أوباما في دورة رئاسته الثانية: ترتيب أوضاع البيت الداخلي بعيدا عن المغامرات

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام يبدأ الرئيس باراك حسين أوباما دورته الرئاسية الثانية يوم العشرين من شهر كانون الثاني (يناير) الحالي. فما هي معالم سياسته الخارجية في الأربع سنوات القادمة وأين سيكون تركيزه وما هي المنطقة الجغرافية التي ستشد انتباهه أكثر من غيرها وما هي القضايا الساخنة التي ستجبره على الانتباه لها؟ وهل سيكون للشرق الأوسط نصيب من اهتماماته؟ نستطيع منذ البداية وانطلاقا من بعض المؤشرات المهمة أن نتوقع أن العنوان الرئيسي لسنواته الأربعة سيكون تهدئة في الخارج قدر الإمكان وتركيزاعلى الداخل لإعادة الحيوية لاقتصاد وصل حافة الانهيار.

وقبل أن نلقي الضوء على سنوات أوباما الأربعة القادمة، نود أن نذكر بأن رئاسة الولايات المتحدة منذ انتخب جيمي كارتررئيسا للولايات المتحدة عام 1976 ولغاية انتهاء فترة أوباما الرئاسية الثانية عام 2016 يكون الديمقراطيون والجمهوريون قد تقاسموا سنوات البيت الأبيض بالتساوي بمقدار عشرين سنة لكل حزب. كارتر الديمقراطي وبوش الأب الجمهوري خدما لفترة رئاسية واحدة، بينما أعيد انتخاب كل من الجمهوريين ريغان وبوش الإبن والديمقراطيين كلنتون وأوباما لفترة رئاسية ثانية. يستطيع المحلل للسياسة الأمريكية في أن يستنتج بسهولة أن الحروب والصراعات المسلحة حدثت في عهد الجمهوريين الأقرب إلى المؤسسة العسكرية وشركات تصنيع السلاح. فريغان إعتدى على لبنان وغرينادا وليبيا وبوش الأب هاجم كلا من بنما والعراق وبوش الإبن أطلق أحقاده وأسلحته على العرب والمسلمين في أفغانستان والعراق ثم أعلن عن حربه الكونية على ما سمي ‘بالحرب على الإرهاب’. إذن نستطيع أن نتوقع أن سنوات أوباما الأربعة القادمة ستخلو من المغامرات العسكرية وسيطوي صفحة الوجود الأمريكي في أفغانستان قبل نهاية عام 2014 مثلما طواها في العراق. لكنه سيتابع حربه التي يمكن اعتبارها ‘ماركة مسجلة ‘باسمه وهي الحرب الانتقائية واستهداف نشطاء القاعدة والمتطرفين عن طريق تصيدهم بطائرات دون طيار.

ومع أن الوقت مبكر لدراسة توجهات أوباما بالتفصيل في دورته الثانية إلا أن الإشارات التي أطلقها قد تساعدنا على فهم بعض تلك التوجهات. المؤشر الأول- آسيا قبل الشرق الأوسطبعد انتخابه مباشرة يوم الثلاثاء 6 من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي شرع بزيارة رسمية في السابع عشر من نفس الشهر لبعض الدول الآسيوية وأولها ميانمار (بورما سابقا) ثم تايلاند وكامبوديا. أثناء وجوده هناك قامت إسرائيل بعدوانها على غزة تحت مسمى ‘عملية عامود السحاب’ أو حرب الأيام الثمانية فأضطر أوباما أن يطلب من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن تقطع زيارتها وتتوجه إلى مصر لترتيب وقف إطلاق النار والذي أنجز يوم 21 تشرين الثاني (نوفمبر). قد تكون هذه الحادثة ذات دلالة كبرى حول الاتجاه الذي يريد أن يسير فيه أوباما وكيف أن الشرق الأوسط ليس على سلم أولوياته لكن الأحداث قد تفرض نفسها على أجندة الرئيس الأمريكي رغم محاولاته الهروب من تلك المنطقة بعد أن تمكن أنصار إسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة للكيان الصهيوني بإلحاق هزيمة مـُرة بالرئيس في دورته الأولى، حيث تمكنت تلك القوى من ثني يد الرئيس وإجباره على تغيير مساره من حل الدولتين بطريقة مذلة حماية لمنصبه وموقع الحزب الذي يمثله، فراح يزايد في حملته الانتخابية على منافسيه من الحزب الجمهوري مؤكدا أن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة وصلت في عهده إلى مستوى هو الأقوى والأشمل في تاريخ البلدين منذ إنشاء إسرائيل.

المؤشر الثاني- ترشيح كيري للخارجية وهاغل للدفاع- الابتعاد عن المغامرة إن الدلائل التي تحملها ترشيحات أوباما لجون كيري لوزارة الخارجية وتشاك هاغل لوزارة الدفاع يمكن أن تلخص توجهات الرئيس في المجال الخارجي والقائمة على التهدئة، وعدم التدخل، والابتعاد عن المغامرات. ومن المعروف أن هاغل وكيري، وهما صديقان من أيام حرب فييت نام، كانا معارضين شديدين للحرب على العراق ووصفاها بالحرب الخاطئة وأيدا تخفيف ميزانية الدفاع. كما أن الإثنين ليسا من المفضلين لدي نتنياهو والليكود الإسروأمريكي. كيري، رغم تكراره بأنه صديق لإسرائيل إلا أنه معروف بتأييده الحقيقي لحل الدولتين ومعارضته للاستيطان أما هاغل فهو ليس صديقا لإسرائيل بل وقد حاول أنصار اللوبي الإسرائيلي ‘أيباك’ أن يعطلوا تعيينه متهمينه بأنه خصم لإسرائيل، بل وذهب إليوت أبرام، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط في عهد بوش الإبن، بوصف هاغل بمعاداة السامية. المؤشر الثالث: تعيين جون برينان لرئاسة وكالة الاستخبارات الأمريكية من المعروف أن جون برينان، نائب مستشار الأمن القومي حاليا، هو صاحب نظرية عسكرة وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أيه) وشن حرب غير معلنة على المتطرفين الإسلاميين. برينان يتحدث العربية بطلاقة وقد درس في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وعمل رئيسا لمحطة استخبارات الشرق الأوسط ومقرها السعودية. إن تعيينه لهذا الموقع، في حالة إقرار الكونغرس، يعني أن التوسع في استخدام الطائرات بدون طيار (Drones ) سيبقى مستمرا وربما يتصاعد بشكل كبير. ففي عهد الرئيس جورج بوش بلغ عدد الاغتيالات المستهدفة 50 حالة على مدى ثماني سنوات، وصلت في فترة رئاسة أوباما الأولى ل 360 عملية. وفي حين كان بوش ينكر أو يلوذ بالصمت بعد كل عملية إغتيال، استطاع برينان أن يجد المبرر القانوني والسياسي لإدارة أوباما لمثل تلك العمليات الخاصة، فلم يعد إنكار تلك العمليات مهما. ويرأس برينان مجموعة من 100 شخص تم اختيارهم بعناية من كافة أجهزة الاستخبارات مهمتهم انتقاء الأهداف التي ستتوجه إليها الطائرات دون طيار لتنفيذ عمليات الاغتيال سواء في باكستان أو أفغانستان أو اليمن أو الصومال أوليبيا وربما يتم توسيع رقعة تصيّـد الأهداف إلى مالي ودول شمال أفريقيا والساحل.

وتعترض كثير من جمعيات حقوق الإنسان على هذه العمليات بسبب سقوط الكثير من المدنيين وخاصة في باكستان بسبب عدم دقة التصويب أو اختلاط الشخص المستهدف بجمع من الناس إلا أن أجهزة التحكم إذا ما تطابقت صورة الهدف مع الصورة المخزنة في الذاكرة الألكترونية تنطلق القذيفة دون اعتبار للحاضنة الجماهيرية البريئة التي قد تكون ملاصقة للشخص المستهدف. بناء على تلك المؤشرات، نستطيع أن نقدر أن أوباما سيكون منكفئا في الداخل الأمريكي ليعيد تنشيط الاقتصاد وتقليص العجز المالي الهائل في الميزانية والتحكم في كمية الديون الخارجية وخاصة للصين والتي تسببت في رفع الضرائب وخاصة على الأغنياء. وستشمل اهتماماته في دورته الثانية برنامج التأمين الصحي الشامل وإعادة هيكلة قوانين الهجرة وضبط انتشار الأسلحة الفردية وإستحداث ملايين الوظائف الجديدة لتخفيض نسبة البطالة المرتفعة.

أوباما لن يحاول التصعيد مع إيران حول برنامجها النووي وسيبقى موقفه يراوح حول فرض سلة عقوبات جديدة واسعة وفتح باب الحوار مع الحكومة الإيرانية بطريقة تبدأ غير مباشرة وربما تنتهي بشكل مباشر إذا ما أحس بتجاوب من لدن الإيرانيين. وهذا الموقف يتبناه تماما وزير الدفاع الجديد هاغل في حالة ما تم اعتماده في الكونغرس.

أما عن الشرق الأوسط فلا نتوقع إختراقا في العملية السلمية أو حتى اهتماما جديا في مسألة حل الدولتين إلا إذا انفجرت الأوضاع مجددا على شكل حرب استنزاف أو انتفاضة ثالثة. وسيواجه أوباما في أيامه الأولى بالملف السوري ونتوقع أن يبادر بالمزيد من الدعم للمعارضة بما في ذلك التسليح ولكن بحذر شديد كي لا تصل تلك المعدات للجماعات المتطرفة والتي تم تصنيف بعضها جماعات إرهابية. قد تضغط إدارة أوباما على قيادة المعارضة لتوحيد صفوفها ونبذ المتطرفين منها ثم تعاود الضغط على الاتحاد الروسي للتوصل إلى رؤية مشتركة لحل سياسي يرتكز على بيان جنيف الصادر في 30 حزيران (يونيو) 2012 يعرض على مجلس الأمن من قبل الأخضر الإبراهيمي، المبعوث الخاص للأمم المتحدة والجامعة العربية.

سيعود أوباما يشد الرحال هذه المرة إلى آسيا وأمريكا اللاتينية وربما أفريقيا. لكنه قد يقفز عن معظم إن لم يكن كل الدول العربية، على عكس ما قام به في بداية دورته الأولى عندما كانت أسطنبول والقاهرة محطتاه الأولى والثانية. لكن أوباما سيهرع إلى منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى إذا ما رأى بأم عينيه لهيب الانتفاضات الجماهيرية يصل دولا صديقة للإدارة الأمريكية في الخليج أو شمال أفريقيا أو في حالة انفجار الأوضاع لدى الجماهير الفلسطينية المسنودة ببحر الجماهير العربي احتجاجا على الاحتلال ومحاولة لفك الحصار عن غزة. أما أن يتطوع أوباما لليّ ذراع إسرائيل فلا هو قادر على ذلك ولا حزبه سيسمح له بالضغط على إسرائيل حتى لو كان مقتنعا بذلك على المستوى الشخصي. فما على العرب، وفي مقدمتهم سلطتا رام الله وغزة، إلا أن يرسموا خطة سليمة للخروج من حالة العجز والجمود وانعدام الفعل التي وجدوا أنفسهم فيها بعد هذا التمزق والتشتت والصراعات الداخلية والبـينية ليجبروا أوباما وغير أوباما للتحرك نحو المطالب العادلة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية