أنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (8)
عبدالناصر كان أول رئيس عربي يهتم بإصدارات المركز.. وحافظ الأسد ظل يتابع كل ما ينشر عناقلت لعرفات جئت المركز لأحارب إسرائيل فصرت أصرف وقتي كله في محاربة تجاوزات شبابنا وانفلاتهمأنيس صايغ عن أنيس صايغ: رحلة نصف قرن في العمل الفلسطيني والعربي (8)أنيس صايغ مفكر وكاتب فلسطيني معروف، تخرج من الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة كامبريدج البريطانية، وعمل استاذا زائرا في الجامعة نفسها، وعميدا لمعهد الدراسات والبحوث العربية في القاهرة، وكان مدير مركز الابحاث الفلسطينية في بيروت، ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية و اليوميات الفلسطينية … وعمل في اكثر من موقع في الجامعة العربية، وقام بعدد من المبادرات الثقافية مثل اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية.. واصدر اكثر من دراسة وكتاب منها لبنان الطائفي ، و نصف قرن من الاوهام ، و بلدانية فلسطين المحتلة ، و الهاشميون والثورة العربية ، و الهاشميون وقضية فلسطين ، واخيرا مذكراته التي تنشر القدس العربي مقتطفات منها. القدس العربي العلاقة مع الفصائل الفلسطينيةتبدل الحال تبدلاً جوهرياً بانتقال مقاليد الرئاسة إلي ياسر عرفات . تحولت أيام التعاون والانسجام والاحترام بين المركز والقيادة السياسية إلي سجل من المصادمات. لن أتحدث عنها هنا لأن تفاصيلها تحتل جزءاً كبيراً من الفصل التالي في كتاب ذكرياتي.أما العلاقات بين المركز وبين الفصائل الفلسطينية فكانت تتراوح بين الجد والحرج، وتختلف بين تنظيم وآخر. لكنها لم تكن سيئة بشكل عام.سهّل عليّ تأمين علاقات جيدة مع الفصائل أني انطلقت في التعامل معها من مبدأين إبداء استعداد كامل للتعاون وتلبية الطلبات ما دامت هي طلبات محقة ومعقولة، والتقيد بالمساواة في تعاملاتنا مع جميع الفصائل بدون تمييز أو محاباة. مثلاً فتحنا أبواب المكتبة وخزائن الوثائق ورفوف الأرشيف للجميع، ولكن دون السماح لأحد بإخراج محتويات منها إلي خارج مبني المركز. سبق أن سمحنا لدارس دكتوراه في جامعة موسكو جاءنا يحمل طلباً من أمين عام أحد الفصائل باستعارة المواد المطلوبة علي أن يعيدها بعد شهر بكفالة من الأمين العام. وحمل الدارس معه إلي موسكو حقيبة كاملة من الكتب والوثائق ولم يعد، لا هو ولا الكتب التي استعارها. ولما اتصلنا بالأمين العام قال إن الدارس محق في الاحتفاظ بها لأنها في عهدته أفضل منها في مكتبتنا!. وأعطينا حسماً بنصف السعر لأي عضو في فصيل يحمل بطاقة العضوية وبالتالي أصبح من حق المركز منع التوزيع المجاني بشكل مطلق. وكنا نلبّي اقتراحات الفصائل بإعداد دراسات في مواضيع معينة للتقدم بها إلي مؤتمرات أو ندوات دعيت لها. أما موضوع التوظيف في المركز فكان الموقف حازماً وواحداً نتعامل مع أصحاب الطلبات علي أساس الكفاءة وليس علي أساس الانتماء التنظيمي. وفي ندوات المجلة كنا نحرص علي أن ندعو ممثلين عن كل الفصائل ولا نستثني أياً منها، حتي تلك التي كانت صغيرة أو غير ذات أهمية.لم تمنع هذه الإجراءات من حصول بعض أشكال سوء التفاهم مع فصيل أو آخر لسبب أو لآخر. سأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة، أحدها مضحك وثان مبكٍ وثالث مقرف!