«أن تكون في الزمان» لجلعاد عتصمون: خطيئة الصهيونية وأمل اليسار المفقود

قد يتساءل القارئ لكتاب جلعاد عتصمون المعنون بـ «أن تكون في الزمان» الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وترجمة صالح الكميثي، عن أهمية العنوان في هذا الكتاب الذي يعالج الكثير من المواضيع العالقة في ذهن التاريخ قبل الأجيال، خاصة في عالم ما بعد السياسة وتقليص الإنسانية، وان هاجم في الكثير من تفاصيل الكتاب الصهيونية شارحا اليهودية القديمة والتحولات الثقافية والأيديولوجية» التي كان من المفترض أن تحررنا، ولكنها في النهاية أدت بنا إلى العكس تماما، يبحث جلعاد عتصمـــون عن العقل الناقد لليمين واليسار السياسيين معولا على اليسار، الشيء اليسير من الأمل في الالتزام بالأخلاق ونشر العدالة، وإن كان الأمل ضعيفا جداً، إلا أنه يعبر من الكينونة والزمان إلى الصحوة والاجتهاد، وببحث معمق في السياسة الأيديولوجية اليهودية والتعرف على استراتيجياتها. ذلك رغم ابتعاد إسرائيل كثيراً عن السلام، أو بالأحرى عن الحكمة الإنسانية التي من شأنها محو الظلمة القمعية التي نشأت من الممارسات الصهيونية المحاطة بقيود شعب الله المختار، وبمفاهيم حقهم في أرض فلسطين المحتلة التي يعتبرونها أرض إسرائيل. فهل امتلكوا صك ملكية إلهي يدخلون به العصر اليهودي الجديد؟

أن تكون في الزمان ليس هو العلاج لأمراض بشرية، إنما هو رؤية يقدمها جلعاد للتخفيف من القلق المدمر، ولمحو المخاوف الناتجة عن فكرة مرتبطة بالصهيونية العالمية.

التعايش والتاريخ
قوة التعايش تحتاج للحفاظ على ما نؤمن به، بدون إظهار العداء لبعضنا بعضا، ولكن هل تنفع هذه المقولة أمام التاريخ الذي زحف على الأجيال بمفارقات ثنائية ليهودية معادية للسامية وأخرى غير معادية، وإسرائيلية متطرفة قادرة على طمس كل نقد لقوتها والفصل بينهما بات كمن يكسر مرآة الإنسانية ويجمعها ليرى اللوبيات اليهودية، وإن بدا كتاب جلعاد عتصمون مؤمنا باليهودية كافرا بإسرائيلية الفكر الصهيوني، دارسا للعقيدة اليسارية التقليدية وشارحاً لها مطالبا بالعدالة الاجتماعية « اليسار يسمو إلى المساواة بينما اليمين يؤصل الفروقات الإنسانية وتعدد المستويات، وليس فقط يقبل بالتفاوت، بل يعتبره جزءاً من الحالة الإنسانية ومكونا طبيعيا للعالم . فكيف يمكن أن نزيل الغموض عن مكونين من شعوب أصلية وشعوب غير أصلية في يقين صهيوني يميل إلى التفاضل وإظهار القوة والبطش في كل شيء فهل معنى أن تكون في الأزمات هو ماذا يجب أن يكون وماذا يمكن أن تكون في الأزمات؟ يبدو أن تساؤلات عتصمون الكثيرة في الكتاب يلفها انتقاد للحلم اليساري والمساواة المنفصلة عن «الواقع الهالك بالاستغلال والاضطهاد» فما هو بيان ما بعد السياسة في كتاب أن تكون في الزمان؟ هل هو انعكاس لحالة الإنسان واللاوعي؟ أم حالة عصر ما بعد السياسة؟
فقط يهودية
عندما يقول نحن في الغرب، هل يعني ذلك أنه يخصص بذلك لوجود منقسم على ذاته؟ أم أنها الهوية الاستهلاكية التي يظهرها ويتطهر منها بانتقادها النقد البناء، أو النقد الذي يظهر ملامح كل من المسارين اليمين واليسار، والفرق بينهما الذي جعله بلا معنى بعد حرب العراق والمقبل أسوأ. وبتفكيك لهويات متعددة أراد تفصيلها وشرحها، ليخرجها إلى النور فيكون قادرا على خلق الاهتمام بالمواضيع التي يطرحها في هذا الكتاب المصفح بنفي الإسرائيلية والصهيونية والقبول باليهودية، بدون التخلي عن تسليط الضوء على الفاشية وتجاوزها للحقيقة «للربط بين السياسي والعمق الإنساني بواسطة شاعرية جمالية وإرادية وحتى غير عقلانية» التي في رأيه كانت محكومة بالفشل من أجل ذلك. فهل يمارس الفكر الصهيوني سياسة الضد مع كل مضى وكل ما هو حاضر وآت؟
يفاجأ القارئ في كتاب جلعاد بدراسة بعض الروايات والأفلام، واستخراج أهم الرموز منها، واستعراضها بأسلوب يثير الأجوبة ولا يفك الغموض فقط، بل يجعل القارئ يستعرض التاريخ الروائي والسينمائي والشيفرات السياسية الموجهة بدقة وحرفية تابعها جلعاد بمهنية فك الألغاز أو التحقيق المبني على فك الرموز ودلائلها، ونسف اليقينيات في الكثير من أفكار فرويد وللكثير من النظريات الاشتراكية الثورية، خاصة انتقاده مسلسل «كله في العائلة» الذي نجح في دفع «الأجندة الليبرالية إلى كل غرفة جلوس في أمريكا» كتاب رغم الأسئلة الكثيرة التي يتركها للقارئ إلا أنه يدفع الذهن إلى اكتشاف الأجوبة بإثارة عواصف الدهشة التي لا تنتهي وهي قابلة للتجدد عند آخر جملة فيه، وبتحديات المعرفة الخاصة بالكثير من المسائل المعروفة كسلة البؤساء.

