أنيس صايغ

حجم الخط
0

أنيس صايغ

رشاد أبوشاور ، وأكتب اسمه هكذا بدون صفته الأكاديميّة، لأنه ينفر من الألقاب، واحد من الرموز الفلسطينيّة العربيّة الكبيرة، فكراً، بحثاً، تأريخاً، بناء مؤسسات، ولذا فصدور (سيرته) حدث كبير، لأنها تجربة وشهادة إنسان كبير.ونحن نمشي ببطء بين أجنحة معرض كتاب (المعارف الإسلاميّة)، في ضاحية بيروت الجنوبيّة، متجهين إلي قاعة التكريم، يوم الأحد 7 أيّار من هذا العام، في اليوم الذي خصصه القائمون علي المعرض لفلسطين، همس لي وهو يبذل جهداً بالتحديق في الكتب المعروضة علي الأرفف محاولاً قراءة عناوينها:ـ أكثر ما يؤلمني أنني لم أعد أقدر علي القراءة…في نفس اليوم كانت مفاجأة طيبّة تنتظر جمهور المعرض، وهي صدور كتاب (أنيس صايغ عن أنيس صايغ) عن منشورات رياض الريّس، في طبعة أنيقة. الغلاف مزيّن برسم معبّر بريشة الفنّان حسن إدلبي لأنيس صايغ: يمينه تمسك بريشة، وتتكئ علي رّف من المجلّدات… المقدمة الطريفة التي تنّم عن تواضع، وروح مرحة، ستفاجئ القارئ الذي عرف هذا المفكر جّاداً، حازماً، قليل الكلام، هو الذي جعل الكلام معرفة، وعلماً، وأسّس طيلة سنوات قيادته لمركز الأبحاث الفلسطيني، وشؤون فلسطينيّة، والموسوعة الفلسطينيّة، لعقل بحثي علمي رصين…يكتب في المقدمّة ساخراً: لم يجد من يكتب عنه، فكتب عن نفسه، هذا ما قد يقوله بعض الساخرين، وربّما معهم حّق…ثمّ يتساءل: لماذا يكتب عن إنسان مثلي؟هل يتوقّع القرّاء العرب مثل هذا السؤال من أنيس صايغ؟! يبرّر المعلّم أنيس صايغ الكتابة عن شخصيّات هامة في المجتمع، غيره: لم أقطع بحر المانش سباحةً، ولم أهبط علي سطح القمر، ولا تسلّقت قمّة إفرست، ولا فــــــزت في ملاكمة أو مصارعة، ولم أحصل علي (أوسكار) أو (نوبل)، أو (بوليتزر)، ولا أمــــلك ثروةً تغري الملايين، ولا صوتاً يطرب الملايين، ولم أســــط علي حكم ولا مصرف، ولم أخرج في حياتي العمليّة التي تجاوزت الخمســـين سنة عن دائرتين ضيقتين سجنت نفسي فيهما اهتماماً وتفكــيراً، هوايةً وعملاً…خمسون عاماً وأنيس صايغ يمنح طاقته العقليّة لأمته، لفلسطين، للوحدة العربيّة، للمقاومة والتحرير، يرعي ويوجّه عشرات الباحثين في مركز الأبحاث، يبني مجلاّت ناجحة (شؤون فلسطينيّة، شؤون عربيّة…)، يكتب الدراسات والأبحاث التاريخيّة، يتعرّض ثلاث مرّات للاغتيال من الصهاينة المجرمين لإدراكهم خطورة دوره، فيفقد بعض أصابعه، والكثير من ضياء عينيه، ومع ذلك فهو يشعر بالحرج لأنه يكتب سيرة خمسين سنةً كان فيها مؤسسة في فرد، فما زال يؤدّي رسالته رغم ما أحدثته جريمة الصهاينة في جسده، وهو يعتمد في القراءة علي رفيقة عمره الأكاديميّة والباحثة السيّدة هيلدا شعبان صايغ، التي هي خير سند.