في إحدي ندوات المجلة لفت نظري الشاب الذي يعدّ القهوة قبيل الجلسة أن الحكيم جورج حبش يشرب نوعاً من قهوة النسكافيه بدون مادة الكافيين المضرة لمرضي القلب. وأعد الشاب للدكتور جورج كوباً منها بينما أعدّ لباقي المشاركين، وكانوا كلهم من الأمناء العامين للفصائل، قهوة النسكافيه العادية. وحتي لا يختلط عليه الأمر وضع قهوة حبش في كوب مختلف في الشكل. وقدّم القهوة إلي الحضور بينما كنت أتكلم في الجلسة التي ترأستها. وإذا بأحد المشاركين، أمين عام فصيل غير ثانوي، يقاطعني ويستفسر بشيء من الانفعال والاحتجاج عن سبب محاباة أحدهم علي حساب زملائه الآخرين. وأخذني بعض الوقت لأفهم من أين جاءته فكرة المحاباة.أما الحادثة المبكية فهي أن أحد الموظفين الصغار في المركز كان صغيراً في السن والرتبة لكنه كان من أفضل زملائه خلقاً ووطنية وحماسة والتزاماً، انضم إلي أحد التنظيمات. وعهدت إليه قيادته أن يتولي الدفاع عن أحد المراكز العسكرية مع عدد قليل من رفاقه. ويبدو أن تلاسناً حصل بين مجموعته ومجموعة أخري تنتمي إلي تنظيم ثان ٍ أقام مكتباً مجاوراً. وكاد التلاسن يؤدي إلي صدام. فاتصل الشاب بقيادته يبلغها الوضع. فأمروه بأن يطلق الرصاص علي الجماعة الأخري ويبعدها عن الموقع. ولكن الشاب استطاع بحكمة أن يقنع الآخرين بالانسحاب والابتعاد. فغضبت عليه قيادته واعتبرت عمله عصياناً علي الأوامر. واختفي الشاب. وبقي أسبوعين غائباً عن عمله في المركز وعن منزله. وبدأت وأهله نبحث عنه. لنكتشف أن الشاب حوكم وأعدم بتهمة العصيان. والأنكي أن القيادة لم تبادر إلي إعلان ذلك، بل زعمت أنه أرسل في عملية فدائية إلي فلسطين واستشهد هناك. ولم نعرف الحقيقة المؤسفة إلا بعد حين. وقد نعيت الشاب الشهيد باسم المركز، وكتبت في المجلة أشيد بموقفه وأطعن بالطريقة الظالمة والخاطئة التي عومل بها. وكانت النتيجة أن قام ذلك التنظيم بحملة قوية ضد المركز وضدي شخصياً، وتلقيت عشرات التهديدات بالقتل والانتقام، وإذا إسرائيل ما عرفت كيف تقضي عليك فنحن نعرف أكثر منها كما جاء في بعض هذه التهديدات . وما أزال حياً وما أزال أدين قتل إدمون دانيال وأعتبره جريمة من الناحيتين الوطنية والإنسانية.وسأروي الحادثة الثالثة دون أن أضع لها نعتاً غير القرف والاشمئزاز. التحق بالعمل في المركز شاب. وبعد وقت قصير وقعت ضحية الرسالة المفخخة التي أرسلها الإسرائيليون . ونقلت إلي المستشفي وبقيت مدة بعيداً عن المركز. اغتنم الشاب الفرصة وأخذ يتصل بأصدقاء للمركز أو للقضية ويبيعهم اشتراكات في المجلة وفي منشورات المركز، ويقبض الثمن سراً ولا يوافيهم لا بالمجلة ولا بالمنشورات. وبدأت احتجاجات هؤلاء وشكاويهم ترد إلي المركز، متسائلين عما حصل للمبالغ التي سلموها لذلك الشاب الذي زعم لهم أنه مكلف بذلك. واضطررنا إلي فصله عن العمل.وفجأة يصبح الشاب السارق شهيداً عند بعض الفصائل، يحتجون علي فصله ويتوسطون له. ومضت سنوات قليلة. واندلعت نيران الحرب الأهلية في لبنان. وإذا بقيادة الكفاح المسلح الفلسطيني تقبض عليه بتهمة التجسس للقوات اللبنانية وتحكم عليه بالإعدام. لكن الشاب هرب. وأخذ يشاهد، بعد سنة، يتجول ليلاً في شوارع منطقة الحمراء في رأس بيروت بين الكباريهات ودور اللهو وقيل إنه أصبح يعمل قواداً للمومسات. ثم تخرج القوات الفلسطينية من لبنان خريف 1982 . وتختفي أخبار الشاب سنة أو أكثر قليلاً. وفي 1985 كنت أزور تونس، وكنت أجلس في صالون فندق إنتركونتيننتال بشارع الحبيب بورقيبة. وإذا بشاب يلبس معطفاً من الكشمير الباهظ الثمن يتقدم نحوي ويسلّم عليّ بحرارة ويرجوني أن أسمح له بأن تكون إقامتي في الفندق علي حسابه. واعتذرت عن عدم قبول استضافته. ولما ابتعد سألت صديقاً كان يجلس إلي جانبي عمن يكون هذا الشاب. فإذا هو نفسه اللص الجاسوس القواد سابقاً، وقد أصبح مسؤولاً للعلاقات العامة في إحدي الجماعات الفلسطينية في تونس. نتذكر، ونضحك، ونبكي، ونحار، وننعي القيم.