ما يحدث في العالم يجعلنا نربط الأحزمة ونحن نقرأ كتابه خوفا من اليأس الذي يغمر التحليلات.

أن تكون في الزمان ليس هو العلاج لأمراض بشرية، إنما هو رؤية يقدمها جلعاد للتخفيف من القلق المدمر، ولمحو المخاوف الناتجة عن فكرة مرتبطة بالصهيونية العالمية وغير المرتبطة بالفكر اليهودي الميال للسلام، ولكن ما يحدث في العالم يجعلنا نربط الأحزمة ونحن نقرأ كتابه خوفا من اليأس الذي يغمر التحليلات، وإن ظهر ضوء الأمل في الكثير من النقاط التحليلية التي قدمها لإظهار مزاجية الأطراف وفق استنتاجات لكل الطروحات التي ناقشها بهدوء منطقي. هذا لا يعني أنه تعمد تنشيط النظرة الفلسفية «كمنتج وطني وشمولي يعكس رؤية تعبر عن إرادة الشعب» ما يجعلنا نغوص معه أكثر في الاضطهاد المؤسسي المعقد، وبصوابية إطلاق سهمه نحو الصواب السياسي أو التعريف المرتبط بالاستبداد الذي ميزه بالرفض لكيان منفصل، ما يجعلنا في حالة من برمجة عصبية مؤداها تدخله في «الرابط الفعلي بين الموضوع والهدف» وما ترمز إليه أثينا والقدس هو بمثابة الجسد والروح، وما بينهما من غموض يفتح جدلية الصوابية والانحراف والخيال والوهم والحقيقة، مخترقا رواية جورج اوريل والهوس المغالي بما يجب أن يكون فاتحا رواية «الأخ الأكبر» بتحليل اللغة الجديدة المشتقة من الاستثناء التوحيدي اليهودي «الشخص الذي ينمو مع اللغة الجديدة كلغته الوحيدة، لا يمكنه أن يعرف أكثر أو يعرف أن مساويا كان له معنى مرادف مساو سياسيا، أو أن )حرا( كانت في يوم تعني حرا فكريا» فهل أن تكون في الزمان هي أن تكون في العلم منفتحاً على لغة الانصهار الإنساني في مواجهة سياسة الهويات، أي التجانس بين اليسار واليمين أو سياسة فرق تسد؟

٭ كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية