين من السيد ياسر عرفات ومن مركز الأبحاث سابقاً سألاني ذات يوم وقد التقيتهما صدفة في عمان حوالي سنة 2000 عما حصل للكتب وكأني أنا المسؤول عن مصيرها؟! واعترفا أن لا أحد يعرف مصيرها.وهكذا ضاعت، بالإهمال واللامبالاة، أهم المكتبات السياسية الفلسطينية ومن يضيّعْ بلداً لا يصعب عليه إضاعة مكتبة!إن العديد من هذه الكتب الثمينة التي فقدنا، سواء بسرقة الإسرائيليين لها من المكتبة أو بإهمال استعادتها فيما بعد، وصل إلي المكتبة بعرق الجبين وبجهد لا يتصوره إنسان.لم يكن المركز يضع اعتباراً عند النظر في تفريغ باحث لهويته القطرية. كان ثلث الباحثين المتفرغين من العرب غير الفلسطينيين، بينهم لبنانيون وسوريون وعراقيون ومصريون. ولا كان المركز ينظر في ولاءاتهم أو علاقاتهم الفصيلية والتنظيمية. كان علي الباحث أن يترك هذه الولاءات الضيقة خارج أبواب المركز ولا يحتفظ إلا بالولاء الفلسطيني/العربي. وبما أن الجبهتين الشعبية والديموقراطية كانتا أوسع انتشاراً بين صفوف المثقفين والجامعيين الفلسطينيين في لبنان آنذاك، فقد كانت نسبة باحثي المركز من هذين الفصيلين أعلي من أبناء الفصائل الأخري. وكانت فتح تليهما مباشرة. وبينما كانت قيادة فتح تعاتب أحياناً، وكأن المسألة مقصودة ضدها، لم يأتِ أي عتاب من فصائل لم يكن بين باحثي المركز أي عضو منها، كالصاعقة أو جبهة التحرير الفلسطينية. المهم أن المركز كان يرفض أي تدخل أو توسط لتعيين باحث إذا كان الباحث غير مؤهل أو إذا كان برنامج عمل المركز لا يتيح تعيين باحث جديد. جاءني مرة باحث مختص بعلم الآثار، يحمل شهادة دكتوراه ورسالة توصية من مسؤول في المنظمة. ولما أجبته أن ليس في برامج المركز مكان لدائرة آثار عاد إلي ذلك المسؤول الذي عينّه مديراً لمتحف غير موجود!وكذلك لم يكن المركز يهتم بالشهادات العلمية ولا بالخلفية الجامعية للباحث. كان المهم أن يكون مؤهلاً جيداً للعمل البحثي القائم علي الموضوعية والتجرد والقدرة علي التحليل. وربما يفاجأ القارئ أن اثنين من المتخصصين بالشؤون العبرية والصهيونية انتميا إلي الطبقة الكادحة كان أحدهما في الأصل كوّي والآخر صانع أحذية. وكانا يعملان جنباً إلي جنب أصحاب شهادات الدكتوراه والماجستير!.لم يكن من السهل إقناع القيادة الفلسطينية وصندوقها القومي بممارسة المركز مبدأ تفريغ الباحثين. وكان ينظر إلي هذه المسألة وكأنها ترف فكري وإسراف في النفقــــات. لكني أصررت باستمرار وعناد علي إنشاء هذا النظام المعرفي والحفاظ عليه حتي جاوز عدد المفرّغين في بعض السنوات العشرة.7