العلاقة مع الحكومات العربيةوإذا كانت علاقات المركز وعلاقاتي في المركز مع الفصائل الفلسطينية فيها طرائف ونوادر فإن العلاقة مع الحكومات العربية كانت لولا بعض الاستثناءات أكثر رصانة وربما رتابة. كانت علاقات طبيعية جداً. كنا في المركز نلبي الطلبات الممكنة ونرد علي الاستفسارات عن العدو وعن منظمة التحرير وعن القضية الفلسطينية ونمتنع عن الخوض في أي طلب أو علاقة خارج إطار هذه الموضوعات الثلاثة المتشابكة. لكن هذا الكلام لا يمنعني من الاعتراف بأن المركز لم يكن يصل إلي صاحب القرار السياسي في الوطن العربي بسهولة. وبالتالي فأنا أعترف بأن المركز وكذلك سائر المراكز والمؤسسات المماثلة لم يسهم في القرار العربي إسهاماً فاعلاً.كانت أفضل العلاقات مع أجهزة ودوائر في مصر وسورية، يليها العراق وليبيا، ثم تليها الأقطار الأخري. وكانت العلاقات مقطوعة تماماً مع السعودية التي كانت لا تعترف آنذاك بمنظمة التحرير الفلسطينية ولا تتعامل مع مكاتبها.كان جوهر معظم العلاقات الرد علي استفسارات سياسية أو أمنية أو عسكرية عن العدو، من جهة، واستيضاح بعض مواقف منظمة التحرير أو الفصائل الفلسطينية. وكنت أشرف شخصياً علي الرد علي هذه الاستيضاحات، وأزود نسخاً منها إلي الجهات المسؤولة في المنظمة.الرئيس جمال عبد الناصر، ثم الجهات الأمنية في مصر بعد وفاته، كان أكثر مسؤول عربي غير فلسطيني يبعث بأسئلة وباقتراحات للمركز ويحرص علي الاطلاع علي منشورات المركز. وكان أحياناً يناقش أموراً ترد في هذه المنشورات ولم تكن مجلة شؤون فلسطينية قد صدرت، فقد أسلم الروح قبل صدورها بأشهر قليلة. وفي إحدي المقابلات معه، آخر العام 1969، أبدي معرفة شاملة ودقيقة حول المركز ونشاطه وأوضاعه. وعبّر الرئيس عن اهتمامه بالمركز بأن عهد إلي الملحق الأمني في السفارة المصرية في بيروت، عبد الحميد المازني، بأن يكون ضابط اتصال بين الرئاسة وبين المركز. فتولي الرجل المهمة بنشاط وفاعلية. وهو الذي نقل إليّ ما وصل المخابرات المصرية من معلومات من داخل إسرائيل عن قرار قتلي وطلب مني أخذ الاحتياطات اللازمة وكان يتولي فحص الرزم البريدية القادمة من ألمانيا الغربية لأن معلوماته كانت تقول بأن المتفجرة التي سيرسلها الموساد إليّ ستكون ضمن كتب تصل من ذلك البلد. كان ذلك قبل حصول العملية فعلاً بحوالي ثلاثة أشهر.كانت استفسارات عبد الناصر عسكرية وسياسية. وكنت شديد الحرص علي الرد عليها بقدر ما أستطيع أن أوفره من داخل المركز. وكنت آخذ نصائحه واقتراحاته علي محمل الجد والاهتمام.وأبدي الرئيس حافظ الأسد اهتماماً بالمركز ونشاطه ونتاجه. وكان يطّلع علي معظم هذا النتاج. وظل يسألني عن بعض الكتابات (سواء من منشورات المركز أو كتابات خاصة لي) إلي ما قبل رحيله بسنوات قليلة، أي بعد أن تخليت عن إدارة المركز بعشرين سنة.كان يسعدني دوماً أن يكون مركز الأبحاث ذا فائدة لأي من الحكومات العربية. كان ذلك يعني أن المركز يمتد بخدماته من أجل القضية إلي أبعد من حدود فلسطين القطرية. لذلك رحبت، مثلاً، أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات بقيام علاقات تبادل خبرات ونشر وثائق مع بعض الجامعات والمراكز الجامعية في العراق، في بغداد والموصل والبصرة. وكذلك حينما طلب الرئيس معمر القذافي عبر سفيره في بيروت عبد القادر غوقة أن نزوده بباحثين من المركز يتولون إعداد دراسات فلسطينية في طرابلس الغرب. واخترت بالفعل باحثين اثنين. لكن إقامتهما في ليبيا لم تطل واستقالا وعادا إلي بيروت.ولم تقم علاقات رسمية مع الحكومة اللبنانية، مع أنها أسرعت بمجرد إنشاء المركز إلي إعطائه الصفة والحصانة الدبلوماسيتين. لكن لم يكن هناك تساهل يذكر من حيث السماح باستلام الكتب والصحف أو بنقل مطبوعات المركز إلي الخارج. ولم يمنع ذلك من قيام صداقات وسبل تعاون مع الكثيرين من المسؤولين اللبنانيين بصفة خاصة. ولا أذكر أن مشكلة واحدة حدثت في عهدي بين المركز وبين أية جهة لبنانية رسمية، باستثناء حادثة واحدة مؤسفة جداً لم أسمح بتكرارها قط.السنوات الاخيرة في المركزكانت السنوات الأخيرة من إدارتي لمركز الأبحاث سنوات عصيبة ومؤلمة، بسبب تطور الأحداث في لبنان وانفلات الأمن وتصدع العلاقات بين الطوائف اللبنانية وبين قطاعات من اللبنانيين والمقاتلين الفلسطينيين في لبنان. وزاد الصورة قتامة انفلات المنظمات الفلسطينية وخروج أعداد كبيرة من أفرادها علي القوانين والقواعد والأعراف وسكوت بعض القيادات عن هذا الحال بحيث بدا وكأنهم يتواطأون مع عناصرهم غير المنضبطة ضد لبنان وشعبه. وفي المقلب الآخر لانضباط الحرس في المركز أصبح من المألوف أن يتردد علي مكتبي ومنزلي الكثيرون من اللبنانيين، ومعظمهم من مناصري العمل الفلسطيني، يطلبون مساعدتهم في الإفراج عن معتقل أو مخطوف أو إخلاء شقة تم الاستيلاء عليها عنوة أو في استرجاع سيارة مسروقة. حتي إني قلت لياسر عرفات ذات يوم لقد جئت المركز لأحارب إسرائيل وأسترجع حقوقنا السليبة وإذا بي أجد نفسي أصرف معظم الوقت والجهد في محاربة تجاوزات شبابنا واسترجاع حقوق الشعب الذي استضافنا. وأذكر أني أسهمت في حلّ مشاكل لثلاثة من أصدقائنا من السياسيين اللبنانيين، بهيج تقي الدين الوزير والمحامي وعلي الخليل النائب ثم الوزير ومنير أبو فاضل نائب رئيس مجلس النواب الذي دخل فندق الكومودور قرب مركز الأبحاث لحضور اجتماع لمصلحة فلسطين ولما خرج وجد أن فلسطينياً أخذ سيارته ومضي بها!والشيء بالشيء يذكر. سأروي حكاية حصلت مع منير أبو فاضل. أقام الرجل في فلسطين عدة سنوات يحتل منصباً عالياً في جهاز الأمن التابع لحكومة الانتداب. ولكنه كان في الوقت نفسه علي صلة مع الحركة الوطنية. وأسهم كثيراً في تسليح قوات الجهاد المقدس التي قادها الشهيد عبد القادر الحسيني أواخر أيام الانتداب. وبعد سقوط فلسطين عاد إلي لبنان. ودخل المعترك السياسي وأصبح نائباً ثم نائباً لرئيس مجلس النواب. وكان يناصر الحق الفلسطيني في المؤتمرات والندوات الدولية. وكان من بينها المؤتمر الدوري للاتحاد البرلماني الدولي الذي عقد في لندن آب/أغسطس 1975. وصدف أن كنت عضواً في الوفد الفلسطيني الذي دعي لهذا المؤتمر لأول مرة.ترأس الوفد اللبناني رئيس مجلس النواب آنذاك كامل الأسعد. ولما جاء دوره للكلام في اليوم الأول تبين أنه ليس في القاعة. فطلب الوفد تأخير موعد الكلام ساعة من الوقت ليحضّر الوفد كلمة بسرعة. وجاءني الرئيس أمين الحافظ ومنير أبو فاضل يطلبان مني أن أعدّ للوفد كلمة. لكني ارتأيت أن يضع أحدهما الخطوط العريضة، لأنهما أدري مني بمثل هذه الاجتماعات التي كنت أحضرها لأول مرة، علي أن أتولي مراجعة الكلمة وتعديل ما يلزم. فكتب أبو فاضل الكلمة وجاء بها يطلب ملاحظاتي. وإذا بها كلمة وطنية لا غبار عليها إلا أنها متطرفة أكثر من اللازم من وفد لبناني لا فلسطيني. وخشيت أن تثير رد فعل قاسياً وغير مناسب من قبل بعض أعضاء الوفد غير المتحمسين كثيراً لفلسطين ومن الوفود الأخري. لذلك كان عليّ أن أخفف من شدة العبارات وأن أجعل الخطاب أكثر اعتدالاً. هذا هو أبو فاضل الذي سرق أحد شبابنا سيارته وهو يحضر اجتماعات من أجل فلسطين بعد مؤتمر لندن بعدة أشهر. وقبل إنهاء الكلام عن منير أبو فاضل أذكر أن أسرته دعتني للمشاركة في حفل تأبينه في الذكري الأولي لوفاته. وقد رويت في مداخلتي بعض هذه الذكريات عن الفقيد. واخترته مثلاً للالتزام اللبناني بالقضية الفلسطينية التزاماً حياتياً مثمراً.