لماّ ولد الطفل السابع لعبد الله وعفيفة، رغب الأب بتسميته (بنيامين)، لكنّ الأم رفضت هذا الاسم: أسماء أبنائنا عربيّة كلّها، فلماذا نخرج اليوم علي هذه القاعدة؟! المولود: أنيس تاريخ الولادة: الثلاثاء 3/11/1931أنيس هو آخر العنقود، وفد إلي الدنيا رغم تحذيرات الطبيب للأب والأم، لأن حمل الأم قد يهدد حياتها، لضعف جسدها…لا يعود الدكتور أنيس إلي شجرة العائلة، في محاولة ادعّاء العراقة، فهو يرفض هذه العنعنات، وهو يشارك الشاعر العربي المعتّد بعمله وفعله:لا تقل أصلي وفصلي إنما أصل الفتي ما قد حصل يتنقّل بنا المعلّم أنيس صايغ في بلاد الشام، فأصل الأب سوري من قرية (خربا) في حوران، والأم من (البترون) لبنان، والأبناء فلسطينيّون، والتزاوج بين الأبناء وقع مع زوجات فلسطينيّات، سوريّات، لبنانيات وأردنيّات ـ زوجة الدكتور أنيس ورفيقة عمره السيّدة هيلدا أردنيّة من السلط ـ وحتي أجنبيات…في كنف أب يخدم الكنيسة بتقشّف، بصدق، بإخلاص، باحترام، بولاء للعروبة، وبرفض للانتداب البريطاني، بعدم تفريق بين الناس بسبب الملّة، أو الطائفة، ولكن بصدق المعاملة، والسلوك، وبساطة الحياة، والتآخي مع الجميع دون مماراة، نشأ أنيس وأخوته وأختهم الوحيدة علي تربية صادقة، منظّمة، عميقة الإنسانيّة…بذرة الكتابة في عائلة صايغ غرسها الأب رجل الدين الإنجيلي، الذي يكتب عنه إبنه أنيس: كان الوالد مثقفاً ثقافةً لاهوتيّةً وعّامةً واسعةً، ونشر حوالي العشرة من الكتب في المواضيع الدينيّة، وكان كثير المطالعة. (27).كرئيس لمركز الأبحاث، ومؤسس لسلسلة مجلاّت ناجحة، احتاج أنيس إلي شخصيّة الإداري الصارم في العمل، وهذا يعود إلي بدايات حياته في الأسرة التي نشأ فيها مستقّل الشخصيّة، منضبطاً، صادقاً مع النفس والآخرين…في الكتاب يكشف خلفيات انتماء الأشقاء صايغ للحزب القومي السوري، وبلوغ الأخ فايز مرتبة رفيعة وهو في مقتبل الشباب، وقربه من المؤسس الكبير أنطون سعادة، ويطلعنا علي تفاصيل دخوله الحزب، ثمّ مغادرته صفوف الحزب بعد بروز الناصريّة…لا يخفي الدكتور أنيس احترامه لمؤسس منظمة التحرير الفلسطينيّة وبانيها، الأستاذ أحمد الشقيري، الذي دعمه في تسلّم قيادة مركز الأبحاث بعد شقيقه، ووضع أسس الموسوعة، والتحضير لمجلّة شؤون فلسطينيّة، وحرصه علي متابعة أحوال المركز بعد استقالته من رئاسة المنظمة… الرئيس جمال عبد الناصر كان علي صلة دائمة بالمركز، يستفسر عن إصدارته، ويطلب إجابات عن أسئلة، وبلغ به الأمر أن عيّن مندوباً مقيماً في بيروت ليكون صلة وصل بينه وبين المركز، وللعناية بأمن الدكتور أنيس والمركز…الفصل الأكثر مرارة فعلاً هو الذي يحمل العنوان (في العلاقة مع السيّد ياسر عرفات)، والذي بالتجربة يبرهن علي استحالة نشوء علاقة صحيّة مثمرة بين سياسي فرد حرص دائماً علي تبعية الآخرين وولائهم، ومثقّف حّر معتّد بعلمه ودوره ورسالته، يحترم نفسه ولا يقدّم تنازلات…في سيرة أنيس صايغ نقرأ فصولاً من سيرة الحركة السياسيّة، والفكريّة العربيّة المعاصرة…أنيس صايغ معلّم وأستاذ تتلمذ عليه كثيرون، أنتج بعد محاولة اغتياله عام 72 أكثر بكثير مّما أنتج قبل ذلك، وفي هذا تحد لمشيئة الصهاينة، فهو رغم كل ما لحق بجسده، فاعل في الحياة الفلسطينيّة والعربيّة، هو المفكّر والمؤرّخ، المؤسّسة، الوطني والقومي الكبير الذي ينظر دائماً إلي المستقبل، إلي فلسطين ووحدة وعزّة العرب، ولا يحيد عن درب اختاره… 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية