أوروبا في مرحلة ما بعد كورونا: وحدة اقتصادية وحزمة إنقاذ للحفاظ على الاتحاد أم تفكيكه؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لأول مرة سيقوم الاتحاد الأوروبي باقتراض مبالغ ضخمة

كشف وباء فيروس كورونا عن مظاهر القصور في اقتصاديات أوروبا، وأثار سؤالا جوهريا حول شرعية وديمومة التسوية الاقتصادية الأوروبية الحالية، وهو ما دعا للنظر في التعاون الأوروبي الذي بدأ في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية باتجاه خلق سوق حرة مشتركة واندماج كامل في اقتصاديات القارة من خلال العملة الموحدة والسوق الحرة وحرية العمالة بين دول الاتحاد الأوروبي. ورغم تعرض فكرة الاتحاد للشك بعد خروج بريطانيا منه في استفتاء عقد عام 2016 وتصاعد الأحزاب الشعبوية المحلية الرؤية والمعادية في فكرتها للمهاجرين والعمالة، إلا أن وصول فيروس كورونا عرى المخاطر التي تواجهها الفكرة الأوروبية، ذلك أن الإغلاق العام والمشاكل الاقتصادية التي واجهتها دول الاتحاد أدت إلى تدخل الدولة القومية في مواجهة الفيروس بعيدا عن آلية موحدة، حيث صار هم كل دولة الحفاظ على مواطنيها وتوفير الدعم الصحي لهم. وبدأ الشك في المنظومة الأوروبية في إيطاليا التي كانت في مقدمة الدول الأوروبية التي ضربها الفيروس وعانت إصابات ووفيات كبيرة. ووجدت نفسها وحيدة تواجه الوباء بدون دعم من جيرانها الذين قرروا الاحتفاظ بالمواد الطبية والواقيات لأنفسهم وفرقهم الطبية. وجاء الدعم لإيطاليا من الصين وروسيا.

تدخل الدولة

وكان تحول دول القارة للدفاع عن الاقتصاد الوطني بحزم مساعدة للعاملين الذين أجبروا على البقاء في البيوت والمحلات التي أغلقت بسبب الحظر، امتحانا لفكرة العولمة التي ضربها الفيروس وأدت إلى تدخل قوي للدولة. ومع أننا لم نشاهد بعد الآثار الكاملة للوباء إلا أن نقاشا جرى حول حجم الأزمة والرد عليها والتي ستقود إلى إعادة تقييم واسعة في دور الدولة بما يتعلق بالسوق. فهل ستقود الأزمة إلى دعوات لإعادة النظر في تنظيم الاقتصاد بطريقة تختلف عن تلك السائدة منذ نهاية الحرب الباردة؟ وبعبارة مختصرة هل سيقود كوفيد-19 إلى نموذج جديد للاقتصاد السياسي في أوروبا؟ وكما لاحظت دراسة نشرها المعهد الدولي للدراسات الدولية “تشاتام هاوس” في لندن الشهر الماضي، فإن هناك إشارات قوية عن التحول في المواقف. فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ضرورة إعادة تشكيل الرأسمالية وتقوية “سيادة الاقتصاد” الوطني والأوروبي من خلال الاستثمار في مجال التكنولوجيا العالية والطبية. أما المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل فتريد معالجة تركز سوق مواد الحماية الطبية في آسيا. ومررت الحكومة الإسبانية برنامج الحد الأدنى من الدخل لحماية العائلات الأكثر ضعفا ولتعزيز الشمول الاجتماعي وحماية العمالة. وبعد قيام الدول الأوروبية باتخاذ إجراءات أو تجربة أخرى على المستوى الوطني توقعت مجلة “إيكونوميست” ظهور تسوية جديدة فيما دعت صحيفة “فايننشال تايمز” إلى نموذج جديد.

إعادة النظر

وتشي الإجراءات التي لجأت إليها الدول الأوروبية بأن مرحلة ما بعد كوفيد-19 ستقود إلى إعادة النظر في الاقتصاد السياسي الأوروبي. وفي الوقت الذي يظهر فيه التقدم فيه نحو الوحدة الأوروبية المشتركة والتي ذهبت بعيدا عما تمنحه العولمة من فرصة لدمج الأسواق العالمية، حيث حاول الاتحاد من خلال السوق المشتركة والعملة الموحدة وإنشاء المصرف المركزي الأوروبي الحد من قدرة الأعضاء على التدخل في السوق، إلا أن الرد المتباين على الأزمة طرح أسئلة حول نجاعة الوحدة الاوروبية التي كانت محل نقاش منذ فشل الاتحاد في التوافق على خطط لمواجهة تدفق المهاجرين عام 2015 واختلاف السياسات الخارجية كما هو واضح في الخلاف حول ليبيا والذي تشارك فيه فرنسا وإيطاليا واليونان باعتبارها دولا ذات مصالح. إلا أن أزمة فيروس كورونا مختلفة لأن الأزمة الاقتصادية عامة على الجميع ولهذا يجب أن تشمل أي خطة إنعاش وتعافي للاقتصاد الجميع. صحيح أن الدول ذات الدين القليل والإصابات القليلة مثل ألمانيا وهولندا تستطيع الاعتماد على نفسها مقارنة مع الدول المدينة وذات الإصابات العالية مثل إيطاليا وإسبانيا، وبدون دعم مالي فستواجه الدول هذه ركودا اقتصاديا سيضرب الكل. وضمن هذا السياق يمكن فهم الاتفاق الذي وقعه قادة أوروبا حول رزمة إنقاذ بقيمة 750 مليار يورو (869 مليار دولار) والتي ستساعد دول الاتحاد على مواجهة تداعيات ما بعد كورونا. وكانت الحزمة بمثابة رد موحد ضد ما يثار من شكوك حول عدم قدرة قادة أوروبا على التعاون معا.

وعلقت مجلة “إيكونوميست” (25/7/2020) على الاتفاق بأنه مهم ولكنه لا يزيل المخاطر. فهو من ناحية يقوي الاتحاد الأوروبي بطريقة لم يتخيلها أحد منذ سنوات. وتمثل الحزمة نسبة 5 في المئة من الناتج المحلي العام وسيتم إنفاقها على عدة سنوات وتقدم منحا لا قروضا. والسؤال يظل حول كيفية جمع المال اللازم. فلأول مرة سيقوم الاتحاد الأوروبي باقتراض مبالغ ضخمة. وعبر زيادة النفقات العامة للاتحاد في السنوات السبع المقبلة من 1.1 تريليون دولار إلى 1.8 تريليون دولار فسيكون لدى أعضاء النادي الأوروبي سلاح قوي لمنع الركود الاقتصادي ودعم أدوات المصرف المركزي الأوروبي. وربما حاول الاتحاد منح المفوضية الأوروبية سلطة جمع الضريبة لدفع الديون المترتبة على الحزمة. وتعتقد المجلة أن ما جرى لا يعد تحولا كبيرا مقارنة مع ما حدث في الولايات المتحدة عام 1790 وقاد إلى إنشاء الحكومة الفدرالية. فالحزمة لا تجمع بين ديون الدول الحالية ولا تقوم بإنشاء مؤسسات جديدة مثل تلك التي أنشئت أثناء أزمة اليورو. فمن ناحية يمثل الاتفاق سابقة يمكن أن تتكرر في كل حالة طارئة. ومن جهة أخرى سيواجه الاتحاد الأوروبي مفاوضات صعبة في كل مرة يريد فيها الاقتراض. وما كشفت عنه القمة الأوروبية الأخيرة لتمرير حزمة الإنقاذ هو أن دول الاتحاد الأوروبي ليست جاهزة للحكومة الفدرالية، بل وعكست القمة خلافات حول السياسات المرغوبة وطبيعة النادي الأوروبي، خاصة أن خلافات حصلت بين الدول الأوروبية الغنية التي يطلق عليها “فروغالز” وتضم النمسا والدنمارك والسويد وفنلندا والتي لم ترض بفكرة الدين الجماعي وبين دول مثل هنغاريا التي احتج رئيسها فيكتور اوربان وطالب بتخفيف لهجة البند المتعلق بحكم القانون كشرط لتوزيع المساعدات. ولم يكن الاتفاق ممكنا دون جهد من ميركل وماكرون اللذان قررا التعاون وبالضرورة تشكيل مستقبل أوروبا.