حادثتان مؤسفتانوفي ختام الحديث عن علاقات مركز الأبحاث مع الآخرين ، سأروي ذكريات عن حادثتين مؤسفتين تعبّران عن حساسية تلك العلاقات واضطرابها أحياناً دون أن يتعمد المركز ذلك. أولي الحادثتين ضجة حصلت في أوساط بعض المراجع الدينية الإسلامية في لبنان بسبب اتجاه ظهر بقوة في مجلة شؤون فلسطينية في النصف الأول من السبعينيات يدعو إلي التفرقة المبدئية والنظرية بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة قومية سياسية عنصرية احتلالية واستيطانية. وقد تباري بعض السادة المشايخ والعلماء إلي الكتابة، ولجأ بعضهم إلي الوعظ في المساجد لتكفير هذا الرأي وتخوينه. ولم يعد الموضوع جدلاً فكرياً هادئاً بين وجهتي نظر بل كاد يمتد إلي الشارع، وهو شارع مشحون بالمشاعر الدينية وميّال إلي قبول ما يسمع من مشايخه.وفي المقابل تعرض المركز لهجمة عنيفة من إحدي الكنائس المسيحية في لبنان بتهمة الإساءة إلي رئيسها. فقد ورد في أحد كتب المركز في العام 1975 أن البطريرك حكيم، بطريرك الروم الكاثوليك، دعا المسيحيين الفلسطينيين العاملين في الحقول المختلفة إلي الانضمام إلي اتحاد العمال الصهيوني المعروف بالهستدروت حينما كان مطراناً علي حيفا. وليكون قدوة لهم انضم هو نفسه إلي هذه المنظمة الصهيونية واستخرج بطاقة عضوية رسمية.جاء ذكر هذه الواقعة في كتاب للمركز بشكل عابر وكواقعة لها مغزاها دون تهجم علي رجل الدين. وبعد صدور الكتاب اتصل بي أحد كبار الفلسطينيين من طائفة الروم الكاثوليك، حسيب الصباغ، يحتج ويطلب مني إيضاحاً لينقله إلي البطريرك. فقمت فوراً بزيارة البطريرك وأبلغته أن المركز لم يتعمد إهانته وإنما نشر واقعة لدينا إثبات علي صحتها. وكان البطريرك متفهماً، ربما لأنه لم يستطع نفي الواقعة. لكن مستشاره الذي حضر اللقاء، الأرشمندريت حبيب الباشا وكان معروفاً بتعصبه وبمواقفه السلبية ضد الفلسطينيين، ألحّ أن أنشر في الجرائد تكذيباً لما رويناه في كتابنا مع اعتذار للبطريرك. فقلت إني أفعل ذلك بطيبة خاطر بمجرد أن أتسلّم تكذيباً خطياً ورسمياً من غبطته. واحتدم الجدال مع الأرشمندريت بينما حافظ البطريرك علي هدوئه. وأخيراً قال الأرشمندريت: إسمع يا فلان، إذا لم تنشر الاعتذار والنفي غداً في النهار سأوعز إلي نصف سكان العاصمة بالخروج في تظاهرة احتجاج تتجه صوب مركزكم والله فقط يعلم ما يمكن أن يحصل بعد ذلك. فأجبت بهدوء: أرجو ألا يحصل ذلك. لأني سأدعو النصف الثاني من سكان بيروت إلي تظاهرة تتجه نحو البطريركية، والله وحده يعلم ما يحصل بعد ذلك. وانتهي اللقاء عند هذا الحد. وبالطبع، لم تخرج إلي الشارع تظاهرات. ولم تنشر النهار اعتذاراً ولا نفياً. وأدت الحادثة إلي ترويج الكتاب ونفاده من الأسواق خلال بضعة أشهر.استهداف اسرائيل للمركز ومديرهكثيراً ما أسأل نفسي هل كان إقبال الأمة العربية علي مركز الأبحاث وإكبارها لعطائه هو السبب في لفت نظر العدو الصهيوني إلي خطر المركز علي كيانه المغتصب؟ أم أن استهداف هذا المركز بالذات بالضرب الإرهابي أربع مرات في عشر سنوات هو الذي أحاط صورة المركز في أذهان الجماهير والهيئات العربية المعنية، الحكومية والمدنية، بهالة من الإكبار وصلت إلي ما سبق ذكره من تخيّل غير معقول لقدرات المركز وإمكاناته بعيداً عن الواقع والمعقول؟ ومهما يكن من أمر فإني أعتقد أن الافتراضين صحيحان ويكملان بعضهما بعضاً.ذكر تقرير أصدرته المنظمة الصهيونية العالمية في نهاية 1969، موجّه إلي المنظمة الصهيونية في بريطانيا، مركز الأبحاث بإعجاب متناهٍ حتي جعله التقرير قدوة علي الصهيونيين الاقتداء بها إذا أرادوا لحركتهم النجاح . وحينما اطلعت علي التقرير، وقد أرسله إليّ أحد الأصدقاء البريطانيين، سيطر عليّ الاعتزاز دون أن أفطن إلي ما قد يحمله هذا الكلام من ردود فعل محتملة من قبل الصهيونيين الذين اعتادوا أن يردّوا علي الحجة بالقنبلة ويحوّلوا النقاش العلمي إلي رصاص.جاء الاعتداء الأول أواسط 1971 بسيطاً، بشكل رسالة تحذير وإنذار. وضعت علي مدخل بناية المركز في شارع كولمباني المتفرع من شارع السادات في بيروت رزمة من أصابع الديناميت فجّرت في الساعات الأولي من الصباح. وكان المركز خالياً ولم تكن لديه حراسة. ولم يؤدِّ الانفجار إلي أكثر من تحطم زجاج النوافذ وخلع الأبواب. وكأني بالإرهاب الصهيوني أراد أن يقول قد أعذر من أنذر . واكتفيت أنا بالاتصال بوزير الداخلية آنذاك الزعيم الاشتراكي كمال جنبلاط الذي أمر بإرسال شرطي واحد ليتولي الحراسة.أما الرسالة الثانية فلم تكن إنذاراً بل كانت تحمل كل الرغبة في إنهاء المركز عن طريق قتل مديره وإرهاب العاملين فيه. كنت في صباح التاسع عشر من تموز ( يوليو) 1972 قد عدت من القاهرة حيث ناقشت في جامعتها رسالة للدكتوراه قدمتها الدارسة خيرية قاسمية. ووجدت علي مكتبي حينما دخلته في الثامنة صباحاً، قبل أي موظف آخر، رزمة من الرسائل وصلت في غيابي القصير، وكان من عادتي أن أفض رسائلي بنفسي ولا أعهد إلي السكرتيرة بذلك، فأقرأ الرسائل وأؤشر عليها ثم أحولها إلي السكرتيرة. وأخذت أطلع علي هذه الرسائل واحدة بعد الأخري، وجاء دور رسالة أتخن من زميلاتها، فاعتقدت أنها تضم مقالة للمجلة. واسترعي نظري ختم مطبوع علي الطرف الأعلي للمظروف باسم المجلس الإسلامي الأعلي . فظننت أنها مقالة من أحد المشايخ يشارك بها في الجدل الذي كان قائماً آنذاك علي صفحات بعض الصحف اللبنانية حول مقال كتبه الباحث في مجلتنا فكتور سحاب عن اليهود غير الصهيونيين مما أثار انتقاد بعض علماء الدين الذين لا يفرّقون بين اليهودية والصهيونية. وبدأت بفض الرسالة وإذا بها تنفجر في وجهي. وأدركت أن الإرهاب الصهيوني قد أوقع بي. وكان قد سبق أن تلقيت إخباريتين بهذا المعني الأولي حملها إليّ ضابط الأمن في السفارة المصرية عبد الحميد المازني ابن الكاتب المعروف إبراهيم عبد القادر المازني قبل عدة أشهر وحذرني من كتاب سيصل إلي المركز من برلين الغربية سيكون مفخخاً. وقد أخذت الإنذار بجد وبلّغت سكرتارية المركز وأمينة المكتبة بعدم فتح أي بريد يأتي من ألمانيا الغربية وتحويله إليّ فوراً وكنت أقوم بتحويله إلي الضابط المصري الذي يكشف علي محتوياته قبل إعادته إلينا.أما الإخبارية الثانية فقد حملها إليّ مساعدي، إبراهيم العابد، قبل أيام قليلة من الانفجار. كان عائداً من القاهرة بعد أن مثّل المركز في اللجنة الدائمة للإعلام العربي. وكان يجلس بجواره في الطائرة وكيل وزارة الإعلام في المملكة العربية السعودية غالب أبو الفرج الذي طلب من العابد أن يبلغني أن الموساد الإسرائيلي سيستهدفني شخصياً بعد أن كان منذ أيام قليلة .. قد اغتال الشهيد غسان كنفاني.والواقع أن استشهاد غسان كان صدمة عنيفة لي ولكل من عرفه. كان غسان مثال المثقف والأديب والفنان الملتزم بقضيته الفلسطينية والقومية مسخراً مواهبه الغنية من أجل مبادئه. وكانت علاقاتي معه قوية وكثيراً ما كان يكتب في شؤون فلسطينية منذ أن صدرت قبل استشهاده بعشرين شهراً. لكنه كان شديد الحساسية. كنت إذا طلبت منه مقالاً ردّ عليّ باتهامي بأني لا أتذوق الأدب فلا أطلب منه قصة. وإذا طلبت منه قصة اتهمني بأني أريد أن أبعده عن الكتابة السياسية لأني لا أري فيه كاتباً سياسياً موهوباً. ومع هذا كان يكتب للمركز وللمجلة باستمرار. وكان من المفروض أن نتناول طعام العشاء معاً قبل مقتله بيومين. إلا أنه اعتذر في آخر لحظة بسبب موعد طارئ. والحقيقة أن استشهاد غسان كان يجب أن أتلقاه كإنذار أتعظ منه. لكني لم آخذ أي إجراء. وتروي الباحثة خيرية قاسمية أني لما رويت لها كيف شاهدت أشلاء غسان مبعثرة في حديقة منزله إثر استشهاده، قلت لها إن جلّ ما أرجوه، عندما ينجح الموساد في اغتيالي كما فعل مع غسان، أن تبقي جثتي متماسكة ولا أمزق إلي أشلاء!.لم يمت وكذبت اسرائيللم تبدل هذه الإنذارات نمط حياتي. وبقيت أزاول نشاطي كالمعتاد. وفقط حينما هزّ انفجار الرسالة الملغومة الغرفة، والمبني كله، أدركت أني فعلاً ألحق برفيقي وصديقي غسان بعد عشرة أيام فقط من استشهاده بتفجير سيارته. والموت واحد وإن تعددت أساليب الغدر الصهيوني.لم أعد أري شيئاً. فقدت البصر للحال. وشعرت بأصابع يدي اليسري التي كانت تحمل الرسالة تنفصل عن جسدي. وأصمّ صدي الانفجار أذنيّ. وسال الدم علي وجهي وجسدي. فعل ذلك كله سلك رفيع جداً مثبت علي الطرف الأعلي من داخل المظروف الذي احتوي علي عدة أوراق بيضاء ومسحوق يتطاير منه الموت عند اصطدام اليد بالسلك الرفيع.أحسست وأنا بين الواعي والغائب عن الوعي بشعر سلوي، سكرتيرتي، الطويل يغمر وجهي وهي تحاول أن تنقلني من غرفتي إلي المصعد ليأتي زملاؤها لحملي إلي المستشفي. وكنت أسمع صوتها وهي تنادي الزملاء بأن يهرعوا لمساعدتها. وحملني إبراهيم العابد وزملاؤه بسيارته الفولسفاغن الصغيرة إلي قسم الطوارئ في مستشفي الجامعة الأميركية. وكنت أسمع بوق سيارته المتواصل لتفتح السيارات الأخري الطريق أمامه. وكنت أصحو ثم أغيب عن الوعي في الطريق التي لا تحتمل أكثر من عشر دقائق. وعند الوصول إلي المستشفي كنت قد غبت عن الوعي تماماً. وتولي ثلاثة أطباء اختصاصيين معروفين معالجتي لمدة تسع ساعات متواصلة، وكانوا يتناوبون واحداً بعد الآخر، عدنان هلسة لمعالجة العينين المطفأتين، وصلاح سلمان للأذنين اللتين مزق الانفجار طبلتيهما، وفوزي أبو جمرا للحروق في الوجه واليدين والكتف والأصابع الثلاثة في اليد اليسري التي بترت فوراً.وفي تمام الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم، أي بعد عشرين دقيقة فقط من وقوع الحادث، كانت نشرة الأخبار الصباحية في الإذاعة الإسرائيلية باللغة العربية تعلن مقتل أنيس صايغ الذي يتولي تدريب الإرهابيين الفلسطينيين في أوروبا علي القتال في فلسطين.لم أمت. وكذّبت المذيعة الإسرائيلية مثلما صرفت حياتي كلها أحاول أن أكذّب المزاعم والادعاءات الإسرائيلية والصهيونية. وبعد علاجات طبية مضنية وطويلة، أظهر فيها الجرّاحون في مستشفي الجامعة، وآخرون في لندن، منتهي براعتهم، فأعادوا إليّ نسبة قليلة جداً من النظر، ونسبة أفضل قليلاً من السمع بأذن واحدة فقط، و رمّموا الوجه والكتف واليد المصابة كلها بالحروق والتشويه والبتر. هذا مع عجز الأطباء في معالجة نوعين من الإصابات في إعادة حاسة الشم كاملة، وفي القضاء علي الطنين المتواصل في الأذنين. وإن كان فقدان الشم لا يضايقني كثيراً واعتدت عليه وعلي العيش معه، فإن الطنين الذي لا ينقطع لحظة واحدة، والذي يبدو أنه كتب عليّ أن أعيش معه مدي الحياة، أمر مرهق يحطم الأعصاب. ولا شك أن المصاب به يحتاج إلي قوة خارقة لتحمله.البقاء صامداتجسّد هذا العزم بالصمود بالقرار الذي أخذته بالاستمرار في عملي كمدير عام لمركز الأبحاث بعد أن كنت قد قررت الاستقالة ورشحت نفسي رئيساً لمعهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة. ولم يقلل من عزمي علي الصمود والاستمرار تلك التهديدات والتحذيرات التي بقيت أتلقاها من العدو مباشرة أو إنذارات من أجهزة مخابرات الفصائل لعدة سنوات. وما أكثر الليالي التي اضطررت فيها وزوجتي إلي مغادرة المنزل بسرعة واللجوء إلي مخابئ وأماكن أكثر أمناً عند وصول تحذير طارئ مفاجئ حتي ولو حصل ذلك في منتصف الليل.أطلعت رئيس منظمة التحرير علي قراري بسحب استقالتي مضيفاً علينا يا أبا عمار أن يتحمل أحدنا الآخر. لا أريد أن تظن إسرائيل أني هربت من المعركة خوفاً من إرهابها. وكان عرفات عند حصول الاعتداء في موسكو. وإثر عودته زارني وأطلعني علي تقارير توصل إليها من المخابرات السوفياتية والفلسطينية، كما قال، تشير إلي أن الاعتداء تم، تدبيراً وتخطيطاً وإعداداً وتنفيذاً، بإشراف لجنة أمنية مشتركة بين إسرائيل ودولة عربية. لكني أميل شخصياً إلي اتهام إسرائيل وحدها، بالرغم من تمسك بعض العارفين حتي اليوم بأن مخابرات عربية شاركت في اقتراف الجريمة. لا أبرئ ذلك القطر العربي ولكني لن أتهمه. فإسرائيل هي العدو الأكبر لي ولأمتي العربية. وأشير هنا إلي أن السلطات اللبنانية لم تجرِ تحقيقاً فعلياً بالموضوع واكتفت بتحقيق شكلي دام بضع دقائق فقط في اليوم التالي لحصول الاعتداء. التحقيق الوحيد الذي جري بشكل جدي نوعاً ما هو الذي أجراه مسؤول كبير في المخابرات السورية آنذاك، جبرائيل البيطار، الذي اهتم بالموضوع وحاول التحري عن الفاعلين.وواصلنا تحدي العدو. وكان الصمود ومتابعة المسيرة هو الرد الأقوي علي المحاولات الإرهابية. ولو لم يكن عملنا يخيف العدو ويؤذيه مباشرة لما كان حرصه علي إلغائنا نحن أكثر من سائر الدوائر والمؤسسات والهيئات الفلسطينية التي أعلنت الحرب علي إسرائيل بمجرد قيامها وبقائها. وهكذا كنا في المركز ننظر إلي الاعتداءات كأوسمة شرف وكاعتراف من العدو بأننا نهدد وجوده. كنا نؤمن دوماً بأن المعركة الثقافية مع العدو هي من صميم الحرب وهي من أمضي الأسلحة لأنها هي التي ترشد الأسلحة الأخري وتعزز قوتها. ومن اللافت للنظر أن أول محاولتي اعتداء قام بهما الإرهاب الإسرائيلي بعد محاولة قتلي في 19/7/1972 إنما استهدفتا اثنين من المرتبطين مع المركز سابقاً كباحثين غير متفرغين، وهما بسام أبو شريف وشريف الحسيني. ويمكن النظر إلي المحاولتين كجزء من حرب العدو مع المركز. وبعد سبع سنوات قام العدو بمحاولة قتل زميل ثالث من كبار باحثي المركز سابقاً هاني الهندي في قبرص. وقد أصيب إصابات بالغة. كما قام العدو باغتيال اثنين من مراسلي المركز والمجلة في أوروبا الغربية محمود الهمشري في فرنسا ونعيم خضر في بلجيكا. وبالرغم من أن المركز دخل مرحلة الاحتضار أواخر السبعينيات، بعد أن استقلت ثم استقال الشاعر محمود درويش الذي سلمته المسؤولية من بعدي (1977) لكنه لم يتحمل الأوضاع المهترئة التي حلّت بالمركز، ظل المركز علي قائمة إسرائيل السوداء، فسلب رجال مخابراتها أكثر من نصف محتويات المكتبة وكل الوثائق حينما احتلوا المركز خلال اجتياحهم بيروت صيف 1982 كما قام الجنود الإسرائيليون بتدنيس المركز وتحطيم أثاثه ومحتوياته وتلطيخ جدرانه وكتابة كلمات بذيئة عليها. وهو دليل حقدهم وتضايقهم. ثم نسف الإرهابيون مبني المركز بعد ستة أشهر وأنهوا وجوده في لبنان في الرابع من شباط (فبراير) 1983 ، وألغوه عملياً بالرغم من محاولات شكلية وغير مجدية لنقله إلي عواصم أخري. وقد قتلت في عملية التفجير إحدي الباحثات، حنة شاهين، وأصيب آخرون إصابات بالغة. وهكذا تكون قافلة شهداء المركز، الأموات والأحياء، تبلغ العشرة من النساء والرجال سقطوا في اثنتي عشرة سنة فقط واحداً تلو الآخر.7