أوباما و’الإخوان المسلمون’

حجم الخط
0

محمد سودانالرئيس الأمريكي باراك أوباما على ما يبدو يسعى إلى تهدئة الشعوب العربية والإسلامية التي انتفضت ضد حكامها المستبدين، ويبدو أنه يخطط إلى إعادة الثقة مرة أخرى فيما بين هذه الشعوب الثائرة وبين الولايات المتحدة التي ظلّت تساند الحُكّام الديكتاتوريين طوال أكثر من نصف قرن عانت الشعوب خلالها مرارة الذل والهوان وسرقة ثرواتها وإهدار كرامتها ولم يتحرك ساكن، اللهم إلا بعض النداءات من منظمات حقوق الإنسان.

وقد تحدث مسؤول كبير بإدارة أوباما إلى أحد وكالات الأنباء، واشترط عدم الكشف عن إسمه وقال: يجب ألا نخاف من الإسلام في سياسة الدول العربية، وقال ‘بن رودس’، نائب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض لصحيفة ‘وول ستريت جورنال’ : إنها مصادفة مثيرة للإهتمام أن يكون توقيت قتل بن لادن في نفس الوقت الذي تحدث فيه نماذج من التغييرات الناشئة في المنطقة العربية، (والتي هي عكس نموذج بن لادن) . ولكن المشكلة هي، أن هذا النموذج الناشئ من التغيير لن يكون من النوع الذي تتوقعه الإدارة الأمريكية.

و قال أوباما أن الإسلام السياسي والسياسة الديمقراطية متوافقان مع بعضهما البعض، وهذا ما يحدث في العالم العربي الآن هو إعادة تشغيل ثورات 1989 الديمقراطية التي اجتاحت أوروبا الشرقية، وإنه يعتقد أنه من الممكن إقامة دُيمقراطيات على النمط الأوروبي في الدول العربية، دون الحاجة إلى تبنّي الثقافة الغربية أو الفكر الغربي. وهذا يدل على أن أوباما يؤمن بأن الشعوب العربية يمكن أن يقودها الإسلاميون في المرحلة القادمة دون الخشية على مصالح الغرب في منطقة الشرق الأوسط، وهذا الرأي يعترض عليه الكثير من السياسيين في العالم.

يوم الاثنين الماضي، قال المتحدث بإسم البيت الأبيض ‘روبرت غيبس’إن الحكومة المصرية الجديدة سوف تضم مجموعة كاملة من الناشطين والشخصيات الفعالة من غير العلمانيين. وقد أبرز بوضوح أن من بين هذه المجموعة ستكون شخصيات من جماعة الإخوان المسلمين، وهذا ما سيجعل السيطرة على العالم الإسلامي واحداً من أهدافها في نهاية المطاف. كما أنه ذكر أن جماعة الإخوان تعارض استمرار معاهدة السلام المصرية التي أُبرمت منذ ثلاثين عاما مع إسرائيل، ومن الواضح أن الرئيس أوباما يتحدث بلسان وبعقيدة تختلف إلى حدٍ ما عن متحدثي البيت الأبيض، أو يمكن أن نقول أن هذا نوعٌ من المناورة السياسية يديرها البيت الأبيض تجاه الموقف الذي قال عنه أوباما أنه صُدم من أحداث مصر وتونس المخالفة لتقارير الإستخبارات التي ترد إليه من الـCIA . وقال ‘غيبس’ إن الإخوان المسلمين يجب أن ينبذوا العنف ويعترفوا بالأهداف الديمقراطية للولايات المتحدة كي تطمئن الولايات المتحدة لوجودالإخوان المسلمين داخل الحكومة الجديدة. وهذا التحذير لا يغير كثيرا من النهج الأمريكي الجديد، الذي يختلف تماما عن أن الإدارة السابقة، والتي جعلت جورج بوش يدفع مبارك إلى عمل إجراء إصلاحات ديمقراطية ولكن الشعب لم يقبل بقيادة التيار الإسلامي. ومن هذا يتضح أن إطمئنان البيت الأبيض للحكومة المصرية الجديدة التي سوف تشمل أعضاءً من الإخوان المسلمين مشروط بشروط معلنة ومنها الموافقة على استمرار العمل بمعاهدة السلام مع إسرائيل والتخلي عن فكرة عودة الخلافة الإسلامية واستمرار الفُرقة بين الدول العربية والإسلامية، أما الشروط الغير معلنة سوف تُعرف من خلال مفاوضات غير مباشرة في المستقبل القريب في حال إقامة الانتخابات التشريعية في موعدها، وأننا نظن أن الولايات المتحدة تسعى لتأجيل هذه الانتخابات. وبالأمس، صرّح الرئيس الجديد لموظفي البيت الأبيض ‘وليم دالي’ أن الولايات المتحدة تأمل في تشكيل حكومة مصرية علمانية، قوية ومستقرة. كل يوم نسمع أقوالاً وتصاريح متباينة من شخصيات رسمية أمريكية لا تتفق مع ما يقوله الرئيس أوباما عن سياسة التعامل مع الحكومة المصرية الجديدة التي تضم عدداً من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، مما يكشف أن هناك حالة عدم استقرار في البيت الأبيض حول سياسة التعامل المستقبلية مع الحكومة المصرية الجديدة، وخاصةً بعد أن استطرد الحديث الرئيس الجديد لموظفي البيت الأبيض قائلاً أن الولايات المتحدة تأمل في أن تكون ‘الحكومة المصرية الجديدة قوية ومستقرة وعلمانية’ ؛ مشيراً بحديثه هذا إلى أن تأييد الإخوان المسلمين هو فقط مسألة توقع من قبل البعض وخوف من قبل آخرين. ثم اعترف ‘وليم دالي’ أن الوضع في مصر إلى حد كبير خارج نطاق السيطرة الأمريكية.

ومن هذا الحديث نفهم أن الإدارة الأمريكية مازالت مضطربة من فهم الخريطة القادمة للحكومة المصرية الجديدة.

وقد كتب ‘دافيد هورويتز’ محلل سياسي بمركز الحرية مستغرباً من موقف أوباما تجاه الأحداث في مصر: إن البيت الأبيض يبدو أنه قد ترك حسني مبارك في مهب الريح وقد كان حليفاً لأمريكا لمدة ثلاثة عقود، وكان العمود الفقري لإستقرار الشرق الأوسط. ثم استطرد وقال: إن الأسوأ من ذلك، يبدو أن الأمر مفتوح للسماح للإخوان المسلمين بلعب دور رئيسي في حكومة الإصلاح المصرية، طالما أن منظمة الإخوان تنبذ العنف وتدعم الديمقراطية. وإذا كان أوباما البيت الأبيض يعتقد حقا أن هذا أمراً ممكنا، فإنه رجل غير كفء وهو أكثر شخصية ميؤوس منها أكثر مما نتخيل. وهذا التصريح يؤكد أن هناك اعتراضاً شديداً من الجهات السياسية الأمريكية على تواجد أعضاء من الإخوان داخل التشكيل الحكومي المصري القادم، وليس الأمر فقط من داخل البيت الأبيض. ثم قال إنه من المستغرب أن الإدارة الأمريكية لا تضع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بالعالم ضمن القوائم الرسمية للإرهاب، وكذلك حماس وحزب الله، ولكن رغم ذلك فالحكومة الأمريكية لم يكن لها أي اتصال مع أعضاء جماعة الإخوان بسبب ما قاله ‘غيبس’ أن هناك تساؤلات حول إلتزامهم بسيادة القانون والديمقراطية واللاعنف. ثم استطرد قائلاً: إن الإخوان المسلمين يعملون على إعادة تأسيس الإمبراطورية الإسلامية أي الخلافة الإسلامية، والسيطرة على العالم كله روحيا، وإحياء ظاهرة الجهاد والإستشهاد، وإنها منظمات الجبهة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أي أنها المنظمات التي لها تواجد ملموس في هذه الدول.

وكذلك كتب السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور ‘دوري جولد’، أنه خائف من أن جماعة الإخوان المسلمن، أصبحت منتشرة على نطاق واسع، وأنها أصبحت معتدلة على مدى سنوات ماضية، وأن الجماعة سوف تستغل شخصية مثل محمد البرادعي من أجل خطف الثورة المصرية في المرحلة القادمة. ولاحظ ‘دوري جولد’ أنه منذ أن تأسست جماعة الإخوان المسلمين منذ أكثر من 80 عاما، شاركت في الإرهاب السياسي، عندما اغتالوا رئيس الوزراء محمود النقراشي باشا في عام 1948، ومحاولة قتلهم الرئيس عبد الناصر بعد ذلك بعدة سنوات.

وقد ذكر ‘دوري جولد’ أن وزير التربية والتعليم الكويتي السابق، الدكتور أحمد الربيع، كتب في جريدة الشرق الأوسط في عدد 25 تموز/يوليو 2005 إن معظم مؤسسي الجماعات الإرهابية الحديثة في الشرق الأوسط انبثقوا من عباءة جماعة الإخوان المسلمين.

حتى ‘ليزلي جيلب’، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، قال إنه في حال صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة ‘ستكون كارثة على أمن الولايات المتحدة’ وأن الإخوان يُدّعمون حماس والجماعات الإرهابية الأخرى، ولديهم علاقات ودية مع الحكام المستبدين الإيرانيين، وسيكون الإخوان هم الملاك الغير جديرين بالثقة لقناة السويس الممر الحرج دولياً، وأنهم سيعارضون استمرار معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل المبرمة عام 1979، وهم يعارضون على نطاق واسع مشروع السلام في الشرق الأوسط، وقبل كل شيء، فالإخوان سيُعرضّون جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة والعالم للخطر؛ والخطر الحقيقي هو أن لدينا خبراء ونُقّاد وأساتذة سيتحدثون في العالمين العربي والأمريكي بأنه يمكن للجميع أن يثق بالإخوان المسلمين. من كل ما سبق سرده نفهم أن الأمر جد خطير، وأن هناك تخبطا في مستقبل تعامل الغرب وإسرائيل مع الحكومة المصرية الجديدة، الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل مازالوا في ترقب من تشكيل الحكومة الجديدة التي تُعتبر أول تجربة ديمقراطية حقيقية في مصر تمر دون مباركتهم وكثير من أعضائها لا يقبلون التنازل عن أمورٍ يعتبرونها ثوابت لا يمكن زحزحتهم عنها، وخاصةً أن الغرب يعتبر مصر قبلة لباقي الدول العربية والإسلامية، وإن حدث تغير في الخريطة السياسية المصرية فلا محالة من أن يمس هذا التغيير باقي الدول العربية، مما يمثل ذلك خطورة على مصالح الغرب وكذلك مصالح إسرائيل الإستيطانية في المنطقة، ولنا أن نؤكد على أن استقرار مصر صمام أمان للكيان الصهيوني وكذلك لمصالح أمريكا والغرب في المنطقة.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية