أوبزيرفر: الرابحون والخاسرون في حرب أوكرانيا الزائفة وبوتين حول نفسه إلى منبوذ دولي

إبراهيم درويش
حجم الخط
6

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “أوبزيرفر” مقالا لسايمون تيسدال قال فيه إن انتظار الغزو الروسي لأوكرانيا مثل “انتظار غودو”، ففي عملية المعالجة الروسية الجديدة لمسرحية صموئيل بيكيت، تم تصوير فلاديمير بوتين على أنه فلاديمير القلق، أما الرئيس الأمريكي جو بايدن فقد صور بأنه إستراجون الذي يمارس هواية الرمي ولكنه يغفو باستمرار. وما يهم في المسرحية هو الخداع المركزي في المسرحية وأن شخصا باسم غودو يتوقع حضوره في أية لحظة لا يحضر أبدا.

فبعد موافقة روسيا على المفاوضات توقع الأوكرانيون أن تتحول هذه الأحداث إلى مساهمة بوتين في مسرح اللامعقول. فقد زادت المواجهة بشكل كبير منذ تشرين الثاني/ نوفمبر لدرجة اعتقد فيها قارئ الفنجان بايدن بأن على روسيا “عمل شيء”، لكن هذا التكهن الذي يشبه تكهنات العرافة “ميستك ميغ” (في صحيفة صن) ليس صحيحا بالضرورة. فلا أحد يعرف، حتى بوتين ماذا سيحدث اليوم، غدا أو بعد شهر.

وهذا لم يمنع الحديث عن التهديد الوجودي ومناقشته باستمرار، فالرئيس بايدن يتحدث عن إنزال روسي على طريقة الحلفاء في “دي- دي” أثناء الحرب العالمية الثانية، مع أن المحللين يتوقعون أن أي هجوم سيكون سريعا وغير تقليدي يعتمد على القوات الخاصة والتخريب والحرب الإلكترونية، كما حدث في دونباس عام 2014. وفي الوقت الذي يتواصل فيه الانتظار السريالي، فمن المفيد تقييم الضرر الذي حدث وما كسبه الأفراد والدول من استمرار هذه الحرب الزائفة. فوزيرة الخارجية الألمانية الجديدة وزعيمة الخضر، أنالينا باربوك، التي تجاهلت النظرة الشوفينية لها بكونها امرأة وواجهت وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف المجرب، حتى عندما قابلته في موسكو.

وبالمقارنة فرئيسها المستشار الألماني أولاف شولتز يواجه وقتا بائسا وما سينجم عنه موقف برلين المعارض للعقوبات واعتراضه على تزويد أوكرانيا بالسلاح. مما أثار أسئلة حول كفاءته وقيادة ألمانيا لأوروبا. وبعد مقاومته إلغاء خط أنابيب الغاز “نورد ستريم2” للغاز الروسي عبر دول البلطيق يبدو أنه خنع في الأسبوع الماضي.

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يواجه انتخابات رئاسية في الربيع، فقد كان يكافح للموافقة بين طموحه حول “استقلال أوروبا” الإستراتيجي واستمرار اعتماده على الناتو ووسط السخريات القادمة من رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. وقال ماكرون “لن نتخلى أبدا عن الحوار مع موسكو”، لكن محاولات بناء الجسور تقوض دائما من نكوص بوتين عن وعوده والتي بدت عبر تسميمه المعارض الروسي أليكسي نافالني. لكن ماكرون لم يرتدع وواصل محاولاته التي يعتبرها “خفض التوتر” والبحث عن “حل أوروبي”.

والسؤال إن كان هناك حل أوروبي، وسط تصميم بوتين للتعامل مع الولايات المتحدة وليس الاتحاد الأوروبي الذي ينظر إليه باحتقار وتجاهله بشكل مقصود. وتم استئناف ما أطلق عليه “إطار نورماندي” في باريس، الأسبوع الماضي. لكن بروكسل هي الخاسر الأكبر في الحرب غير المعلنة بعد على أوكرانيا. والعكس صحيح بالنسبة للناتو، فقد تمت كتابة النعي للحلف المكون من 30 دولة العام الماضي وبعد الانسحاب المهين من أفغانستان. واعتبره ماكرون بأنه أصبح “ميتا دماغيا”.