قفزة

ويظل الامتحان الأكبر للحزمة في التطبيق، ولكنها تظل كما يقول شاهين والي، الاقتصادي الفرنسي والمستشار السابق لماكرون في مقال بصحيفة “الغارديان” (22/7/2020) صورة عن العمل الموحد. فعلى خلاف الأزمة المالية العالمية 2008 التي فضحت هشاشة وعجز الاتحاد النقدي الأوروبي بشكل قاد إلى نقاشات عبثية حول الاتحاد المالي، فقد ظل التشارك في عملة موحدة دون المشاركة في ميزانية واحدة مشكلة. وفي القمة الأخيرة تم القبول بفكرة الدين المشترك والنفقات المشتركة وامكانية فرض آلية ضريبية مشتركة. ويقول والي إن الحزمة وإن كانت مهمة لكنها صغيرة ولا يمكن أن ترد على الصدمة التي تركها الوباء والإغلاق الاقتصادي. كما أن تطبيقها من الناحية العملية صعب، فهي تطلب من الحكومات الوطنية تقديم برامج إصلاح قبل أن تحصل على المال. ومن الناحية السياسية يعتبر الاتفاق تقدما خرق الكثير من المحرمات، وما يجعله ذا معنى هو جمعه بين الوقائع السياسية لمرحلة ما بعد كوفيد-19. ويعترف الكاتب أن هناك عدة صعوبات تواجه الاتفاقية فيما يتعلق بتخفيض النفقات في ميزانية الاتحاد المتعلقة بالبحث والصحة العامة والطاقة النظيفة. كما أن الاتفاق ولد من خلال تنازلات ومحاولة إرضاء الدول الغنية والتنازل للدول الديكتاتورية في أوروبا الشرقية. وما ينقصه هو عدم الحماسة لنظام ضريبي مشترك. ويرى والي أن هناك مفارقة بين قطع الاتحاد علاقاته مع بريطانيا التي قررت الخروج وتقدمه الحثيث نحو الاندماج.  وهذا لا يعني غياب الانقسام، فما كشف عنه الاتفاق الجديد هو أن الدول الصغيرة مستعدة لاستخدام صوتها للتأثير، بالإضافة إلى الانقسامات الداخلية في داخل الأحزاب السياسية الأوروبية تجعل من صعوبة تحقيق الإصلاح المؤسساتي والدستوري في الاتحاد.

تفكك

وانتقد يانيس فاروفاكيس، السياسي اليوناني السابق ما قاله فالي بمقال بصحيفة “الغارديان” (24/7/2020) واصفا أن حزمة الإنقاذ هي خطوة أخرى نحو التفكك الأوروبي وليست طريقا نحو الاندماج. ورغم موافقته على فكرة الدين المتبادل كشرط ضروري للوحدة الأوروبية إلا أنه يرى في الحزمة الأخيرة طريقا نحو تفكيك الاتحاد الأوروبي لأسباب ثلاثة، الأول، وهو أن الحزمة هي حرف للنظر عن المشكلة الرئيسية، التقشف العام. وبحسب أرقام صندوق النقد الدولي فسينخفض دخل منطقة اليورو عام 2020 بنسبة 10في المئة مما سيؤدي إلى عجز بالميزانية بنسبة 11في المئة في وقت ستواجه فيه دول ضعيفة مثل اليونان وإيطاليا انخفاضا أكبر. فالحاجة لسد العجز بالميزانية سيدفع الدول إلى سياسات تقشف أكبر من قدرتها، مما يعزز حالة الركود. أما الثاني، فهو أن الحزمة تعتبر ضعيفة، فمن أجل أن تدعم الاتحاد عليها تقديم دعم مالي مواز للتقشف. أما الثالث فمتعلق بالظروف السياسية التي سيتم من خلالها توزيع الحزمة بحيث تعطي سلاحا للمعادين لفكرة الوحدة الأوروبية. فعندما يضرب الركود بريطانيا مثلا فسيرتفع العجز بالميزانية ويؤثر على تدفق المنافع إلى المناطق. وسيواجه الساسة في ظل سياسة مالية موحدة صعوبة في تقرير أي منطقة تحصل على المنفعة أكثر من تلك مما سيجعل من الخلافات حول الخروج من أوروبا أمرا يسيرا مقارنة مع خلافات توزيع الحصص. وهذا نفس ما يتوقع حدوثه عند تطبيق الاتفاق وتوزيع المال بين دول الاتحاد. وبعيدا عما يقرره الساسة فقد فرض كوفيد-19 واقعا جديدا على أوروبا كغيرها من مناطق العالم، في امكانيات تحول في الاقتصاد السياسي الأوروبي نحو الموازنة بين الدولة والسوق. وهذا يعني منح الدولة سلطة تدخل قوية ويقلل من الانفتاح على قوى السوق. وتحولات كهذه تستدعي من دول الاتحاد خاصة محور اليورو القيام بتغييرات في نظام الضريبة والعمالة والتجارة والصناعة. ويعني زيادة دور الدولة تصادما مع الاتحاد الأوروبي كما هو اليوم. لكن النموذج الذي قام عليه الاتحاد ليس محفورا على الصخر ولا الاندماج الذي بدأ في الثمانينيات من القرن الماضي ويمكن للاتحاد الأوروبي التكيف والإصلاح للتوائم مع الواقع الجديد. ومن هنا فهناك حاجة لتقييم النموذج الأوروبي وما يراد تحقيقه من تسوية سياسية وشرعية وديمومة للاتحاد. والسؤال لن يبدأ هذه المرة من حجم الاتحاد الأوروبي-صغيرا أم كبيرا-ولكن من شكله وماهيته. ولكي تعيد معمار وبنية الاتحاد تحتاج الدول الأوروبية إلى عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطنين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية