أوباما يتخلى عن المالكي وبايدن يوقف مكالماته… ورجل واشنطن الجديد في بغداد هو العبادي

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: أخيرا تخلت الإدارة الأمريكية عن نوري المالكي الذي رفض التفاوض معها حول ترتيبات ما بعد انسحاب قواتها من العراق عام 2011 وكلفتها سياساته الطائفية حربا جديدة لا يعلم الأمريكيون أنفسهم مداها.
وظل المالكي الرافض للترتيبات الجديدة في بغداد مصدرا للإحباط لإدراتي جورج بوش السابقة وأوباما الحالية.
ورغم اعتراف المسؤولين الأمريكيين بالإشكالية التي سببها لهم المالكي إلا أنه دعموا ووصوله للحكم باعتباره «يمثل الاستقرار» عام 2006 وعادوا وكرروا الخطأ عام 2010، وكان لسفير واشنطن في بغداد زلماي خليل زاد دور بارز في ترفيع المالكي الذي كان يجهله الكثيرون وأوصله للمرتبة التي وصل إليها، ورغم متاعبه وتراجعه عن التزاماته للأمريكيين إلا أن الدعم الأمريكي إضافة للدعم الإيراني أطال من عمره في السلطة.

غش في التوقيع

وتذكر صحيفة «نيويورك تايمز» حادثا جرى عام 2007 عندما اجتمع الرئيس جورج بوش مع المالكي في لقاء عبر الفيديو لتوقيع اتفاق المبادئ الذي يحدد العلاقات الأمريكية- العراقية، وفي الوقت الذي وضع بوش توقيعه على الوثيقة تظاهر المالكي بأنه يقوم بتوقيعها وهو ما لم يفعله في النهاية فقد قرر عدم التوقيع مبررا هذا الفعل بعدم قراءته للوثيقة، ولكنه لم يذكر هذا لبوش الذي لم تكن لديه أية فكرة عن تصرفه، ولكن مسؤولا أمريكيا لاحظ الأمر وعندما اختفت صورة الرئيس عن الشاشة حذر أحد مساعدي المالكي «لا تلعب مع رئيس الولايات المتحدة».
ويلخص هذا الحادث قبل سبعة أعوام العلاقة المتقلبة بين الولايات المتحدة والمالكي، واكتشف الأمريكيون فيه شخصية متقلبة «زئبقية» سبب لهم الصداع أكثر مما أسهم في حل المشاكل. ويبدو أن ساعة الحقيقة حانت بالنسبة للأمريكيين ويريدون أن يكون الطرف الآخر على الهاتف في بغداد شخصا غير المالكي.
فالإدارة الأمريكية التي بدأت عمليات قصف جوي ضد قواعد الدولة الإسلامية (داعش) وبدأت برنامج تسليح سريا تشرف عليه المخابرات للأكراد تربط العملية التي تمثل عودة للمستنقع العراقي بتغير الوضع السياسي في بغداد.
وتريد رؤية حكومة شراكة تمثل كل المكونات السياسية في العراق وهذا يفسر ترحيبها ودعمها لتكليف حيدر العبادي من حزب الدعوة الذي ينتمي إليه المالكي.

أدار ظهره

ورغم أن الرئيس ومساعديه أكدوا على أهمية قيام العراقيين بتغيير القيادة بأنفسهم لكنهم كانوا واضحين يوم الإثنين ان الوقت قد حان لتنحي المالكي عن السلطة ودعمت العبادي الذي كلفه الرئيس فؤاد معصوم بتشكيل الحكومة المقبلة.
واتصل الرئيس أوباما ونائبه بالعبادي مقدمين التهنئة له. وعندما ظهر الرئيس أمام عدسات الكاميرا حديقة مارثا لم يذكر المالكي، وعندما سأله أحد الصحافيين إن كانت لديه رسالة للمالكي أدار ظهره وكانت هذه هي الرسالة.
ورغم التخلي الأمريكي عن المالكي إلا أنه حسب صحيفة «الغارديان» سيظل رقما مهما سواء ظل في الحكومة أو خارجها وهو ما عبر عنه جيمس جيفري الذي عمل كنائب لمجلس الأمن القومي ومستشار لأوباما «إنه عنيد ومقاتل وسيرفض هذا» مشيرا للمتاعب التي سببها المالكي للجميع.
وأضاف جيفري إلى أن المهمة تقع على أمريكا أو طرف آخر لإقناع المالكي بالرحيل. وسيحاول استخدام كل ما لديه لمنع استبداله بما في ذلك اعتقال أشخاص.
ويدافع جيفري عن اختيار الأمريكيين المالكي الذي قضى معظم حياته في خارج العراق أثناء حكم صدام حسين ولم يكن معروفا حتى أن الأمريكيين لم يكونوا يعرفون اسمه وظلوا ينادونه بجواد وهو اسمه الحركي حتى صححه لهم المالكي نفسه.
ويشير جيفري في تصريحات «لنيويورك تايمز» إن جورج بوش كان يبحث عن شخصية حازمة غير إبراهيم الجعفري الذي لم يكن قادرا على اتخاذ قرار. ومن هنا جاء اختيار المالكي الذي قابله بوش وأخذ انطباعا عنه بأنه شخصية قوية وقادرة على اتخاذ قرارات على الأقل في البداية. واكتشف الأمريكيون مبكرا تبعات اختيارهم، فبحلول خريف عام 2006 بدأ الأمريكيون يشعرون بالإحباط من المالكي الذي رفض الحد من ممارسات الميليشيات الشيعية.
وظهر هذا في برقية أرسلها جيمس هادلي، مستشار الرئيس بوش للأمن القومي التي جاء فيها إن المالكي إما «كان جاهلا بما يجري حوله أو يتظاهر بأنه غير قادر على اتخاذ قرارات». وفي النهاية قرر بوش إرسال قوات إضافية لمواجهة الأزمة في العراق.
ولكن عملية التظاهر بالتوقيع أظهرت مدى الإحباط الأمريكي من رئيس الحكومة العراقية، صحيح أنه وقع على الإتفاق اخيرا عندما جرت محاولة للتخلص منه ووافق عدد من مسؤولي البيت الأبيض على وجوب رحيله بمن فيهم مسؤول ملف العراق الحالي بريت ماكغيرك.
ورفض بوش الفكرة وأرسل عوضا عن ذلك كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية لبغداد حيث قالت للمالكي «أنت رئيس وزراء رهيب»، «بدون تقدم اتفاقية ستجد نفسك وحيدا معلقا على عمود الكهرباء».
ولكن المالكي لم يتغير، ولإرضاء الأمريكيين أمر بعملية ضد جيش المهدي في البصرة بدون تحضير أو إخبار الأمريكيين كانت ستتحول لكارثة لولا التدخل العسكري الأمريكي.