والفضل يعود إلى الإستراتيجي الماهر بوتين فالناتو يشهد حالة نهضة مصغرة. فدول “المواجهة” في شرق أوروبا  حصلت بعد مناشدات بناء على مظلة الحماية من الناتو على قوات واسلحة جديدة. وتم إحياء المناقشات حول ضم فنلندا والسويد، وبشكل غير محتمل غيرت واشنطن حساباتها. وكتب بول تيلور أن “تبجح بوتين جر الولايات المتحدة وبشكل عميق إلى الأمن الأوروبي، وبعد محاولة رئيسيين أمريكيين متعاقبين حرف اهتمام الولايات المتحدة نحو الصين”، وهي إضافة لحليف بوتين، تشي جينبينغ الذي لديه نفس الشعور من تايوان كشعور بوتين من أوكرانيا.

واستفادت دول أخرى ديكتاتورية من هذه الدراما، فلم تعد إيران تواجه الضغوط ولا أحد من صناع السياسة الغربيين يركز انتباهه على ميانمار، اليمن أو التيغراي أو حتى تنظيم الدولة الإسلامية العائد في سوريا ومنطقة الساحل الأفريقي. ويلعب الرئيس الأوكراني بالصدفة، فولدومور زيلنسكي والذي كان نفسه كوميديا متجولا بدون قبعة الرامي الدور بشكل جيد أمام الرأي العام الأجنبي، دور الشجاع المستضعف. فقد تجاهل مسؤولون مثل وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس مظاهر القلق عن الفساد في أوكرانيا وعيوب الديمقراطية والنزعة المحاربة في دونباس.

وتحولت أوكرانيا رغم كل هذه العيوب إلى رؤية تبسيطية عن الحرية ضد الطغيان. ومع ذلك لم تحصل تراس التي استخدمت طائرة خاصة في تقليد لمارغريت تاتشر على حرب جيدة، فهي مثل سلفها دومينيك راب أثناء الانسحاب من أفغانستان، ذهبت للتمشي في أستراليا في وقت وصلت فيه أزمة أوكرانيا للذروة، في وقت كان عليها وجونسون الذي يواجه مصاعب دائمة قيادة الحملة في أوروبا. وماذا عن المهندس لكل هذا الوضع؟ وقالت الخبيرة الأمريكية بروسيا، فيونا هول إن بوتين انتصر حتى بدون أن يطلق رصاصة و”وضع الولايات المتحدة في المكان الذي يريده” و”سيد الإغراء القسري” كان يعمل على توسيع هدفه الأعلى لإخراج أمريكا من أوروبا والانتقام المتأخر لانهيار الاتحاد السوفييتي.

صحيح أن بوتين أجبر الولايات المتحدة للتركيز على مظاهر القلق الأمنية الروسية، بما في ذلك عمليات نشر في المستقبل لقوات الناتو إلا أنه سيواصل الضغوط في الوقت الحالي ليرى ماذا سيحصل عليه من تنازلات وعروض. لكن الولايات المتحدة لن ترضى بفرض حظر على عضوية أوكرانيا في الناتو أو تغيير ترتيبات الأمن الأوروبي ما بعد الحرب الباردة، ويعرف بوتين كل هذا. وفي الوقت الحالي أدت أساليبه القاسية  لتجميع الغرب المفكك ضد نظامه. وفي الوقت الذي يراقب فيه العالم بوتين، هدد بايدن بفرض عقوبات عليه شخصيا. ومثل لص الليل يحاول البحث عما يمكن أخذه، فقد حول الزعيم الروسي نفسه وبلده إلى منبوذ على المسرح العالمي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية