توفيق رباحي
عندي ضيوف من الجزائر. كلما حلت الثامنة مساء وكنا في البيت، يسارع أحدهم الى قبالة جهاز التلفزيون سائلا: ‘حطلنا الدزاير (الجزائر) كاين نشرة ضرك’. الثامنة هو موعد نشرة الأخبار، الموعد المقدس الذي ينتظره أهل الحكم ليشاهدوا أنفسهم حتى يتأكدوا بأنهم فعلا موجودون ويعملون ونافعون. وإذا حدث أن لم ير أحد نفسه أو نشاطه ذلك اليوم، وسوس له الوسواس الخنّاس أن ربما أقالوك! وهو الموعد المقدس الذي ينتظره عامة الجزائريين ليروا كيف يتم التدليس عليهم وتشويه الأخبار وتغييبها والتلاعب بها.
عندما اسأل ضيفي: ماذا تفعل بنشرة الأخبار في التلفزيون الجزائري وأنت قادم للتو من هناك؟ يقول: أشاهدها كي أرى كيف يتلاعبون بالأخبار ويمارسون علينا تضليلهم المعهود!
هذا رجل طيب وبسيط من ‘يا أيها الناس’ تجاوز منتصف العمر. لا هو معارض ولا عدو ولا ناقد تلفزيوني ولا صحافي ولا أستاذ ولا متعلم حتى. وبناءً عليه فهو لا يعرف تحميل الأشياء أكثر مما تحتمل، بل يتعامل معها بالسليقة والفطرة.
تنفست الصعداء وحمدت الله عندما سمعت من الرجل ذلك الحكم الصادق غير المسيّس. لقد طمأنني على نفسي، إذ بين الفينة والأخرى ينتابني إحساس بأنني ربما أغالي في انتقاداتي للتلفزيون الجزائري ومن ورائه هؤلاء الذين استولوا على البلد وعليه، أو ربما أنتظر منه أكثر مما يستطيع.
الأسبوع الماضي في الجزائر كان أسبوع الحرائق بكل معانيها. حرائق الحرارة الطبيعية التي ضربت البلاد عدة أيام وحرائق غضب الناس من تبعات هذه الحرائق، وبالخصوص انقطاع التيار الكهربائي عن البيوت ما يعني توقف المكيفات والبرادات عن العمل، ما يعني، استطرادا، أيها الجزائريون موتوا بالحر أو بالغم من تبعاته.. اختاروا.
خرج الناس في ولايات الجنوب الشرقي للبلاد الى الشوارع احتجاجا، وهي الولايات التي تصل فيها الحرارة في الأيام العادية من الصيف مستويات لا تطاق، ناهيك عن الموجات الاستثنائية والطارئة.
عندما خرج ‘السوافة’ (نسبة الى سكان ولاية وادي سوف) و’البساكرة’ (نسبة الى ولاية بسكرة)، فثق أن في الأمر خللا ما. ففي العادة سكان الصحراء هم الأطيب والأكثر صبرا وتحملا للظلم والمصائب حتى لو كانت انقطاعا في التيار الكهربائي في ذروة فصل الصيف.
بلد ينام على بحر من الثروات المعدنية يعجز مسؤولوه عن توفير الكهرباء للناس عندما يحتاجون إليها. في تلك المناطق بالذات لو تحفر بأناملك تستخرج نفطا وثروة ما تصلح لاستخراج طاقة كهربائية.
لا تصلني أخبار ‘السوافة’ و’البساكرة’ وغيرهم، شطارة، إنما بحكم هذه المهنة المقرفة التي ابتليت بها بما تفرضه عليّ من قراءة واستماع ومتابعة. يحدث هذا في النهار. وعندما أحوّل التلفزيون على المحطة الجزائرية كي يشاهد ضيفي نشرة الأخبار المعظمة، أجدها قد استنفرت كل مسؤولي شركة الكهرباء والغاز ليقولوا كلاما واحد بأكثر من طريقة: ‘الانقطاعات عادية بسبب ارتفاع الاستهلاك. نرجو من المواطنين التفهم وترشيد الاستهلاك. خلال أيام معدودات سنحل المشكلة’. وماذا يقول مسؤول صغير عليه تحمل خطايا الكبار؟ ثم تمضي النشرة الى أخبار أخرى.
