في محاضرة للسفير اللبناني في مكتبة الإسكندرية:
الإسكندرية ـ ‘ القدس العربي’ ـ من محمود قرني ألقى الدكتور خالد زيادة، سفير لبنان في القاهرة ومندوبها الدائم في جامعة الدول العربية، محاضرة في مكتبة الإسكندرية بعنوان ‘ أوروبا والعالم الإسلامي.. قراءة في إشكاليات الحوار’. وقال زيادة إن العديد من المؤلفات والدراسات التي كتبها عرب ومسلمون وأوروبيون وغربيون منذ قرن من الزمن وإلى يومنا هذا تمحورت حول العلاقة بين العرب والإسلام من جهة وأوروبا والغرب من جهة أخرى، مشيرا إلى أن أغلب الإنتاج الثقافي العربي هو تعبير عن الإشكالية التي تحكم علاقتنا بأوروبا والغرب.
وأضاف أن التفكير العربي ـ الإسلامي أصبح أسير العلاقة بيننا وبين الغرب وذلك حين شعر المسلمون بأن ‘ الآخر’ متفوق وترجم تفوقه انتصارا وذلك بداية من الحقبة الاستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لافتا إلى أن شعوب الإسلام ما زالت أسيرة عدد من الثنائيات، منها: التقدم والتأخر، وصراع الشرق والغرب.
ونوّه زيادة إلى أنه ليس ثمة شعب من شعوب العالم يملك هذا التاريخ المشترك مع أوروبا مثل الأتراك والعرب من المسلمين، مضيفا أنه تاريخ طويل يمتد 14 قرنا من الصراعات والحروب وتبادل البضائع والأفكار والمؤثرات وانتقال الأفراد والجماعات عبر ضفتي المتوسط. وأشار إلى أنه لا يمكن إنكار دور الإسلام والمسلمين في تشكيل هوية أوروبا ونهضتها الفكرية في القرن الثالث عشر الميلادي، إضافة إلى دور أوروبا في تطور العالم العربي والإسلامي الحديث.
وأكد أن الآداب العربية ـ الإسلامية انطوت على تجاهل أوروبا، كما أن أعمال المؤرخين والجغرافيين لم تكن تذكر سوى شذرات مختصرة عن أقاليم أوروبا وممالكها، بل إن الحروب الصليبية لم تثر انتباه المسلمين الذين عاصروها، ولم يهتم المؤرخون العرب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين بالشعوب التي شاركت في هذه الحروب. وألمح إلى أنه رغم التوغل العثماني في داخل أوروبا الشرقية والوسطى، إلا أن المعلومات عن أوروبا لدى المسلمين بقيت قليلة في الوقت الذي دخلت فيه العلاقات مع الدول الأوروبية طوراً من الواقعية السياسية.
وفي مقابل ذلك، شدد زيادة على أن حضور الإسلام في الوعي الأوروبي كان أكبر بكثير من وعي أوروبا لدى المسلمين، مدللا على ذلك بأن إدراك أوروبا لسيرورتها التاريخية يمر عبر واقعتين تمجدهما الذاكرة الأوروبية؛ وهما: معركة بلاط الشهداء أو معركة بواتييه عام 732 ميلادية، ومعركة ليبانت البحرية عام 1571، والتي تعتبر في طبقة من طبقات الوعي الأوروبي بمثابة خاتمة الحروب الصليبية.
وقال سفير لبنان في القاهرة إن تأثير الإسلام في أوروبا يتخطى تلك الواقعتين التاريخيتين إلى أبعد من ذلك؛ إذ أنه وفقا للمؤرخ الإنكليزي مونتغمري واط، فإن التهديد الإسلامي في الأندلس قد أيقظ الهوية الأوروبية وربطها بالمسيحية؛ حيث أبرز الخوف من الإسلام نزعات التشدد لدى الأوروبيين، وأحيا لديهم العادات المرتبطة بالإيمان المسيحي، وأبرز لديهم الخشية على لغتهم اللاتينية الجامعة، والخوف من ضياع ثقافتهم، وهو ما يشهده العالم الإسلامي الآن في علاقته بالغرب.
وأورد خالد زيادة نصا للقس الكاثوليكي الفارو عام 854 ميلادية قال فيه ‘ يطرب إخواني المسيحيون لأشعار العرب وقصصهم فهم يدرسون كتب الفقهاء لا لتفنيدها بل للحصول على أسلوب عربي صحيح ورشيق، فأين تجد علمانيا يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة (…) إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب ليسوا على علم بأي أدب أو لغة غير العربية، فهم يقرؤون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف’. ولفت إلى أن تاريخ الجوار الإسلامي الأوروبي يمكن النظر إليه بالنسبة لمؤخري الحقبات الطويلة باعتباره حلقات من الفعل ورد الفعل، كما أنه يمكن تقسيمه إلى مرحلتين، لعب الإسلام بعلومه وتقنياته وأفكاره دورا في نهضة أوروبا في نهاية القرون الوسطى، لتعود أوروبا بعلومها وأفكارها لتلعب دورا في نهضة العالم الإسلامي في بداية العصور الحديثة.
وأضاف أن أوروبا ابتدعت علمي الأنثربولوجيا والاستشراق في سبيل اكتشافها أو إعادة صياغتها للعوالم الحضارية القديمة والمعاصرة من اليونان والرومان إلى حضارات الهند والصين والإسلام والعرب والفرس فضلا عن حضارات الأمريكتين وافريقيا وأستراليا، إذ أن هذين العلمين كانا بمثابة أداتي معرفة هي حصيلة تمدد أوروبا في العالم.