عندما فاز إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية في 7 ايار/مايو2017 نظر الكثيرون إلى الأمر بإيجابية واعتبروا وجود الرئيس الشاب في سدة الحكم أمرا حيويا سيساعد في ضخ الدماء الشابة في عروق مؤسسة الرئاسة العجوز، واستبشروا خيرا بالرئيس الثامن للجمهورية الفرنسية الخامسة، المصرفي الشاب القادم من صفوف الحزب الاشتراكي، إذ شغل في عام 2012 منصب نائب الأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية إبان حكم الرئيس فرانسوا اولاند، ثم أصبح وزيرا للاقتصاد والصناعة في حكومة مانويل فالس الثانية حتى 2016.
الرئيس ماكرون الذي خرج من صفوف اليسار ليؤسس حزبه الجديد “إلى الأمام” الذي اعتبر تحولا له من اليسار إلى أحزاب الوسط، كان فوزه بالرئاسة مبنيا على أساس الوعود التي أطلقها عندما وعد بالنهوض بالاقتصاد الفرنسي عبر قوله ان فرنسا يمكن إصلاحها ويمكن إنعاش اقتصادها من خلال التخفيضات الضريبية والإنفاق العام، وتمرير تغيرات واسعة فى سوق العمل. وقد تطلع الأوروبيون إليه حينها باعتباره مدافعا شرسا عن الديمقراطية الأوروبية الليبرالية.
لكن وفي غضون سنة من وجوده في قصر الإليزيه، كانت نتائج سياسات ماكرون وحكومة ادوارد فيليب، كارثية بالنسبة لذوي الدخل المنخفض الذين ازدادت عليهم الضرائب من جانب، وارتفعت أسعار المواد الأساسية وأجور التعليم الجامعي من جهة أخرى، مما تسبب في حالة غليان مجتمعي وجه نقده الشديد لحكومة ادوارد فيليب ومن خلفها الرئيس ماكرون، الذين اتهمتهم الطبقة الوسطى بأنهم قد خانوا وعودهم التي أطلقوها إبان الحملة الانتخابية وباتوا يعملون لخدمة مصالح الشركات الكبرى على حساب الطبقات الوسطى والدنيا.
منذ ان انطلقت حركة الاحتجاج الفرنسية التي باتت تعرف بحركة “السترات الصفراء” في فرنسا في 17 تشرين الثاني/نوفمبر احتجاجاً على سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون، وزيادة الرسوم على المحروقات، لم يستطع أحد أن يؤطر الحركة بإطار ايديولوجي، أو يعرف أجندتها أو توجهها السياسي الذي بدأ غائما وملتبسا. وقد تحدث عدد من الناشطين في الحركة رافضا توصيفها أو تبعيتها سواء لليسار أو اليمين، وقد عرفت الحركة نفسها بأنها شعبية لها مطالب اقتصادية واجتماعية. إذا هي حركة قامت أساسا لرفض الضرائب التي فرضت على أسعار المحروقات، ثم ما لبث سقف مطالبها ان ارتفع ليشمل مراجعة كاملة للوضع الاقتصادي الفرنسي، ليصل في النهاية إلى المطالبة بإقالة الرئيس ماكرون نفسه.
الحكومة الفرنسية بدت مشلولة أمام ضخامة وشراسة المظاهرات التي عمت المدن الفرنسية، مظاهرات غير مسبوقة أصابت الحياة العامة بالشلل وأصابت الاقتصاد الوطني بخسائر كبيرة. وعند هذه النقطة حاولت القوى السياسية الفرنسية مجاراة موجة الحركة الاحتجاجية العفوية، إذ شهدت الحركة تماهي قوى يمينية في المظاهرات، وقد أتهمت بأن عناصرها هم من تسبب في عمليات الحرق والنهب والتدمير، بينما من جانبها كان لقوى اليسار موقف واضح في دعم حركة الاحتجاج عبر تصريحات اتحاد نقابات العمال الفرنسية “CGT” القريبة من الحزب الشيوعي الفرنسي المطالبة بتنقية حركة الاحتجاج من شوائب الشعارات الشوفينية التي أطلقها نشطاء اليمين في المظاهرات.
بلجيكا وهولندا والتمدد الأول
مع النجاح الذي نالته حركة الاحتجاج الفرنسية أثر خضوع الحكومة لمطالب المحتجين، توقع المراقبون تمددها في دول أوروبية تعاني اقتصاداتها من التعثر أو تعاني سياساتها الحكومية من الاضطراب، فبعد حوالي أسبوعين على بدء الحركة في فرنسا، انتقلت عدواها إلى بلجيكا وهولندا.
إذ تأثرت الجارة الأقرب لفرنسا بالحراك، حيث تركزت مظاهرات السترات الصفراء البلجيكية بشكل ملحوظ حول مستودعات الوقود في المنطقة الجنوبية التي يتحدث أغلب سكانها اللغة الفرنسية. لكنها سرعان ما تمددت ووصلت للعاصمة بروكسيل، فقد وصل عدة مئات من المحتجين إلى مبنى مكتب رئيس الوزراء البلجيكي اليميني شارل ميشيل، وقام العشرات منهم برشق رجال الشرطة بالحجارة والمفرقعات ولافتات الطرق، ما أدى إلى رد قوات مكافحة الشغب بإطلاق مدافع المياه والغاز المسيل للدموع على المحتجين.
كما أغلق أصحاب السترات الصفراء في بلجيكا الطريق السريع “E-40” الواصل بين بلجيكا وفرنسا أمام حركة المرور، فيما أوقفت الشرطة البلجيكية نحو 50 شخصاً في العاصمة بروكسل، وقد أطلقت الحكومة البلجيكية حملة من التدابير الاحترازية في محاولة لمنع الوضع من التردي والوصول إلى ما وصل إليه الشارع الفرنسي، إذ رفعت شرطة بروكسل مستوى تدابيرها الأمنية في منطقة “شومان” التي تضم محطة القطار المركزية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي وفي مركز المدينة، فيما وضعت أسلاكا شائكة على مداخل الأزقة القريبة من المؤسسات الأوروبية.
كما امتدت حركة الاحتجاج إلى هولندا، اذ تجمع أصحاب السترات الصفراء في شوارع عدد من المدن الهولندية الرئيسية مثل لاهاي ونيميغن وماستريخت وألكمار إستجابة للدعوات التي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي للاحتجاج على سياسات الحكومة، وقد طالب المحتجون باستقالة رئيس الوزراء مارك روتة، وقضايا اقتصادية متعلقة بسن التقاعد وغلاء الأسعار في مجالي الصحة والتعليم ومشكلة اللاجئين. ونقلت وسائل إعلام أوروبية عن أحد المتظاهرين الهولنديين قوله إن “السترات الصفراء تمثل بداية لشيء أكبر من ذلك بكثير، نريد لهذه الحركة أن تنتشر، لقد بدأت في فرنسا، ونريدها أن تستمر في ألمانيا وهولندا عبر أوروبا حتى تصل إلى بريطانيا”.
شرارات أخرى
ويبدو ان حمى الاحتجاجات باتت الآن في طور الانتقال إلى عواصم أوروبية أخرى، فقد شهدت العاصمة المجرية بودابست حركة احتجاجية كبيرة، إذ خرجت نقابات العمال المجرية إلى الشوارع، يوم السبت 8 كانون الأول/ديسمبر للاحتجاج على قانون الحزب الحاكم الذي وصفته النقابات بأنه “قانون العبيد” ورفع المحتجون الذين ارتدوا السترات الصفراء التي باتت رمزا للاحتجاج الأوروبي الشعارات والمطالب نفسها التي يرفعها محتجو بروكسل وباريس، في محاولة لنيل بعض المكاسب من أجل تحسين مستوى المعيشة.
من جانبها استبقت الحكومة الاسبانية قيام الحركة الاحتجاجية في مدن اسبانيا، إذ أعلن رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز في 12 كانون الأول/ديسمبر انه سيزيد بمرسوم الحد الأدنى للأجور بنسبة 22 في المئة خلال جلسة لمجلس الوزراء في 21 كانون الأول/ديسمبر ستعقد في برشلونة. وقال سانشيز أمام النواب إن “المجلس سيوافق في 21 كانون الأول/ديسمبر على رفع الحد الأدنى للأجور”. وأضاف أن الزيادة ستدخل حيز التطبيق “ابتداء من 2019” وستشكل “أهم زيادة منذ 1977”.
كما ان هناك تخوفا من انتقال الحركة الاحتجاجية إلى بريطانيا بسبب أزمة بريكست وتداعياتها على الاقتصاد البريطاني، فبالرغم من فشل مشروع سحب الثقة من رئيسة الحكومة تريزا ماي الذي طرح يوم الأربعاء 12 كانون الأول/ديسمبر من قبل نواب حزبها المحافظين في البرلمان، إلا ان هناك تخوفا في الشارع البريطاني من امتداد حركة الاحتجاج إلى لندن نتيجة الهزة الاقتصادية التي قد يسببها الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.
من جانبه أعلن الحزب الشيوعي الإيرلندي في بيان رسمي وزع على الصحف والمواقع الإخبارية جاء فيه: “نعبر عن تضامننا مع الطبقة العاملة الفرنسية التي شاركت في هذا الكفاح الكبير، مع نقابتهم العمالية ”CGT” التي شاركت في صراع طويل ضد الحكومات الفرنسية الحالية والماضية”. وأضاف البيان؛ “لقد كشفت احتجاجات السترات الصفراء الأخيرة في فرنسا الأزمة العميقة داخل الرأسمالية والطبيعة الحقيقية للدولة، لم يعد العمال يرغبون في تحمل عبء هذه الأزمة. ما هو واضح هو أن الاحتجاجات في فرنسا لم تكن حول قضية واحدة. كان هناك العديد من التأثيرات بين صفوف اليسار، لكن المجموعة المختلطة تعكس أيضاً التأثيرات القومية والفاشية المتزايدة في أوروبا. إذ يكافح الناس لفهم الظروف الاقتصادية القاسية التي تفرضها الحكومة الفرنسية والمطالب بها من قِبل الاتحاد الأوروبي”.
من جانب آخر، نجد ان حركات اليمين الشعبوي قد تماهت مع حركة السترات الصفراء، وهذا ما حدث في مظاهرات محدودة شهدتها بعض المدن الالمانية، إذ دعت ثلاث منظمات يمينية تضم بيغيدا يوم السبت الأول من كانون الأول/ديسمبر إلى “مظاهرة بالسترات الصفراء” أمام بوابة براندنبورغ في برلين للاحتجاج على ورقة ميثاق الأمم المتحدة “من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة” التي وافق عليها البوندستاغ (البرلمان الألماني). وقد استجاب حوالي ألف شخص لهذه الدعوة التي تطالب بأمور بعيدة كل البعد عن مطالب السترات الصفراء الفرنسية. لكن بعض وسائل الإعلام كانت قد نقلت عن أحد المحتجين في هذا الحراك قوله: “إن نضالنا يلتقي مع نضال السترات الصفراء الفرنسية، فنحن نريد التخلص من ميركل وفي فرنسا يريد الفرنسيون التخلص من ماكرون، لكن في النتيجة هدفنا واحد، وهو استعادة السلطة للشعوب الأوروبية، لوضع حد لهذه السياسات غير المتسقة التي تعطي جميع الحقوق للأجانب في حين يعامل الأوروبيون عرقيا كمواطنين من الدرجة الثانية”.