بحكم العادة والتجربة تعلّم الجزائريون أن هذا النوع من الاهتمام الموضوعاتي غير بريء بل يشير الى أمور ما أو يخفي أشياء. وعندما يشاهدون وزير العدل يتكلم في نشرة الأخبار عن السجون وحسن معاملة المساجين، يشكّون أن محاولة فرار ربما حدثت في سجن ما. عندما يستضاف وزير الصحة ليتكلم عن رواتب الأطباء والنعيم الذي يرفلون فيه، يتوقعون أن حركة احتجاجية بدأت أو إضرابا في الأفق. وعندما يستضاف وزير الشؤون الدينية أو أحد مساعديه الى النشرة للحديث عن المعاملة الرائعة التي يلقاها ‘حجاجنا الميامين’ في البقاع المقدسة وجهود الدولة لخدمتهم، يدركون أن أباءهم وأمهاتهم في البقاع المقدسة ربما ‘أكلوا هوا’، كما يقول المشارقة. وعندما يستضاف وزير التعليم العالي ليتكلم عن نوعية الوجبات الغذائية ذات الخمس نجوم التي تُقدّم لطلبة الجامعات في الأحياء الجامعية وكلفتها ونوعيتها، يشعرون بأن سكان إقامة جامعية ما قاموا بأعمال شغب لم تكف المعاملة الأمنية وحدها في السيطرة عليها (يُستنفر المسؤول الكبير عندما تفشل أو تتعطل محاولات الحلول الأخرى). وبسبب إضراب مضيفي شركة ‘الخطوط الجوية الجزائرية’ هذه الأيام، كنت أتوقع استضافة مدير عام الشركة أو وزير النقل في النشرة للحديث عن الشركة وأفضالها على المضيفين والمضيفات والمزايا التي لا تتوقف عن توفيرها لهم. لكن لم يحدث هذا لأن السلطات الفرنسية سبقت الجميع وجعلت الفضيحة على لسان مذيعي ومذيعات الفضائيات فلم يتركوا للتلفزيون الجزائري ما يخفيه.
كل هذا ولا ينطقون حرفا واحدا عن الحدث الاساسي الذي استدعى ذلك ‘الاستنفار الإخباري’. يجتهدون لتأليب الرأي العام على أصحاب الموضوع إن كان إضرابا ويبذلون جهدا لغويا وذهنيا كبيرا لتجاهل الحدث وتفادي كشفه للجمهور كأنهم يسيرون فوق حبل، وأيضا كأن هذا الجمهور أبله يعيش في جزيرة معزولة ليس فيها غير شاشة التلفزيون الجزائري (أحيانا يتساءل المرء بحرقة من يستغبي هؤلاء: أنفسهم أم الآخرين؟). مع مرور الأيام والشهور والسنوات، تراكمت هذه التجارب والدروس لدى الجزائريين فحفظوها عن ظهر قلب ووصلوا الى ما وصل إليه ضيفي في هدفه من مشاهدة نشرة الأخبار.
لاحظت أن ضيفي يتابع باهتمام كلام ثلاثة مسؤولين بشركة الكهرباء والغاز يتحدثون في التلفزيون عن الاستهلاك ومحطات التوليد المنتظر انجازها وقرب عودة الأمور الى طبيعتها. سألني وهو يدرك أن في كلامهم يخفي أمرا ما: وعلاش، كش ما صار؟ أبلغته أن سكان عدة بلدات ومدن في وادي سوف وبسكرة احتجوا وخربوا الممتلكات لأن الكهرباء تنقطع عن بيوتهم والحرارة تكاد تذوّب الحديد!
ضرب بقبضته على الطاولة وقال: ‘والله غير عرفتها!’. ثم مضى يشرح لي كيف أن هؤلاء المسؤولين لا يتذكرهم التلفزيون إلا عند الحاجة إليهم في الظروف الصعبة، غير مستغرب عندما شددت له على تغاضي النشرة عن أحداث الشغب. بل ذكرني بأنه سبق أن قال لي إنه لا يشاهد نشرة الأخبار من أجل العلم بالأحداث وإنما ليرى ‘كيفاش يُخرطوا علينا’. عدنا الى نقطة البداية. تساءلت في صمت هل حقق تلفزيون آخر ما حققه الجزائري مع مشاهديه وضيفي نموذج جيد منهم؟
لا أظن ذلك، بل بدأ يتشكل لديّ يقين من وجود ‘جزائرين’، جزائر نشرة الأخبار وجزائر الواقع ـ الحقيقة.
ليتني سكتّـ لأنني اشتقت الى يوسف شاكير، تمنيت في مقالة الأسبوع الماضي بهذا المكان أن يتراجع أصحاب قرار منع قناة ‘الجماهيرية’ الليبية (الخضراء الفاقع لونها) عن قراراهم بمنعها في الأقمار الصناعية، فجاء الجواب من محكمة إدارية مصرية في اليومين اللاحقين بحكم يمنع 14 قناة فضائية ليبية من البث على القمر الصناعي نايل سات.
ليتني سكت! أفكر في التراجع عن مطلبي الى العكس متمنيا أن يمنع كل من بيده سلطة ونفوذ وقوة أثر التلفزيونات الليبية من على وجه الأرض.
هكذا ربما يأتي من يحقق الأمنية الأصلية.
كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]