أهم معركة في سياق الحرب الطويلة: منطق الاستباحة الاسرائيلي يولد نقيضه
محمد نعيم فرحاتأهم معركة في سياق الحرب الطويلة: منطق الاستباحة الاسرائيلي يولد نقيضه شكّلت قيمة الاستباحة مركز عقيدة اسرائيل واستراتيجيتها وسياساتها، وقد عبرت هذه القيمة عن نفسها ضد العرب في كل صعيد: استباحة الارض والحق والكرامة والمعني والرموز والتاريخ والوعي….بيد أن اسرائيل الفظة في كل شيء والتي قامت بقوة دفع هائلة، وامتلكت شتي أنواع القوة قد استدعت من العرب المستباحين أنفسهم بلورة رايات تقاومها وتقاوم الغرب المتحالف معها قبل نشوئها وحتي اللحظة.ورغم تحطم هذه الرايات وانكسارها عموما لاسباب ذاتية وموضوعية كانت تطيح بها، الا أن يوما لم يمر منذ ظهرت اسرائيل كفكرة الي أن صارت دولة وسطوة وقوة غالبة وقادرة ومهيمنة بدون وجود صوت أو راية تقاومها مبني ومعني. ولقد أظهر العرب في هذا المستوي طاقات حيوية حتي لو تعثرت في حين أظهرت اسرائيل خاصية مثيرة تتميز بها كل القوي الغاشمة علي مر التاريخ، وهي عدم القدرة علي استخلاص العبر وقراءة الواقع والاحتمالات والعمل بضوء ذلك. وأسوة بغيرها فان استخلاصها للعبر سيتم ولكن بعد فوات الأوان.وفي صيرورة الاستباحة الاسرائيلية ومقاومتها التي اشتغلت طوال قرن وها هي تدخل قرنا آخر، تولد حزب الله بما هو بنية ورثت كل المقاومات السابقة عليها وتجاوزتها واختلفت عنها في نفس الوقت. ان حزب الله كحركة مقاومة ومختلفة يمثل نموذجا لا سابق له في تاريخ المقاومات العربية ضد اسرائيل .ولا يرتبط الأمر هنا بجماعة مقاتلة من طراز مثير، بل ببنية حقيقية متجذرة وممتدة لها رؤية وخطاب ايديولوجي خال من الشوائب والالتباسات. وتحمل مشروعا متكاملا ومقاربة عقلانية وخلاقة في بحثها عن صياغة مصيرها ومساهمتها في صياغة مصير محيطها، مشروع جمعت له ما استطاعت من الشروط الروحية والأخلاقية والتعبوية والمادية.وفي سياقات تعبير حزب الله عن نفسه كحركة ونموذج، فقد أعطي صيغا خصبة ومتوائمة وأصيلة ورشيقة وحيوية ومنسجمة عن رؤيته في كل صعيد. ولطالما حاول جر وعينا الجماعي من خلال تجربة حية وحقيقية باتجاه امكانيات تحقيق النصر والانجاز وصيانة تواصل هذه الامكانية.وبخلاف كل الحركات والبني التي سبقت نموذج حزب الله، فان واحدة من أهم القيم التي تحكم رؤيته وممارساته هي التراكم والتواصل وغياب الانقطاعات البنائية أو الارتداد في تجربته وغياب أي فرضية انفصال الرايات عن حامليها. لقد عثر المعنيون بحزب الله علي بنية في حالة التحام حيوي بين الرؤية والموقف والسلوك بصورة تستجلب الاحترام والاعتراف والمهابة.ومع حزب الله فان وعينا الجماعي قد صار بازاء فاعل تاريخي مختلف من حيث الخطاب والحضور والقدرة. فاعل يشكل رهانا لمشروع يتجاوز بكثير الحيز الذي نشأ فيه (لبنان) ويتعدي الوظائف المباشرة بمكان النشأة. وبقراءة تاريخ المقاومات الحديث في المنطقة فان حزب الله يؤسس لتحقيب جديد لما قبله وما بعده. حيث يرتبط الأمر بحركة مقاومة أقامت عقد مروءة بينها وبين النصر والصدقية والفاعلية والانجاز وصفاء الرؤية والارادة الحازمة وطهارة اليد والسلاح والتصميم واليقظة والمبادرة والتواصل والتراكم… والقدرة علي القيام والحضور في صلب التداخلات والتعقيدات دون فقدان الهوية أو الطابع أو التوازن. ان هذه القيم والعناصر التي تعتبر جزءا أصيلا من منظومة حزب الله الفكرية والاخلاقية والسلوكية تشير الي أمر عميق وبالغ الأهمية، أي اننا بازاء بنية حقيقية وأصيلة وقادرة علي انتاج الرهانات وبلورة خيار مختلف وصلب وجامع. والتعبير عن منطق آخر يقدم نفسه من خلال الخبرة والتجربة والواقع كخيار للمقاومة والوجود والتحقق.وفي خضم اعادة اسرائيل علي نحو فج ومزرٍ لمنطق الاستباحة والقوة الغاشمة ازاء منطق المقاومات المشروعة في فلسطين وفي لبنان تجري معركة ذات صبغة حاسمة في سياق الحرب الطويلة. معركة مختلفة عن كل المعارك الأخري. حيث ستتحدد علي ضوء نتائجها مسارات اللاعودة لجميع الفرقاء: لاعودة المقاومة عن التراكم والانجاز في طريقها الي النصر، ولا عودة اسرائيل عن طريق اللاجدوي والانكسار الأخلاقي والسياسي والمادي، أو عكس هذه الاحتمالات للطرفين. أي أن تنكسر المقاومة وتربح اسرائيل. لذلك فالمرجح ان تتصاعد هذه المعركة ميدانيا ورمزيا وسياسيا وأن تخوضها الأطراف المعنية بها حتي منتهاها.ورغم صعوبة ومشقة الوضع لكل الأطراف (اسرائيل والمقاومة والمعنيين بهما) الا أن السياقات تعطي مؤشرات بالغة الدلالة، حيث تشغل اسرائيل منطق الاستباحة علي نحو بأس وأرعن وبدون الزهو والرعب اللذين ارتبطا باستباحاتها السابقة. وتستهدف البشر والشجر والحجر مستندة لفائض قوة لا يحكمها عقل أو حكمة أو مسؤولية أو حصافة، وهو منطق ليس علي أي صلة طيبة بالقتال الشريف، في نفس الوقت الذي تصعد فيه من ناحية المواقف السياسية وأهداف الحرب الي أعلي سقف متخيل، هو ببساطة غير قابل للتحقيق استنادا للمعطيات التي تحكم الواقع ومؤشرات ميادين القتال واحتمالاتها وتداعياتها. ويمكن لأي مراقب أن يجازف دون تحفظ بالقول، ان عمل منطق الاستباحة عند اسرائيل واشتغاله بأقصي طاقة تدميرية ممكنة، و(حتي) في ظل مناخ اقليمي عربي عاجز وفاسد ومتواطئ، ووضع دولي مساند (في غربة) لموقف اسرائيل، ليس بمقدوره أن يحقق الأغراض والأهداف التي تعلنها اسرائيل، هكذا وببساطة.وفي مقابل ذلك فان منطق المقاومة عند حزب الله ومن معه قد حقق استباحة منهجية ومنظمة تحصل لأول مرة في تاريخ الصراع علي هذا النحو لعمق اسرائيل ومعناها وسلاحها وقوتها والتصورات التي تحملها عن نفسها ولنسيجها الاجتماعي الذي تعود علي سماع اخبار حروب دولته في أرض الآخرين البعيدة.وفي سياق هذا التطور اللافت المتمثل في وجود معادلة غير مسبوقة، للاستباحات فان الفرضية ذات الأولوية هي، أنه ليس من السهولة علي اسرائيل ايقاع أذي استراتيجي بحزب الله أو كسر شوكته أو استئصاله، وهذا يملي استحضار الاحتمالية المتولدة عن الفرضية الأولي وهي: ان خروج حزب الله من المعركة الأخيرة بدون أذي استراتيجي في قدرته ومكانته ومعانيه ينطوي علي امكانية تعزيز موقعه كطرف مركزي لا يمكن تجاهله أو تخطيه، ليس في حدود لبنان بل وفي حدود المنطقة ومصيرها ومعادلاتها. وبينما تؤدي استباحة حزب الله لاسرائيل أهدافا وأثرا فوريا في وعي الاسرائيليين والعرب والعالم، وتصل الي حد تحقيق ملامح صدمة لم يعتد عليها الوعي الجمعي الاسرائيلي في كل مستوياته، فان استباحة اسرائيل للبنان قد ذكرت حتي الغافلين بعدوانيتها وفظاعتها وبؤسها، وفي هذا المستوي فان فروقا ذات دلالة جوهرية لا يمكن تخطيها تقوم بين كلا الاستباحتين…. وبالنسبة للبنان وحزب الله فانهم يحتسبون ضحاياهم شهداء عند الله، سواء كان ذلك بالمظلومية أو الموقف، وقد اعتادوا علي بناء الحجارة التي سبق ودمرتها اسرائيل نفسها مرارا، وأعادوا زراعة الشجر في مكانه الأول، وليس هناك ما يشير لحصول انقسام داخلي جدي في لبنان بشأن العدوان، فان السؤال الذي سيظل يقض مضاجع الوعي الاسرائيلي، هو: كيف ستعيد اسرائيل ترميم معناها والاستهداف المنهجي والمتجدد لعمقها واهانة قوتها الرمزية والمادية في البر والبحر وتهديد نسيجها النفسي ووصول الحرب الي عتبات بيوت الاسرائيليين وانتهاك حصانة اسرائيل وقدرتها الردعية بالصورة التي تمت!!؟! ان هذا السؤال الذي ليس لدي قوة اسرائيل الكاسحة اجابة عنه يفتقد أيضاُ لوجود قادة اسرائيليين حقيقيين بمقدورهم التعامل معه والوقوف المسؤول أمامه. وفي سياق ما يعرف بأزمة اسرائيل فان تغيرا جوهريا قد حصل في نمط قادة اسرائيل منذ اغتيال اسحق رابين في ساحة ملوك اسرائيل علي يد يهودي. حيث ليس هناك قادة فعليون ومسؤولون في اسرائيل حاليا، لأن الغطرسة والتسابق الغرائزي واستحضار رواسب من اللاوعي الجماعي والتوافق مع رعونة الجمهور وقطاعات واسعة فيه، ليست الخصال المطلوبة للقادة الحقيقيين وخصوصا في دولة مثل اسرائيل .وأيا تكن مقاربات المعركة الجارية في لبنان حاليا، فان الاحتمالات التي تطرحها هي: اما دخول حزب الله ومعه كل مقاومات الهلال الخصيب من العراق الي فلسطين في مسار اللاعودة في طريق الانجاز والنصر الشاقة والطويلة أو الانسحاق المرير الي أجل مؤلم وطويل.وبقراءة نمط مقاومة حزب الله ورؤيته وعقيدته وخطابة وسلوكه الميداني وسلم التوقعات منه، فان اسرائيل تواجه خصما مقتدرا لديه تصميم بلا حدود للمواجهة والثبات والمطاولة، ويبدو أنه قد أعد عدته لمدي يتجاوز بكثير ما يتوقعه منه حتي حلفاؤه الأقربون في المنطقة من طهران الي دمشق. وبالنسبة لاسرائيل فان خياراتها شاقة في كل حال، لأنها اذا تمكنت من تحطيم المقاومة في لبنان فسوف تؤسس وبالاستناد لتجاربها السابقة لمقاومة أخري قادمة أشد وأعتي قد لا تحتاج لسنوات. هذا اذا ما تجاهلنا (اعتباطا) القدرة التعديلية والاستراتيجية التي تنطوي عليها المقاومة العراقية علي صعيد المنطقة ككل، والطاقة الدرامية للمقاومة الفلسطينية أيضا. أما اذا تقهقرت اسرائيل ميدانيا ورمزيا وسياسيا قياسا الي سقف اهدافها، بعد هذا التشغيل المروع والفظ لقوتها التقليدية في أوسع معانيها، واضطرت للنزول من أعالي شجرة الاستباحة السياسية التي صعدت اليها فان المعني الرمزي والاستراتيجي لمثل هذا النزول سيضعها في كنف المخاوف والمهانة، وفي كلا الحالتين عليها أن تسأل ثقافة الاستباحة التي تتملكها في الوعي واللاوعي والدروب المهلكة التي يمكن لهذه الثقافة أن تقود اليها امبراطوريات عاتية وليس اسرائيل فقط.وبينما تؤكد معركة لبنان وتكثف صدي مقاومات الهلال الخصيب من العراق الي فلسطين فإن واحدا من أهم الاستنتاجات التي يمكن الوقوف ازاءها هو أن المسار المقاوم في المنطقة لم يمتلك (ومنذ ما بعد تحرير صلاح الدين الأيوبي للقدس من أيدي الفرنجة) ما يمتلكه الآن من قدرة وفاعلية وحيوية وحضور وامكانيات الفعل والقرب من النصر والانجاز وقطع خطوط العودة الي الانتكاس والانكسار والضمور والاندحار…. ان المسار المقاوم الحالي في المنطقة الذي يرمي لرد العدوان والظلم والاستهداف الاسرائيلي الأمريكي وما يمثله من امتدادات، وصياغة مصير حر ولائق للمنطقة والعرب يدفع بصعوبة ومشقة وكبد ولكن بنجاح ملحوظ، مسار العلو الاسرائيلي ـ الامريكي الكبير نحو آفاق هلاك جدية وحقيقية، فيما يتعرض منطق الاستباحة الذي يحكم هذا العلو للخلخلة والاهانة والتنكيل، وفي هذا الخصم المعقد فان من أكثر النتائج مدعاة للازدراء هي وصول فساد وعجز وتواطؤ البني الرسمية العربية السائدة الي حالة الانكشاف المطلق والمزري. أما حزب الله فانه يعطي في هذه الآونة بالذات أكبر موعظة ميدانية للقول الكريم أن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم صدق الله العظيم.ہ كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين8