“أوبزيرفر”: بين لغة ترامب الانعزالية وطموحات الدولة الأقوى… أمريكا تحاول الانسحاب من العالم

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”:
في تحليل كتبه المعلق في صحيفة “أوبزيرفر” سايمون تيسدال بدأه بالحديث عن النزعة الأمريكية القديمة الجديدة للابتعاد عن مشاكل العالم، حيث عارض الأمريكيون مشاركة بلادهم في الحربين العالميتين. مشيراً إلى أن النزعة نحو العزلة مغروسة في النفسية الأمريكية بدرجة تجعل من دعوة الرئيس دونالد ترامب لفك ارتباط بلاده مع العالم تحت شعار “أمريكا أولاً” التمظهر الأخير من إبعاد أمريكا عن “الحروب الخارجية” التي حذر منها الرئيس جورج واشنطن في خطاب الوداع الذي ألقاه في عام 1796.

 “أوبزيرفر”: : الحنين للعزلة يتناقض مع القوة الأمريكية والرغبة الوطنية لإظهار القوة واستعراضها على الساحة العالمية ونشر القيم الأمريكية ومصالحها من خلال قيادة العالم.

ويعلق تيسدال أن الحنين للعزلة يتناقض مع القوة الأمريكية والرغبة الوطنية لإظهار القوة واستعراضها على الساحة العالمية ونشر القيم الأمريكية ومصالحها من خلال قيادة العالم. ووصلت هذه الرغبة ذروتها في تسعينات القرن الماضي عندما انفجر المنافس الحقيقي لها وتفكك، أي الاتحاد السوفييتي بدرجة منح الولايات المتحدة راية القيادة للعالم وبدون منافس. وبنظرة سريعة لصعود الصين يعطي فكرة أن حس قيادة العالم كان غير دقيق. وربما لأن الولايات المتحدة تواجه منافساً حقيقياً فإنها تقوم وبطريقة مجازية بالتراجع وتعيد دفة العربة نحو مربطها في الداخل. ويرمز لهذا إعلان ترامب الأسبوع الماضي عن الدرع الصاروخي وإصراره على بناء جدار مع المكسيك. ورغم كل هذا فالحس القديم والرغبة بالقيادة لا تزال قائمة، وهو ما كشفت عنه زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو إلى المنطقة الأسبوع الماضي والتي جاءت على خلفية إعلان الرئيس ترامب سحب قواته من سوريا. ويخشى السعوديون، ولهم أسبابهم من أن الانسحاب هو مقدمة لفك ارتباط أمريكا بالمنطقة. والرئيس ترامب صريح في كلامه بترك ساحات حرب لا يمكن الانتصار فيها بالشرق الأوسط وأفغانستان. ومن هنا فالإشارات التي قدمها بومبيو متناقضة مع سياسة الرئيس المعلنة. ففي خطابه في القاهرة صور أمريكا بأنها قوة للخير ومستعدة للوقوف إلى جانب شركائها خاصة في مواجهة إيران.
ولاحظ المحلل دانيال ديبترس إن “تعليقات بومبيو حافلة بالحكايات والبلاغة المبهرة والتي لا تعجب إلا الذين ينادون بالخصوصية الأمريكية” وبمعنى آخر فإن “باكس أمريكانا” حية بل منتعشة. وهذا التناقض بين دعوة الرئيس وتصريحات وزيره من السهل ملاحظته من خلال الدور الذي لعبته أمريكا في تغذية وتجاهل الحرب في اليمن. ولم يثر الانتباه لدعم ترامب للحرب المدمرة هناك سوى مقتل الصحافي جمال خاشقجي. وعلق بومبيو قائلاً إن الولايات المتحدة ستتدخل عندما تشعر أن مصالحها مهددة. وقدم دعماً متأخراً للعملية التي تقودها الأمم المتحدة. ويواصل قائلاً إن تراجع الضغط عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المتهم بالتوجيه لقتل خاشقجي يظهر الاضطراب الإجمالي بشكل أوضح. فمحادثات السلام اليمنية تقترب من الانهيار واندلعت اشتباكات جديدة بين الأطراف المتنازعة ويواجه المدنيون مخاطر وأمريكا تقف متفرجة على الوضع وتلقي اللوم على إيران تاركة المهمة لبريطانيا لكي تقدم مشروع قرار في الأمم المتحدة. وليس أوضح من سياسة الكيل بمكيالين المنافقة من موقف الإدارة من العملية السلمية بين إسرائيل- فلسطين. فلطالما تباهى ترامب بأن لديه الحل الشافي للأزمة المندلعة منذ 70 عاماً إلا انه حول المهمة لصهره ومستشاره جارد كوشنر الذي يفتقد الخبرات الدبلوماسية وحل النزاعات.
واقترح السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون أن الخطة التي طال انتظارها سيعلن عنها هذا الشهر إلا أن الصمت يحوم حولها. وهناك شكوك من الجهود الجديدة الحيادية لحل الأزمة ما هي إلا غطاء لإخفاء لامبالاة ترامب. فالسياسة الأمريكية خلال العامين قامت على منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما يريد من الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها والسماح له بحرية الحركة وضرب سوريا حسبما يريد. وفي الوقت نفسه تواجه في غزة أزمة صحية ومشاكل تمويل وأمن بحيث أصبح المأزق مميتًا.
ويرى الكاتب أن لا مسؤولية، لا مبالاة وعدم تناسق أفعال الرئيس ظللت الإزداوجية العميقة في السياسة الأمريكية. فقد تحدث بعاطفية ضد ضربات الكيميائي التي شنها بشار الأسد ضد مواطنيه وعاقبه بعدد من صواريخ كروز ولكنها كانت مرة واحدة. فالانسحاب من العراق وسوريا ونهاية الحرب على تنظيم الدولة تقترب من نهايتها. وفي النهاية فكلام الرئيس المزدوج -المنافق لا ينحصر في الشرق الأوسط، ففي نهاية الأسبوع أعلن عن قمة ثانية بين الرئيس صاحب الأنا المتضخمة والرئيس الكوري الشمالي، رغم عدم حصول تقدم ملحوظ في قضايا تنظيف كوريا الشمالية من برامجها النووية. ويزعم الرئيس ان القمة التي عقدها العام الماضي في سنغافورة حققت نجاحاً ولكن وفي كل الأحوال فما يصدر عن الرئيس كلام وليست أفعالاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية