يحيي بن الوليد
مرة أخري فعلتها باقدامي، في مختتم الأسبوع الماضي، علي حجز تذكرة الدرجة الأولي في قطار من قطاراتنا المغربية المباركة التي كانت متوجهة من العاصمة الي مدينتي الصغيرة أصيلة الغافية علي شاطئ الأطلسي. وفي الحق ما كنت لأقدم علي هذه الخطوة لولا حصولي علي مبلغ مالي شبه محترم مكافأة لي علي مقال كنت قد نشرته خلال العام الماضي في احدي المجلات الثقافية الحكومية؛ موازاة مع ـ وقد يكون هذا هو الأهم ـ الوعد الذي كنت قد قطعته، في صباح اليوم نفسه، مع الصديق والحقوقي عبد اللطيف شهبون علي أن نلتقي في القطار نفسه (قطار السادسة والربع) والدرجة ذاتها حتي نستأنف حواراتنا الكثيرة التي لا تحيد ـ وفي الأغلب الأعم ـ عن الشأن السياسي اليومي الذي نجد أنفسنا في غماره دون وعي منا.
ولم أتفاجأ بعد وجود الصديق عبد اللطيف شهبون في القاطرة الوحيدة التي كانت تأوي الأوائل، وخمنت أن الأمر يعود الي اجتماعات منظماتنا وأحزابنا واطاراتنا الثقافية التي كثيرا ما لا تستغرب المدة الزمنية المتفق عليها من قبل. ولذلك حجزت مقعدي المحدد عملا بالرقم المثبت في تذكرتي وتفاديا لأي سوء تفاهم محتمل مع شخص قد تكون أجواء العاصمة ــ أو بالأدق اداراتها المحترمة ــ قد أججت درجات الضغط أو الدم أو السكر أو الكوليستيرول… فاختار راحة الدرجة الأولي غير المتوفرة في الدرجة الثانية، وبالتالي كنت عرضة له. وقبالة مقعدي كانت تجلس شابة ترتدي حجابا عصريا وبجوارها شاب لا يقل عنها سنا، وقد بدا من لباسهما وحركاتهما أنهما في سفينة ما تنعته ثقافتنا الشعبية بـ شهر العسل الذي نأمل له أن لا تعقبه أعوام البصل. وبجوار الشاب كان شاب آخر يظهر أنه لم يتجاوز عقده الثالث بعد، وقد لفتت انتباهي الكتب الأجنبية التي كان يلتهم أحدها. ومقابل هذا الشاب كانت شابة أخري لم تتجاوز عقدها الثاني بعد، كانت منهكة… ولذلك خلدت الي نوم خفيف كانت تكسره المحطات المتناثرة التي يتوقف فيها القطار، واستمرت علي حالها الي أن حطت الرحال بمدينة سيدي سليمان.
بدا لي أنني الأكبر، والأهرم، ولذلك لم أجد بدا من اخراج كتاب الحرب الباردة الثقافية الذي تعرض فيه صاحبته الأمريكية فرانسيس ستونر سوندرز، وبدقة فائقة، استراتجيات المخابرات المركزية الأمريكية في الميدان الثقافي في العالم بأجمعه. وبينما كنت غاطسا في قراءة الكتاب علي غرار الشاب الآخر كانت الأيادي المقابلة لي تتشابك من حين لآخر وعلي ايقاع قبلات سريعة ومتفرقة كان الضوء الخافت للمقصورة جديرا بأن لا يكشف عن دقائقها. قلت بيني وبين نفسي كل شيء مباح في كرنفال القطار الذي نلتقي فيه بأناس لا نعرفهم عادة، وخصوصا من قبل أولئك الذين لا يكترثون بالآخرين.
وظللنا علي حالنا الي أن أخذ القطار يعلن عن اقترابه من مدينة سيدي قاسم التي تمثل مفترق طرق أو سكك حيث سنأخذ في الحديث بشكل جماعي وكأننا نلبي الرغبة الدفينة التي قمعناها علي مدار المسافة الطويلة من الرباط الي هذه النقطة. وكانت المفاجأة أن تدخل الشاب بالفرنسية مع أن ملامحه دالة بقوة علي الدم العربي النبيل، وهذا ما قلته فورا، بل وربطت له المسألة بـ العولمة بـ آلياتها التفكيكية التي لم تعد تفرض أي نوع من الاستغراب. وكان رده اللبق، والمحفوف بابتسامة وديعة، أنه لا يفهم الا كلمات معدودة من العربية. وفي هذه الأثناء تدخلت المتحجبة مفككة صمتها بفرنسية طليقة ومزلزلة… ومستغربة ـ في الوقت نفسه ـ لحشري له في عشيرتنا. وفي هذه اللحظة كان القطار قد توقف في محطة سيدي قاسم ليصعد أربعة شبان، وتضطر هذه الأخيرة ورفقة عشيقها الصغير الخجول لمغادرة المقصورة الي مقصورة أخري لقوة قانون الأرقام موصية الشاب الفرنسي بصوت خفيض بأن يحتاط وأن ينتبه لحقائبه. خمنت أن حوارا من نوع ما قد ضاع… مع شابة بدا أنها قادرة علي أن تقود القطار بأكمله لا الشاب وحده.
ولمجرد أن علم هؤلاء الشبان أن الجالس معنا فرنسي اشتعل النقاش، بل وأخذت وتائر هذا الأخير تتصاعد كالنار في الحلفاء. وكان محوره قطارات بعض المدن الفرنسية التي زارها اثنان من هؤلاء، فاضطررت للصمت طالما أنه لا علم لي بمدن فرنسا. فجميع هؤلاء كانوا يتكلمون بفرنسية بعيدة كل البعد عن فرنسية المحتجبة غير أنها تؤِدي المقصود لعبد المقصود. وقد قدموا له أنفسهم بأنهم من مدرسة المهندسين بالرباط وأنهم كانوا في تدريبات عسكرية بمدينة الحاجب. وتذكرت ما كنت، قد سمعته في أيام العز الطلابي، عن مدرسة المحمدية وأبراهام السرفاتي… وهذه قصة أخري. المهم، أو علي الجانب الآخر، كشف لهم الشاب علي أنه طبيب من منظمة بلا حدود، وأن مهامه بالمغرب هي تقديم المساعدات الطبية للمهاجرين الأفارقة غير الشرعيين. وبما أنه لا مجال في القطار لشيء آخر من غير النقاش، وبما أن النقاش مع الشبان لا يمكنه أن يسير في جميع الاتجاهات… فقد بدا الاسلام سيد النقاش في معركة غير متكافئة الأطراف.
ولم تكن تخفي علي الطبيب الفرنسي الشاب أشياء كثيرة بحكم ــ وكما قال ــ طبيعة عمله التي قادته الي بلدان افريقية وآسيوية عديدة، وهو ما كانت تدل عليه بعض الكلمات العربية التي كان يرددها من حين لآخر. غير أنه بدا، وفي ركنه، مندهشا من تدافع أفكار هؤلاء الشبان الكاشفة عن حسن نية بل ــ وللحق ــ عن لون أبيض أكثر من البياض كما كنت قد قرأت علي التو في الكتاب سالف الذكر. فكل شيء ــ في نظرهم ــ موجود في كتاب العربية الأكبر، وأن الكتب السماوية الأخري قائمة علي التحريف… ومن ثم فهي لا ترقي الي عظمة النص القرآني. وفي هذا الصدد أجهدوا أنفسهم بالتنقيب علي كشوف عديدة، مستقاة من البر والبحر والجو، كان الاسلام ــ في منظورهم ــ قد برهن عليها قبل قرون. وكما قدموا له جردا من الأسماء الغربية التي أنهكها الالحاد فدخلت دار الاسلام، وبما في ذلك البحار الفرنسي الشهير كوستو. وقد استغرب الفرنسي أن يكون ابن جلدته هذا قد أسلم. ولم أندهش، وبالنظر الي وتيرة الحوار المتزايدة، أن يدعوه أحد هؤلاء الي قراءة النص القرآني التي ستفضي به حتما الي معانقة الاسلام. غير أن هذا الأخير استبعد الأمر، وأنه ظل، ومنذ وقت بعيد، يفكر في قراءة القرآن. وبسبب من محاولتي استيعاب الأشياء ظللت علي حال من الصمت والحياد، وحتي أسهم في النقاش، بادرت ناصحا اياه بأن يقرؤه في ترجمة المستشرق الفرنسي جاك بيرك. وكانت خلاصتي: تلك هي نظرية السبق الحضاري التي يردده آخرون من علمائنا الأجلاء لا هؤلاء الشبان الأبرياء فقط، نظرية السبق الحضاري لا الفوات الحضاري الذي تدعمه أرقام الواقع ومعادلات الاستبداد السياسي والكساد الاقتصادي والبلوكاج الاجتماعي.
وليس من شك في أن هؤلاء الشبان، ولا سيما من المتفوقين والمتحدرين من الأقسام التحضيرية، من تستوعبهم معاهد وكليات العلوم والطب والهندسة… ومن الذين يكونون صيدا ثمينا و وقودا لاهبا للحركات الاسلامية والمتطرفة منها علي وجه الخصوص. وفي هذا الصدد تذكرت ما كنت قد قرأته حول الموضوع نفسه: وأقصد، هنا، الي ما كان قد قاله أحد دارسي الحركات الاسلامية، وأظنه محمد الشرفي، بخصوص هذه المعاهد والكليات التي تكتفي بتدريس هؤلاء المعادلات الرياضية والمظاهر الفيزيائية والأشكال الهندسية لكن دون أن تقدم علي تدريسهم مبادئ فلسفة اعلم ذاتها التي قد تمكنهم من التربية علي فضيلة النقد لكي لا نقول النقد الجذري. وفي الوقت نفسه تذكرت مواطن الطبيب الفرنسي المحلل والمختص في حريق الحركات الاسلامية في شمال أفريقيا جيل كيبيل وما كان قد نعته، في كتابه يوم الله، بـ الاسلام التحتي في شبكاته المتناسلة. ولم تكن المقصورة، والقطار عامة، الا شبكة ضمن هذه الشيكات التي كانت تحكم هؤلاء الشبان في عنفوانهم وعز حياتهم. أجل لقد كان هؤلاء يناقشون بأسلوب أبعد عن الحقد و المكر و التشنج الذي يطبع نقاشات العديدين سواء من الصغار أو الكبار من المطلعين علي حواشي حواشي… الحواشي. أسلوب قوامه الاحترام لا المغضوب عليهم أو قوامه التي هي أحسن بدلا من التي هي أقمع اذا جازت عبارة جابر عصفور أحد المثقفين من المتنورين العرب المعاصرين النادرين. غير أن هؤلاء، ورغم أسلوبهم المتسامح الذي قد ينهار بسرعة في غليان تظاهرات رحاب الكليات وساحات الشوارع، يظلون، وفي النظر الأخير، تجسيدا لـ خطاب لا يفصل بين الدين ومجلات الحياة المتنوعة وبالقدر نفسه لا يميز بين الأنساق واختلاف الشعوب والحضارات والثقافات. وتلك هي آفة أو آفات الأسلمة: أسلمة الآداب والفنون والعلوم… بل والعصر بأكمله. ومن ثم منشأ الاسلام السياسي، ونبرة الاختلاف في الدرجة لا في النوع. وتلك هي الأفكار التي تتحول، وفي حال توفر الظروف والفرصة، الي قنابل بشرية في القطارات والطائرات.
في الواقع لم أكن في حاجة الي المزيد من الانصات، وأكثر، لمثل هذه الأفكار؛ ولذلك، وبمجرد ما أخذ القطار يقترب من محطة أصيلة، وبعد أن حييت الجميع، حتي أخذت أقترب من الباب لأفاجأ بعبد اللطيف رفقة الدكتور النشناش في المقصورة المحاذية للباب، ولأقول له كان المضيف يدعي غير عبد اللطيف اذا جاز أن أعكس صيغة الشعر العامي المصري. غير أنه كان عليَ النزول في محطة أصيلة بدلا من مواصلة الرحلة في كرنفال من نوع آخر الي عروس الشمال.
ذلك هو المغرب الهجين و اسلام القطارات. كاتب من المغرب