بايدن يتسلم

برحيل بوش عن البيت الأبيض توقفت المحادثات الهاتفية حيث سلم أوباما ملف العراق لنائبه جوزيف بايدن.
واكتشف الأخير في محادثاته الهاتفية ان المالكي يعاني من مشكلة يعاني منها المسؤولون في المنطقة وهي عدم قدرتهم على التشارك في السلطة.
وعندما فشلت إدارة أوباما في توقيع اتفاق حول الوجود الأمريكي في العراق بعد عام 2011 فقدت واشنطن النفوذ حيث تحرك المالكي لتعزيز سلطته ولاحق نائب الرئيس طارق الهاشمي، وبدأ حملة قمع ضد السنة، وبحسب أحد مستشاري ديفيد بترايوس، قائد القوات الأمريكية في العراق «هنا ظهرت طبيعة المالكي الطائفية على حقيقتها».
ومع ذلك دعمت إدارة أوباما المالكي عام 2010 باسم «الإستقرار» رغم تجلي النزعة الطائفية عند المالكي في أعلى صورها. وعندما بدأ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بالتحرك نحو العراق انتبه المالكي وطلب دعما من الولايات المتحدة التي ربطت الدعم بإصلاحات سياسية حيث شعر المالكي هنا بالإحباط وأنه بات وحيدا.
ومع ذلك استمر المالكي يتخذ قرارات غير صحيحة فعندما نصحه المستشارون العسكريون الذين أرسلهم أوباما بعدم الهجوم على تكريت التي يسيطر عليها تنظيم الدولة تجاهل النصيحة وكانت النتيجة فشلا ذريعا للجيش العراقي.
ويبدو أن ساعة الفراق مع المالكي قد حانت فقد طلب أوباما وبايدن من معصوم الثبات ومواجهة الضغوط من المالكي فيما خرج بايدن بانطباع جيد بعد اجتماعه مع العبادي الذي وجده «هادئا وبراجماتيا ومختلفا عن المالكي».
وأشارت مجلة «نيويوركر» إلى قرار بايدن التخلي عن المالكي حيث قالت «عندما يريد نائب الرئيس التحدث مع أشخاص يعرفهم فإنه عادة ما يفاجئهم وينقر الرقم مباشرة دون الحاجة لطلبه من مركز اتصالات البيت الأبيض، وهذا يختلف عندما يريد مكالمة المسؤولين الأجانب، فعليه الالتزام بالبروتوكول.
وفي الشهر الماضي نشرت مجلة «يوأس توداي» جدولا لمكالمات البيت الأبيض وأظهر أن بايدن طلب الحديث مع العراق 64 مرة مقارنة مع الرئيس الذي هاتف العراق أربع مرات.
وتشير المجلة إلى ان عدم تعامل أوباما مع العراق وتسليمه ملفه لبايدين منذ عام 2009 إشارة عن عدم اهتمام أوباما بما أطلق عليها «الحرب الغبية» وكان تسلم بايدن الذي رشح نفسه للرئاسة وفشل فرصة لإخراج أمريكا من مستنقع العراق بأسرع وقت ممكن، وبعد خمسة أعوام لا تزال المهمة غير منجزة. وتقول المجلة إن بايدن لم يثق أبدا بالواقع السياسي العراقي مشيرة لمقالته التي كتبها بالإشتراك مع ليزلي غيلب، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية ونشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2006 ودعا الكاتبان فيها للفيدرالية ـ سنية وكردية وشيعية تشرف عليها الحكومة المركزية. واتهم صناع السياسة بايدن وزميله بأنها يقدمان سياسة غير عملية.
ونقل عن غيلب قوله «كانت خطة راديكالية بالنسبة لزملائي في مجال السياسة الخارجية واعتبروها دعوة للتقسيم».
وفي الحقيقة كما يقول كاتب المقال إيفان أوسنوس لم يناد بايدن وغيلب بالتقسيم ولكنهما دعيا للمشاركة في السلطة. مع أن العراقيين ضمنوا فكرة الفدرالية في الدستور ولكنها لم تطبق. وعندما تولى بايدن ملف العراق لم يتحدث عن الفدرالية ودعم الشخص الذي اعتقد انه سيوحد العراق: نوري المالكي.

الفدرالية هي الحل

فرغم الإحباط الذي أبداه الدبلوماسيون والمستشارون الأمريكيون من المالكي الذي أظهر نزعات ديكتاتورية وهمش السنة إلا ان بايدن ظل متمسكا به.
وتقول إيما سكاي التي عملت مستشارة لقائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال ريموند اوديرنو «لم يظهر البيت الأبيض الصبر» واعتقد بايدن بأن أفضل طريقة هي «دعم المالكي كرئيس للوزراء وقام بالضغط على وإقناع الآخرين للموافقة على هذا» الطريق.
ولم يوافق مساعدو بايدن على هذه الرواية وقالوا إن البيت الأبيض دعم المالكي لأنه فاز بالانتخابات. ويظل هذا قراءة للتاريخ بقدر ما هو تحليل لموقف بايدن ونظرته للعراق فبحسب كتاب «نهاية اللعبة: القصة الحقيقية للمعركة على العراق من جورج بوش لأوباما» الذي كتبه كل من مايكل غوردون والجنرال المتقاعد بيرنارد ترينر أشارا فيه لعدم دقة بايدن في تقديراته عندما قال عام 2010 ان المالكي سيوقع على اتفاق المباديء لأن المالكي لا يرى مستقبلا للعراق بدون الدعم الأمريكي.
ولم تصدق توقعات بايدن حيث لم يوقع المالكي وغادر الأمريكيون العراق عام 2011. ورغم هذا ظلت الإدارة تتعامل مع المالكي حتى بداية الأزمة وصعود داعش وعندها اقتربت الإدارة من حالة الطلاق معه، فقد عادت الطائرات الأمريكية للأجواء العراقية من جديد، ثم جاء تعيين العبادي لتشكيل الحكومة ومن هنا «فقد يقوم الرجل الذي تعاملنا معه في بغداد بإشعال حرب طائفية جديدة مدمرة، فبحسب الدستور يحق للمالكي البقاء في الحكم مدة 30 يوما حتى يكمل العبادي تشكيل الحكومة، وحذر جون كيري، وزير الخارجية من أي محاولة للتمسك بالسلطة لأن هذا يعني نهاية للدعم الأمريكي. في الوقت الذي أصبحت فيه الحكومة عاجزة بشكل كبير بسبب الخلافات ومن هنا عادت فكرة بايدن الفيدرالية من جديد وعراق لا مركزي. وكما أشار تقرير لموقع «ستراتفور» للخدمات الأمنية فالعراق يسير اليوم على طريق الكونفدرالية.
وهذه النتيجة ليست مرضية للكثيرين لأنها ستفتح الباب أمام نزاعات على الحدود. ولكن كينث بولوك وزلماي خليل زاد من معهد الدراسات الدولية والإستراتيجية يرون في الفدرالية الحل الوحيد.
وعليه تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام وضع جديد، فهي التي كانت تريد إظهار خروجها من العراق كعلامة تقدم تجد نفسها أمام واقع جديد وأحسن ما يمكن لأوباما وبايدن فعله هو احتواء الأزمة « في يوم الإثنين قرر بايدن التخلي عن المالكي مستخدما نفس الأداة: طلب الحديث مع العراق ولكن ليس مع المالكي هذه المرة بل مع العبادي».

عملية ليست سهلة

وفي النهاية تواجه الولايات المتحدة خيارات صعبة ويدرك قادتها أن الضربات الجوية غير كافية.
وترى صحيفة «الغارديان» ان التدخل لن يكون سهلا مع موافقتها على موقف أوباما فهو مصيب بقرار شن غارات جوية ضد داعش، ذلك ان العودة الأمريكية للعراق تأتي بعد سنوات من الفشل الذريع للولايات المتحدة وحلفائها بإعادة تشكيل العراق، كما أن التدخل يحصل في وقت يعيش فيه العراق أوضاعا صعبة في كل جزء منه.
فالنزاع ليس بين العراق وداعش ولكنه يجري في أبعاد ثلاثة بين أقاليم العراق، حيث يشهد كل جزء منها تنافسا آخر في داخله. هناك حرب في الشمال بين داعش والقبائل السنية، وفي الجنوب انقسام بين الشيعة.
وتعاني منطقة الحكم الذاتي الكردية من انقسامات بين الأحزاب السياسية والعائلات البارزة، وتظل الوحدة بين البيشمركة، القوات العسكرية إسمية وتعكس الإنقسامات الداخلية.
ورغم نجاح الأكراد إلا انهم يعانون من الضعف فهم كيان يعتمد على النفط ويعاني من الفساد، وهناك تضخم في بيروقراطية الدولة من ناحة اعتماد السكان على رواتب الحكومة إضافة لقوة عمل أجنبية تقوم بالأعمال اليدوية والخبرات. وينسحب التضخم في مؤسسات الدولة على القوات المسلحة الضخمة والمسلحة تسليحا خفيفا ولا تنسق إلا في الحد الأدنى بين وحداتها. وترى الصحيفة أن أوباما محق في تردده وتخطئ نقاده من الجمهوريين الداعين لتدخل أوسع ومد مجال الغارات الجوية مما يعني سقوط ضحايا بين المدنيين السنة في الشمال، وسيكون لهذا التدخل أثر مضاد يقوي جانب داعش.
وتحذر الصحيفة من أن الخطة قد لا تسير كما رسمها أوباما لأسباب «أولا، فلا يوجد ضمان لتحقيق الغارات الأمريكية والأسلحة التي قالت إنها ستزود الأكراد بها التوازن العسكري بين داعش والبيشمركة، وحالة تحقق هذا فستعزز مطالب الأكراد بالاستقلال أو أي شي آخر، وحتى لو استطاع الأكراد حماية مناطقهم فهذا لا يعني بالضرورة أن لديهم القدرة والاستعداد لمواجهة داعش في المناطق العربية.
ثانيا لا توجد ضمانات لقيام الحكومة التشاركية في بغداد التي يرغب الأمريكيون والإيرانيون بقيامها أو أنها ستكون قادرة على شن هجمات قوية ضد داعش.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية