أن تكون…. أنت!!!!

حجم الخط
0

خيري منصور

عندما طلب مني في مهرجان لوديف لشعراء المتوسط ان أتحدث تحت عنوان ان تكون فلسطينيا، خطر ببالي علي الفور ان بعض الاسئلة تستدعي نقيضها، فكان عليّ ان أسأل بدوري: ما معني ان لا تكون فلسطينيا؟ وكان لا بد من الانتهاء الي الصّيغة الحاسمة في كل سياق كهذا، وهو ما معني ان تكون أنت، وبالتالي ما معــــني ان يكــون المرء نفسه وليس سواه؟

كان حفيف الزيتون وحده ما لا يقبل الترجمة في ذلك المساء، فيما كانت الكلاب تصغي الي صوت آخر، اما الحمائم فهي كالعادة تهدل وهي واثقة بأن السكين لن تقترب منها. ان جغرفة الثقافة ومنها الشعر هي بمثابة اختزال ييسر للناقد مهمته، وقد ينتفع منه الشاعر أيضا اذا كان قد قرّر منذ البداية ان يحول الغابة الي حديقة، والحديقة الي شجرة!

وبالرغم من اقرارنا بأن الانسان يولد مشروطا ومحاصرا بأقواس، فالأسود يولد أسود لكنه مطالب بأن يجيب عن ذلك السؤال الذي طرحه سارتر وهو يكتب عن سنغور وسيزير وهو: ما الذي يفعله الأسود بسواده؟

هل يقعي علي الرصيف لمسح الاحذية البيضاء ام يتحول الي رسول بليغ؟ مثلما فعل جيمس بالدوين علي سبيل المثال… كنت أعرف ان شعار مهرجان المتوسط سوف يتيح لشعراء اسرائيليين المشاركة، لهذا لم يفاجئني سؤال فرنسي عن كون الشّعر تجاوزا للتاريخ، حين سئلت عن مدي تقبلي كعربي لحوار مع شعراء اسرائيليين، سرعان ما وجدت نفسي أرفض هذا الحوار، سواء بشكل مباشر او غير مباشر، لكن ليس علي الطريقة العربية التقليدية التي تحذف الفارق بين الممانعة والفرار، لهذا أجبت علي السؤال بأن الشاعر الاسرائيلي لا يزال ينام في سريري، وشعره الذي كتبه كان علي دفتري المدرسي المسروق. اما الفرنسيون الذين عوّلوا علي الشعر أكثر من التاريخ، وراهنوا علي تجاوزه للجغرافيا، فقد كان عليّ أن أعيد اليهم السؤال بصيغة أخري، خصوصا وأن من بينهم رجالاً ونساء تجاوزوا السبعين، ومعني هذا انهم عايشوا الاحتلال النازي لبلادهم، وعرفوا كلمة السرّ بل مفتاحه في هذا الدرس البليغ.

قلت لهم ان جمهورية الصمت التي دامت أربع سنوات، كانت كلمة فرنسا فيها محرّمة، ويكفي لأحدهم أن ينطق بها او يكتبها علي جدار حتي يموت…. في بلادي تكلف كتابة اسم فلسطين صاحبها حياته، ويدفع حتي الجدار الثمن وليس نسف البيوت الا العقاب الذي قرره الاحتلال لمن يجازف بأن يجهر بهويته الجريحة… لقد كان لدي اعتقاد شبه دائم بأن المقاومة ليست عناوين كبري، او اوراقاً من فئة الالف دولار كما كان همنغواي يسمي الشعارات الممنوعة من الصّرف، لهذا عبّر اسكافي فرنسي عن رفضه لاحتلال الجزائر بأن امتنع عن اصلاح احذية الجنود!

اما الشاعر فإنه يقاوم حتي في زمن السّلم، وحين تداعب الافعي العصفور ولا تؤذيه، مقاومته هي ضد صدأ اللغة وتعفّنها وهذا ما عبّر عنه مالارميه عندما طالب الشعراء بتمحيص لغة القبيلة.

ان مقاومة الشعر مزدوجة، فهي ضدّ الصدأ سواء تسلل الي المعاجم او القلوب، وضد الظلم علي اختلاف مصادره… لكن الفن الرديء قد يسيء الي القضية العادلة التي يحتج لها ويصبح احتجاجا عليها، وهذا ما تواطأ عليه نقد كسول، ومناهج اتباعية تؤثر السّلامة علي المغامرة والكشف.

ہ ہ ہان شاعرا يحتل سريرك مثلما يحتل طفله مهد طفلك، وكتب شعره علي دفترك المسروق، لا يمكن له أن يكون الشريك في هذه الرقصة، لأن الموسيقي الصاخبة قادمة من دبابة تجر وراءها جرافة، بحيث يصبح اللحم البشري الحيّ وما يطفو علي الارض من رميم الموتي وجثث الأشجار فضيحة عصر لا بد من اعلانها وتسميتها باسمها الوحيد وهو الاحتلال!! ہ ہ ہالفرنسيون الذين قالوا ذات جرح وطني ان ما هو ليس واضحا ليس فرنسيا يذكرون الفتي فيركور، والمقاومة بالصمت المشحون بما تعجز عنه كل اللغات لأنه صمت بليغ، تمتنع فيه الضحية عن تبادل الانخاب مع جلادها في رقصة تانغو يخفي فيها أحد الراقصين سكينا تحت حزامه، ذلك لأن الكأس من دمها، ويذكر الفرنسيون أيضا تلك الرسائل التي تبادلها البير كامو مع صديق ألماني، والتي لخّصت معني المقاومة، والامتناع الواعي عن صداقة غير متكافئة، كما يذكرون أياما لم يجدوا فيها ما يزهون به علي المحتل غير رفوف الكتب التي يشع منها ديكارت وفولتير وروسو وسائر السلالة!

ان تكون عربيا او فلسطينيا هو ان تكون أنت اولا، لأن المسألة ليست تقمصا او حُلولا، واحيانا تتولي القشعريرة لا اللغة الاجابة عن سؤال ذي صلة بالهوية، وبالكبرياء الوطني الجريح.

ہ ہ ہقالت لي سيدة في العقد الثامن من العمر انها تعلمت الحرية من الاحتلال، تماما كما تعلّم أحد أبرز مثقفيها الاشتراكية من الفقر وليس من كارل ماركس، وأضافت، ان كلمة فلسطين الان هي مصطلح تاريخي ومعرفي وليس اسما في الجغرافيا فقط، لأنها تختبر منسوب الوعي والعدالة والاخلاق، وتوشك ان تصبح اسما حركيا للممانعة علي صعيد كوني!

والسلام ليس كبسولة محشوة بمضادات الحرية والعدالة كما يبشر به العاطلون عن أنفسهم وعن تاريخهم وأوطانهم، انه لحظة اعتذار، يقدم فيها المنتصر سيفه للمهزوم علي الطريقة الاغريقية التي زاوجت بين التاريخ والاسطورة، ولا يمكن للشعر ان يكون أجيرا لدي امبراطورية او كيان اسبارطي بحيث يقبل الأمر الواقع ويتأقلم معه وبالتالي يخون ذاكرته ورهانه الاخلاقي، ولا أدري لماذا يطالب الشاعر احيانا بما يطالب به جنرال يعاني من البطالة والفراغ بعد أيام القتال؟ فالشعر تاريخ ايضا وله جذور في عمق التراب حتي لو حلّق الي ما بعد السّماء!! ہ ہ ہأن تكون أنت… تلك هي المسألة وهذا ليس تلاعبا حديثا بالمقولة الشكسبيرية، بقدر ما هو اعتراف بأن الانسان الذي لا ينسجم مع نفسه، ولا يتصالح معها، هو كائن مقذوف الي أقصي المنفي حتي لو لم يدرك ذلك، فالعربي ليس ذلك الشخص الذي يتدرب لكي يتقمّص حالة وجودية، انه كما هو، تماما كما قال روبغرييه ذات حوار عن الرواية الجديدة او اللارواية، فقد قال انها كما هي، ومن يريد تعريفها عليه ان يبدأ منها وينتهي بها!

والشّعر ليس منطقة محررة من جاذبية التاريخ والجغرافيا والسياسة بحيث يصحّ للمشتغلين به ما لا يصحّ لسواهم، وقد يكون العكس هو الأصح، لأن هذه المهنة تضاعف الشعور بالعبء، وتملي علي الشاهد أن يذهب الي تخوم الشهادة… ومن ثم الاستشهاد.. فالشاعر يدرك ثقل حمولته، خصوصا اذا كان قادما للتو من أرضٍ تئن تحت الجنازير ومن تراب تبعثرت احشاؤه.

ہ ہ ہيروي عن شاعر اسرائيلي أنه قال بأن دولته تشترط للانسحاب من الجولان ان يتعهد السوريون برعاية الحيوانات الآمنة التي تعيش في الهضبة، ولو صحّ ذلك فإن الشعر يصبح عربة ملحقة بدبابة، لأن من لا يستوقفه صراخ طفل رضيع يذبح بالقرب من أمه وأحيانا في حضنها عليه ان ينصرف عن هذه الرومانسية الكاذبة، ولا مجال لتقبّل مقولات انسانوية بمعزل عن سلوك وحشي، فالشعر ليس الملعب المثالي لممارسة هذه الحفلة التنكرية، او لا تقارن بشيزوفرينيا يراد لها ان تؤاخي بين الثعلب والحمامة والمهد والتابوت!

ان من يكون نفسه، هو الأجدر باعلان انتسابه الي لغة او قوم او تاريخ، لأنه عندئذ يمحو المسافة بينه وبينه.

واذا كانت الاسئلة تستدعي احيانا نقائضها، فإن من لا يصغي الي أنين حمامة في غابة نائية كما قال لوركا عليه ان يتحالف مع الصيّاد ويحشو قلمه في فوهة بندقيته!

وان المرء ليعجب من أطروحات متأنقة وانسانوية تدافع عن السّارق وتدين المَسروق… ورغم ان الشعر يتسع للفراشة والاسد كما قالت اديث ستويل، ويزاوج بين الاضداد.. الا ان الشاعر الذي نام في سريري وسرق دفتري وصمت عن قتل اهلي… ستبقي قصيدته ملحقة باحدي الثكنات!!! ہ شاعر وكاتب من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية