أهداف أمريكا المعلنة غير المتحققة وأهدافها الخفية التي تحققت

حجم الخط
0

صباح علي الشاهر

ليست الفوضي التي نعيشها من صنع المحتل فقط، بل لقد أسهمنا نحن فيها، بهذا القدر أو ذاك، عن قصد حيناً، وعن غفلة أحيان كثيرة. أرادوها فوضي خلاقة، فوضي كليّة بالنسبة لنا، وخلاقة بالنسبة لهم، تبيح لهم تحقيق ما أرادوه، ومن ضمن ما أرادوه التغلغل في نسيجنا الإجتماعي، بعد تمزيقه وتشظيه، وتغيير أولوياتنا. هل نجحوا في هذا المسعي؟ نحتاج إلي قدر كبير من الغفلة لنزعم أنهم لم ينجحوا، أو لم ينجحوا إلي مدي بعيد. من يتصور أنهم فشلوا لأنهم جاؤوا للبحث عن أسلحة الدمار الشامل، التي لم يجدوها. يكون هو واحداً ممن بلعوا الطعم، فوحدهم الذين يملكون سذاجة لا يحسدون عليها ـ إذا أحسنا الظن بنواياهم ـ هم غير العارفين وغير المتأكدين منذ البدء أن مثل هذه الأسلحة لم تكن موجودة، ولم يكن بالإمكان أن تكون موجودة، بعد إستباحة العراق أرضاً وسماء لأكثر من عقد من الزمن، ومن كان لديه جزء من الشك، كان عليه أن يتيقن من عدم وجودها، ومن معرفة الأمريكان بعدم وجودها عندما شن برابرة العصر الجديد حربهم القذرة. هل يحتاج أمر كهذا إلي توضيح؟! يمكن القول أن الأمريكان لو كان عندهم ولو مجرد شك بوجود أسلحة دمار شامل، لما كانوا شنوا الحرب أبداً. أسلحة الدمار لم تكن موجودة، والأمريكان يعرفون أنها لم تكن موجودة، لأنهم أنهوها وفككوها بأيديهم، وبالتالي لم تشن الحرب للعثور علي مثل هذه الأسلحة، ومن ثم لا يوجد فشل في هذا الجانب. ومن رًوّج لهذا الزعم في حينه، عراقياً كان، أم عربيا، أم أجنبياً، فانه مُحاسب أمام ضميره أن كان حسن النية، وهو مُساهم في التمهيد للمحرقة العراقية إن لم يكن كذلك، وعليه فإن بذمته ديناً يجب أن يوفيه اتجاه الشعب العراقي، والوطن العراقي، وعليه أن يكفّر عن هذه السيئة التي تجاوزت كل السيئات بالنسبة للعراق أرضاً وشعباً ومصيراً. العراق طالب وليس مطلوبا، دائن وليس مديونا، نقول هذا علي هامش ما يُزعم من مديونية العراق لبعض الدول، وسيكون لنا كلام حول هذا الوضوع في حينه. نزعم أن المحتل الذي سيُرغم آجلاً أم عاجلاً علي مغادرة العراق منهزماً، مندحراً، مذموماً، لم ينهزم بعد. ليس علي صعيد الوضع العسكري، الذي يشهد في كل يوم نكسات وهزائم من العيار الثقيل لأقوي جيش في العالم، وإنما علي صعيد الأهداف الحقيقة التي شنت من أجلها الحرب، وهي قطعاً ليست الأهداف المعلنة إعلامياً وعلنياً. واحدة من أكثر الأسباب سخفاُ، وأكثرها بعداً عن الأهداف الحقيقية للحرب، الزعم بأن الأمريكان أرادوا أن يجعلوا من العراق مثالاً يُقتدي به في المنطقة، وأنهم سيعززون الديمقراطية، ويؤكدون جدارة النموذج الأمريكي، وبالتالي الحضارة الأمريكية بالتسيّد في منطقة عُرفت بالإستبداد، والنظم الشمولية المتخلفة. من يقول هذا القول ينسي أو يتناسي، أن قرار الحرب في أمريكا ليس قراراً أمريكياً فقط، وأهدافه ليست كلها لمصلحة أمريكا، وإنما تتقدم عليها مصلحة أخري، لم يبخل القادة الأمريكان في التعبير عنها مراراً وتكراراً، ولحد اللجاجة، ألا وهي أمن وسلامة إسرائيل، وضمان تفوقها علي محيطها، وبالأخص المحيط المعادي لها، وهو متمثل أساساً في فلسطين وسورية والعراق وإيران، وهي الدول المارقة، التي لم تأت لبيت الطاعة الأمريكي الإسرائيلي، فهل من مصلحة إسرائيل بناء عراق قوي، ديمقراطي، يكون نموذجاً في المنطقة؟ وإذا كان العراق نموذج أمريكا في المنطقة، فماذا يكون موقع إسرائيل؟!

سنتجاوز هذا السبب السخيف، الذي يُذكر في الإعلام باصرار غريب، ونقدم السبب الواقعي الحقيقي لا المفترض، الملموس والبيّن، الذي عُمل عليه بجد وإبداع، ونُفذ بجد وابداع، ألا وهو إخراج العراق بلداً وشعبا من معادلة الصراع في المنطقة كلياً، ولأمد بعيد لا يعرف مداه إلا الله، بتدميره تدميراً كلياً، وتمزيق نسيجه الإجتماعي، وبذر بذور الفرقة التي سوف لن تبقي ولا تذر. هل ترانا بحاجة لإعادة شريط الفعل الإجرامي الهمجي منذ دخول المحتل بغداد؟ كان العراق بلداً.. نظامه ديكتاتوري نعم.. لكنه كان بلداً ينعم بالأمن رغم الحصار. كان التلاميذ يذهبون إلي المدارس، والعمال إلي المعامل. فيه جيش مهيوب، ولديه شرطة، وحرس، وقضاة، وقوانين، وحدود هي من أكثر حدود المنطقة ضبطاً وأمناً. كان في البلد نظام صحي يعمل بكفاءة رغم نقص الدواء والمعدات الطبية. أنا أتحدث عن العراق في ظل الحصار، فإذا ذهبت إلي ما قبل الحصار، فأني سأجد بلداً لديه أقوي جيش في المنطقة، تحسب له إسرائيل ألف حساب، جيش خرج من حرب دامت ثماني سنوات منتصراً. دشن علماؤه ومهندسوه مرحلة جدية، عدّت مفخرة للعقل العراقي في الصناعة العسكرية. العراق صنّع أواكس، والصواريخ، وحل معضلة التقاطع الصاروخي، متجاوزاً حتي الدول العظمي، وعمل علي المدفع العملاق الذي قيل انه يمكن أن يُستخدم لإطلاق الأقمارالصناعية، وقد أطلق البلد أقماراً صناعية للفضاء الخارجي من صنعه، وبدأ العراق يتعاقد لبيع السلاح المتطور لبعض الدول، بمليارات الدولارات ومنها البرازيل مثلاً. كانت هذه التطورات ترتكز علي أفضل منظومة تعليم في العالم الثالث، وقد أُعلن العراق بلداً خالياً من الأمية. كان في البلد أكثر من ثلاثين ألف عالم في كل الإختصاصات، ومنها الذرية، وكانت الثورة النفطية واعدة. ربما كان البلد يحتاج إلي بضع سنوات من الإستقرار والعمل الدؤوب في الإستكشاف لإعلان العراق البلد الأكثر غني والأول في العالم في إحتياطي النفط، ومن ثم في إنتاجه. كان البلد يتمتع بأمن قلَّ مثيله، وكانت معدلات الجريمة في أدني مستوياتها قياساً للبلدان المحيطة. وقيمة الدينار العراقي عالية، تساوي قيمة الدينار الكويتي تقريباً، ورغم ثقل الإجراءات الأمنية والبوليسية في بلد شمولي، يحكمه حزب واحد، فإن البلد لم يعرف القتل علي الهوية، ولا الصراعات الطائفية، ولا التفجيرات العشوائية الإجرامية. كان ابن الرمادي يعمل في كربلاء، وابن كربلاء يعمل في الفلوجة. وكان ابن الديوانية يعمل في الموصل، وابن الموصل يعمل في العمارة. كان البلد كله مفتوحاً لأبنائه كلهم. فماذا فعل الإحتلال بهذا العراق؟

