لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “أوبزيرفر” تقريرا أعده ديفيد كون، قال فيه إن مشروع قطر بمليارات الدولارات لاستقبال كأس العالم، يشير إلى تحول في الثروة والسلطة.
وقال الكاتب إن سيب بلاتر، رئيس الفيفا السابق، عندما سحب اسم قطر من المغلف المصيري ومنحها الحق لتنظيم مباريات كأس عام 2022، انتشرت حيرة عالمية رافقت الصدمة التي أحدثها القرار. وأدى الاحتجاج لاحقا إلى هزة أرضية داخل الفيفا أفقدت بلاتر منصبه وعددا من المسؤولين الكبار الذي عملوا في المنظمة لمدة طويلة، وكان وراء ذلك، الدهشة والشك من أن هناك عملية شراء أصوات لنقل أهم مباريات الرياضة إلى هذا البلد الصغير وغير المعروف، بحسب الكاتب.
واليوم، وقبل عام من بدء المباريات، باتت كرة القدم والعالم على معرفة باسم قطر، والتي تبدو أنها تقوم بتحقيق واحد من أهم الأهداف الرئيسية للمناقصة التي تقدمت بها كي تكون الدولة المضيفة. فالسنوات الـ11 التي مرت على اختيار الدولة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، شهدت تحقيقات في الفيفا بشكل أعاد تشكيل إدارة المنظمة الرياضية الدولية، وانتخاب جياني إنفانيتنو عام 2016 رئيسا والتركيز المستمر على العمال الذي يبنون ملاعب كرة القدم تحت الحر الشديد في الخليج.
واستطاع القطريون الانتصار رغم الحصار الذي فرضته الدول المجاورة لهم، وأكدوا أنهم لم “يشتروا” مباريات كأس العالم من خلال الفساد، وكرسوا أنفسهم لتحسين ظروف العمالة بالتنسيق مع منظمة العمل الدولية، وألغوا نظام الكفيل.
استطاع القطريون الانتصار رغم الحصار الذي فرضته الدول المجاورة لهم، وأكدوا أنهم لم “يشتروا” مباريات كأس العالم من خلال الفساد، وكرسوا أنفسهم لتحسين ظروف العمالة بالتنسيق مع منظمة العمل الدولية، وألغوا نظام الكفيل.
وأدى التصميم المستمر للتحضير وخلال ثلاثة أعوام من الحصار الذي فرضته السعودية وحلفاؤها الإمارات والبحرين ومصر الذي انتهى في كانون الثاني/ يناير، لإنشاء ثماني ملاعب مميزة تم بناؤها لكي تبث حول العالم من خلال صور التلفزة الرائعة عن الإنجاز القطري.
وقالت اللجنة القطرية العليا عن التحضيرات: “جهودها تعمل على رسم مستقبل أفضل لقطر والشرق الأوسط وآسيا والعالم عبر البناء والتعليم والكرة للتنمية ودعم الإبداع الإقليمي والالتزام بتحسين ظروف العمالة”. ويقول نيكولاس ماغيهان، المدير المشارك لمنظمة حقوق الإنسان الداعية لتحسين ظروف العمالة “فير سكوير”: “نرى أن هذا قد يؤدي إلى تحول علاقات العمالة في الخليج، وقد يكون هذا هائلا، ولكننا بعيدون عن التطبيق الفعال، وهناك الكثير من الشركات تقوم بمحاولة تخريب الإصلاحات على ما يبدو”.
وسواء كانت الطموحات الكبيرة هي تعزيز عالٍ لحدث ضخم لحدث كبير، أو أنها ستترك إرثا دائما، فإن استضافة قطر لكأس العالم هي تلخيص كبير للتحول الحديث في الصورة العالمية، التأثير، الثروة والسلطة لدول النفط والغاز الطبيعي. وزاد هذا التأثير في مجال الكرة منذ عام 2010 حيث ظهر تحديدا في بريطانيا، القوة الإمبريالية السابقة التي خرجت من الاتحاد الأوروبي وتتطلع اليوم لاتفاقيات تجارة.
وأيا كانت حقيقة الاتهامات التي قُدمت في عام 2020 أمام محكمة أمريكية من أنه تمت رشوة مسؤولي الفيفا في أمريكيا الجنوبية، والتي تنفيها اللجنة العليا القطرية، فيما أكد بلاتر نفسه أن التصويت الأهم، نجم عن التأثير السياسي وليس بسبب “الكولسة” خلف الأبواب.
وصوّت ميشيل بلاتيني، رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في حينه، وبقية الدول الأوروبية الرئيسية لقطر وليس للولايات المتحدة، بعد أن دعي أسطورة الكرة الفرنسية إلى غداء مع الرئيس السابق نيكولاس ساركوزي والشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر الحالي، في قصر الإليزيه قبل تسعة أيام من التصويت. وقال بلاتيني إنه اتخذ قراره قبل الغداء، لكنه اعترف أن ساركوزي كان يميل نحو قطر. وقال ساركوزي إنه لم يكن لديه هذا التاثير، لكن الصفقات التي تبعت ذلك كانت من صالح الرئيس الفرنسي. فقد طلبت خطوط الطيران القطرية 50 طائرة إيرباص وبدأت قطر استثماراتها الكبرى في الكرة الفرنسية.
وقامت “قطر للاستثمارات الرياضية” بشراء نادي باريس سان جرمان عام 2011، وضخّت مليارات الدولارات التي حولت سان جيرمان إلى “سوبر” حافل بالتميز والمواهب التي جندها.
واهتمت قناة “بي إن سبورت” التي كانت أصلا جزءا من شبكة “الجزيرة” وبطريقة غير مسبوقة بمسابقة الدوري الفرنسي. وتوسع تأثير “بي إن سبورت” في مجال كرة القدم، حيث اشترت حقوق بث مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز، ودفعت العام الماضي نصف مليار دولار للفترة ما بين 2022- 2025 ولديها عقد مدته ثلاثة أعوام بقيمة 600 مليون دولار مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لبث مباريات دوري أبطال أوروبا.
وأصبحت قطر للطيران، أول شركة تدعم نادي برشلونة في 2013، ودعت نادي بايرن ميونيخ بالإضافة للهيئات الرياضة للاتحاد الأوروبي لكرة القدم والفيفا التي وصلت الصفقة معها كما قيل إلى 200 مليون دولار. ويمكن تلخيص رحلة الكرة لقطر من المجهول، ودولة خارجة لكي تحصل على امتياز تنظيم كأس العالم، إلى دولة تتمتع بتأثير كبير من خلال شخصية ناصر الخليفي، رئيس نادي نادي سان جيرمان، وهيئة الاستثمار الرياضي وقناة “بي إن سبورت”.
وتم تقليد استراتيجية قطر القائمة على عرض الصورة الوطنية عبر الرياضة إلى جانب التأثير المالي من قبل الدول المنافسة لها. فقد اشترت أيو ظبي نادي مانشستر سيتي والمجموعة الدولية “سيتي فوتبول غروب”. ودعمت دبي من خلال طيران الإمارات أندية آرسنال وريال مدريد وميلان وأف إي كاب، بالإضافة إلى عدد من الأندية الرياضية الأخرى وسباق “تور دي فرانس”.
وأخذت السعودية وقتا كي تربط نفسها بالرياضة، وعندما عرضت هيئة الإستثمارات العامة شراء نادي نيوكاسل يونايتد، كان من الواضح أن بوريس جونسون وحكومته شجعوا الخطوة، بدلا من الاعتراف بما أشارت إليه “أمنستي انترناشونال” من أن المحاولة هي عملية تبييض رياضي من نظام متهم بانتهاكات حقوق الإنسان.
تقدم قطر لتنظيم كأس العالم كان واحدا من عناصر استراتيجية واسعة للخروج من ظل السعودية وتقديم رؤية الدوحة الخارجية
وفي نفس اليوم الذي أقر فيه الدوري الإنكليزي الصفقة، أعلنت الحكومة البريطانية عن مشاورات مع السعودية بشأن صفقة تجارية بالإضافة لقطر والإمارات والدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي. وتحدثت عن تصدير “لحوم الضأن والبسكويت والشوكولاتة” إلى دول الخليج، وعبّرت في الوقت نفسه عن أملها بقيام دول الخليج بالاستثمار في الصناعات الحيوية البريطانية. وقبل شهر، وافقت هيئة الاستثمار الإماراتية “مبادلة” باستثمار 10 مليارات جنيه إسترليني في بريطانيا. وحضر توقيع الاتفاقية في 10 داونينغ ستريت أمام جونسون وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، وخلدون المبارك كرئيس لنادي مانشستر سيتي.
وترى سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن تقدم قطر بالمسابقة لتنظيم كأس العالم كان واحدا من عناصر استراتيجية واسعة للخروج من ظل السعودية وتقديم رؤيتها الخارجية، “أنظر إليها كبحث عن الأهمية وأن تكون أكبر في العالم وحماية أمن دولة قطر في الداخل” و”يعلم كأس العالم طموحهم لإظهار القوة والشعور لمواطنيهم أنهم مهمون على المسرح العالمي”.
وقال حسن الثويدي، الأمين العام للجنة العليا، إن نفقات قطر على البنية التحتية منذ عام 2010 بما في ذلك خطوط مترو جديدة، ستصل إلى 200 مليار دولار، وأن الكلفة المباشرة لكأس العالم ستصل إلى 6.5 مليار دولار. وكان هذا الالتزام غير متصور عندما فتح بلاتر مغلف الدولة الفائزة، وبعد عام من الآن ستحظى الدولة الصغيرة والغنية بانتباه العالم.