كان أول مافعله أن أوعز باحراق كل المؤسسات والوزارات ماعدا وزارة النفط، وكل المؤسسات الصناعية والعلمية والبحثية، والإنتاجية، والمكتبات، والقصور، والمراكز الثقافية، وأوعز بنهب البنوك وإحراقها، ونهب المتاحف، وأباح تفكيك معسكرات الجيش ومصانعه، وبيعها خردة لبدان الجوار، بعد أن حل الجيش والشرطة وحرس الحدود والأمن والإستخبارات، وحلًّ الدولة كلها، وفتح أبواب العراق أمام كل نهّاب وقاتل محترف، وأمام عصابات لا يعرف أولها من آخرها، ثم دمرّ منظومة الكهرباء وفككها، ومنظومة الماء والصرف الصحي والإتصالات، والمواصلات، وكان قد دمر مصافي النفط كلها، ومعامل التكرير، وأتي حتي علي دور العجزة وذوي العاهات، ولم تسلم حتي مستشفيات الأمراض العقلية، حيث أصبح المجانين سائبين لا يعرفون ماذا يفعلون، وقيل ان أعداداً منهم لا تحصي قد ماتوا علي قارعات الطرق. وبعد أن أنجز هذا عمل علي تمزيق البلد طائفياً وأثنياً، عبر قوانينه وإجراءاته، ثم شرّع المحاصصة الطائفية والأثنية، وعمل بلا كلل علي إيقاد الفتنة الطائفية، وحرّك عملاءه وأتباعه من كلا الطائفتين برفع وتيرة السعار الطائفي، محاولاً تأبيده وتأصليه.

وخلال أربع سنوات هي عمر الإحتلال، تم القضاء علي ما يناهز المليون من البشر، وضعف هذا العدد من الجرحي والمعاقين، وأضاف الإحتلال لرصيد الأرامل مليون أرملة عراقية، ولرصيد الأيتام أكثر من مليون يتيم، وشرَد ما يناهز الأربعة ملايين إنسان خارج البلد، جلهم من المتعلمين، والذين هم عماد نهضة البلد ورقيه، وهجرّ مئات الآلاف من العراقيين من شتي الطوائف في أكبر هجرة داخلية لم يعرف العراق مثيلها في كل تاريخه، والعراق الذي كان بلداً خالياً من المخدرات، أصبح بلد المخدرات بكل أصنافها وأشكالها، واستشري بشكل مريع الإتجار بالمخدرات وتعاطيها والإدمان عليها، وتنوعت مافيات المخدرات التي أدخلت كل وسخ الدنيا إلي البلد لتجربه علي ناسه المحرومين من كل حماية ورعاية، وتدهور الوضع الصحي لمستويات لم تشهدها أفقر بلدان العالم، وانتشرت أنواع من الأمراض لم يعهدها العراق ولم يألفها من قبل، وعادت إلي الوجود أمراض تم القضاء عليها، وتقدم العراق قائمة الفساد في العالم بلا منافس، واصبح الفساد العراقي مضرب المثل، وتدهورت الاخلاق والقيم بشكل مريع، ونهبت ثروات الوطن. وبالإجمال أخرج العراق من معادلة الصراع في المنطقة، وإلي أمد غير منظور. واذا كانت أمريكا تفتقر لوجود عملاء لها في البلد، فإنها الآن قد زرعت أتباعها في كل مكان، في الجيش والشرطة، والأمن والإستخبارات، والوزارات، والمعاهد، والمجالس البلدية، والمنظمات الديمقراطية والمهنية، والإعلام، والمحاكم، وبين رجال الدين، وإذا كانت إسرائيل لا تحلم حتي بمجرد الوقوف علي مشارف البلد الذي اسمه العراق، فإنها الآن تتغلغل في أحشائه، وتجري مجري الدم في شرايينه، من شماله لجنوبه. هل نواصل تعداد ما تم فعله وعمله، أظن أننا سنثقل علي القاريء، لذا نكتفي بهذا القدر، وهذا القدر يبيح لنا أن نتساءل، هل فشلت أمريكا في تحقيق أهدافها الحقيقية، أم نجحت؟9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية