أوروبا ونحن: رعاية المجال الحيوي (2 ـ 2)

حجم الخط
0

الاتحاد الأوروبي هو أكبر تاجر في العالم اليوم، وبعقلية التاجر يتعامل الأوروبيون مع العرب أوروبا تخاف أن يشكل المسلمون 10%من مواطينها وموضوع الهجرة صار مركزيا في الخطاب السياسي

سامي لطيف: ـ جاء وفد هارون الرشيد إلي الملك الفرنسي شارلمان محملاً بالهدايا، كانت أجواء القصر الباريسي الحجري العتيق مشحونة بالإثارة، تترقب وصول هؤلاء النفر من العرب والمسلمين إلي ضفاف الصين، من بلاد تحوم الأساطير حول غناها وتقدمها ومنعتها وتحضّر أهلها، من العراق والجزيرة العربية والشام من بغداد، قبلة التجارة العالمية والمركز الرئيسي في العالم للقوة والنفوذ ورؤوس الأموال.. دخل أعضاء الوفد علي الملك، فاقتربوا من العرش وشرعوا يخرجون ما في صناديقهم من هدايا نفيسة اختص بها هارون نظيره الفرنسي تودداً وتألفاً ورغبة في السلام والتعارف والوئام، وحان الوقت ليخرج أعضاء الوفد إحدي النفائس، ساعة ضخمة نصبوها قبالة قوائم عرش الملك، وأداروها وهم يشرحون له كيف تعمل والغرض من عملها، حتي وصلوا إلي أن دقت الساعة العملاقة، هنالك عقدت ألسنة شارلمان والحاضرين وأخذ فيهم الخوف كل مأخذ، ففروا هاربين من قاعة العرش تاركين أعضاء الوفد العربي في حيرة شديدة!

ثانياً: المؤثر الاقتصادي في العلاقة بين أوروبا والعرب:

الاتحاد الأوروبي هو أكبر تاجر في العالم اليوم، يتحكم في 20% من حركة التجارة الدولية.. وبعقلية التاجر، ناهيك عما في العقل الباطن من عقد، يتعامل الأوروبيون مع العرب في المسائل الاقتصادية علي نحو يخلو تماماً من منطق الحرص علي المصالح المتبادلة والحفاظ علي الحقوق الطبيعية، إن حصة أوروبا من التجارة الخارجية للعرب هي الأكبر 57% وفي بعض الأقطار العربية تصل النسبة إلي 73% وكان المؤمل أن تساعد أوروبا علي إقامة سوقهم الواحدة، بمنطقة السوق الدولية الذي لا يعترف إلا باحجام الأسواق وقدراتها علي الاستهلاك قبل الإنتاج، غير ان السياسي طغي عند الأوروبيين علي الاقتصادي أولاً، وباعتبارها الشريك التجاري الأهم للعرب، ربطت أوروبا علاقاتها ومساعداتها وبرامجها للتعاون الاقتصادي والاستثمار، بروزنامة سياسية لها أبعاد تسلطية وصهيونية وثقافية ويلمس المرء منها الحنين الأوروبي الجارف لزمن الاستعمار!

لقد وضعت أوروبا خريطة الطريق الخاصة بها لما أسمته التحول الديمقراطي الذي هو مجرد شعار دوغمائي ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، وجعلت من هذه الخريطة واتباعها معياراً للتعامل مع أي بلد عربي، وعناصر وخطوط الخريطة هي: التعددية الحزبية/ حرية الصحافة/ القضاء المستقل/ مقاومة الإرهاب/ إنهاء احتكارات الدولة الاقتصادية والثقافية/ إيجاد نظم تربوية وتعليمية تماشي السياق العام لمصالح الغرب ككل، فأوروبا، كأمريكا تماماً، تريد إعادة فك وتركيب العالم وإعادة تشكيله وإنتاجه علي هواها السياسي، وأوروبا الواسعة التي تشمل 27 دولة تريد أن تفرض نفسها الطرف الأهم اقتصادياً وتجارياً في علاقات جيرانها بالذات بالعالم الخارجي في الشرق، أي تجاه الاتحاد الروسي وأوكرانيا وروسيا البيضاء، وفي الجنوب، أي تجاه الوطن العربي، وهي تتبع لذلك سياسة العصا والجزرة، العصا معروفة تماما: العقوبات والحظر والحصار المجرد من الأخلاق والقيم والأعراف، كذلك الذي يجري لتجويع وقهر الشعب الفلسطيني منذ عامين تقريبا، أما الجزرة فهي إنشاء مناطق للتجارة الحرة المشتركة علي نحو يمكن أوروبا من التمتع لدي جوارها بالحريات الأربع تدريجياً، حرية انتقال رؤوس الأموال والسلع والخدمات والبشر، وتوظيف الامكانات الاقتصادية في النهاية للإسهام في إيجاد أنظمة سياسية توافق الأنماط والمعايير المعتمدة أوروبياً.. ومن الناحية الثانية، وبعقلية التاجر الفهيم تتشاطر أوروبا علي العرب مرتين، الأولي عندما تصر علي التفاوض مع كل دولة عربية علي حدة بحيث تصبح القدرة التفاوضية دائما لصالحها وبما يؤثر سلباً علي إمكانية حصول أي دولة عربية علي مزايا حقيقية ذات بال في تعاملها مع الاتحاد الأوروبي، والثانية عندما تصر علي الانتقائية في تحرير تبادل السلع، فهي إذ تريد قيام منطقة حرة في 2010 يتم بموجبها تحرير تبادل السلع النوعية بين العرب والأوروبيين، كونها تملك الميزة التنافسية والأسبقية فيها، فهي تصر من جهة أخري علي ألا يتم تحرير تبادل السلع الزراعية فوراً، وإنما تشترط أن يتم الاتفاق عليه بين الاتحاد الأوروبي ـ ككل ـ وكل دولة علي حدة! طبعاً علي اعتبار ان الميزة التنافسية فيما يتعلق بالسلع الزراعية هي أرجح عند العرب!

إلي ذلك تصّر أوروبا علي تخفيض الرسوم الجمركية علي السلع المتبادلة بشكل حاد وسريع، دون مراعاة أو اعتبار إلي الهيكلية التي قامت وتقوم عليها اقتصاديات دول عربية كثيرة تعتمد ميزانياتها بشكل كبير نسبياً علي العوائد والرسوم المفروضة علي عمليات التبادل التجاري، وهي بالتالي ستتضرر بشدة من تلك السياسة الأوروبية، مثل سورية ومصر وتونس والمغرب، وهي دول تريد وتفضل تخفيضا تدريجياً للرسوم… ولكن الأذن الأوروبية لا تسمع ولا تبالي بالارتدادات الاجتماعية المترتبة علي مثل هذه السياسة الاقتصادية.. علي صعيد آخر، تبدو المحصلة النهائية لتبادل الاستثمارات ورؤوس الأموال في غير صالح العرب نهائياً، ويبدو الميزان مائلاً بشكل حاد لصالح أوروبا، بمعني آخر إن الأفقر والأقل تقدماً والأصغر حجماً، وهم العرب، يضخون الأموال والاستثمارات باتجاه الأغني والأكثر والأكبر أي أوروبا. ما هو حجم الاستثمارات الأوروبية في كل الوطن العربي مقارنة برؤوس الأموال العربية في المصارف وأسواق الأسهم والسندات والمشاريع الزراعية والصناعية والسياحية والخدمية في أوروبا؟ نسبة تكاد تقترب من أن لا تذكر! فأوروبا تأخذ اقتصادياً من العرب عشرات أضعاف ما قد تعطيهم والمفارقة ان المال العربي يتدفق علي أوروبا ثم تمنّ أوروبا بمساعداتها علي الفلسطينيين أو اللبنانيين أو السودانيين ألف مرة قبل أن تقطعها، وهي مساعدات لا ترقي لأن تشكل نصف فوائد الأموال العربية المودعة في المصارف الأوروبية واللاعبة في البورصات والأسواق الأوروبية! لقد تعاملت أوروبا مع النفط العربي بذهنية الاستئثار بدلاً من أن يكون السلعة الاستراتيجية التي تحقق نوعاً من التوازن في المصالح والأهداف، فالشركات الأوروبية التي أصبحت متعددة الجنسية، أو جنسيتها الحقيقية هي الغرب عموماً، امتلكت الحصة الرئيسية في عائدات النفط، ثم أعادت السياسات الاقتصادية الأوروبية خصوصاً والغربية عموماً تدوير الحصة العربية من تلك العائدات باتجاه المصارف السويسرية والفرنسية والألمانية والبريطانية والهولندية والبلجيكية وسواها، أي أن أوروبا حصلت علي النفط ومعظم ما دفعته هي مقابل سداد ثمنه!

ثم ان بين العرب والأوروبيين قضية أخري لها طابعها الاقتصادي وحيثياتها السياسية والثقافية والاجتماعية، هي قضية الهجرة. في أوروبا ثقافة عريقة قوامها الإحساس بالتفوق علي الأجناس الأخري، هذا هو ما أعطي الأوروبيين في لا وعيهم المبرر للاستعمار والحملات الصليبية قديماً وحديثاً، فالآخرون اقل مستوي منهم ـ هكذا يعتقدون هم ـ وهذه العنصرية لم تنته بنهاية النازية والفاشية ومقتل هتلر وموسوليني، وهكذا نعتقد نحن.. ولقد ترتب علي استعمار أوروبا للعالم، ومن ضمنه الوطن العربي، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبعض القرن العشرين أن استقدم الأوروبيون مواطني المستعمرات إلي بلدانهم للقيام بدور وعمل العبيد، الفرنسيون وجدوا نقصاً في عمال مناجم الفحم فأحضروا عمالاً من الجزائر، والارستقراطية الانكليزية وجدت راحة في استخدام الهنود للقيام بالوظائف الدنيا في القصور ومرابع السادة الانغلوساكسونيين والتاريخ الأوروبي يسجل بسطور من العار ان نصف مليون اسود من الذين تم استقدامهم من أفريقيا، قد قضوا نحبهم في سبيل إنشاء منظومة القطارات التي تعمل تحت الأرض في العاصمة لندن، ماتوا خلال عمليات الحفر والتفجير بالديناميت من أجل أن ينعم الإنكليز بالــ اندرغراوند اللائق بعاصمة الضباب.. تغيّر الزمان وذهب الاستعمار وبقيت مخلفاته علي أراضي الأوروبيين أنفسهم: أجيال من بعد أجيال من سكان المستعمرات السابقة أصبحوا أكثر من جاليات، أصبحوا جزءاً من النسيج العام للمجتمعات الأوروبية والأنكي انه جزء مفروض لا يمكن الخلاص منه أو اقتلاعه.. وتقول الإحصائيات ان الاتحاد الأوروبي عام 2075 سينقص عدد سكانه من الأوروبيين مئة مليون نسمة عما هو عليه الآن، وان الاتحاد يحتاج إلي 106 ملايين مهاجر سنوياً ليبقي كما هو، أي للحفاظ علي التوازن بين العاملين والمتقاعدين، وان العرب والأفارقة، ومعظمهم مسلمون هم الذين يقومون في الغالب بملء هذا الفراغ عبر الهجرة الكثيفة، إلي درجة ان أوروبا تخاف أن يشكل المسلمون 10% من سكانها خلال عشرة أعوام من الآن.. فأوروبا يقتلها الهلع من الهجرة إلي حد انها أصبحت القضية المحورية في الخطاب السياسي والحزبي وفي البرامج الانتخابية للمرشحين وتفيد الاستطلاعات أن واحداً من كل خمسة أوروبيين يعتقد ان وجود الأجانب وأبناء الأعراق الأخري، وقضايا الهجرة واللجوء السياسي هي ما يشغله قبل الاقتصاد والتربية والصحة، وأصبحت مشاريع الأحزاب للوصول إلي السلطة في أوروبا تركز بشكل أساسي علي موقفها من الهجرة، بل إن الديمقراطيات التقليدية المعتدلة نسبياً وتاريخياً بالمعايير الأوروبية، بدأت تنحو يميناً بسبب موضوع الهجرة ولقد كان الموقف العنيف الذي اتخذه ساركوزي وزير الداخلية من المهاجرين ومن ذوي الأصول المهاجرة هو الذي جعل منه رئيس الجمهورية، ولا بأس هنا من التطرق إلي أسلوب تفكير وعمل هذا الرئيس الجديد لفرنسا الذي أولي مسؤولية تطبيق القانون الذي يريده ضد المهاجرين إلي وزيرة العدل رشيدة داتي، إذ يريد أن ينجو هو من الاتهام بالتمييز والعنصرية، فأتي بذوي الأصول غير الفرنسية كي ينفذوا له مراده ثم في السياسة الخارجية جاء باليهودي كوشنير، كوشنير أو كوشنار هو الذي ارتبط اسمه طويلاً بتأسيس المخابرات الفرنسية لمنظمة أطباء بلا حدود ومن ثم باستخدام تلك المنظمة ذات الطابع الإنساني في مناطق الصراع الملتهبة من الصومال أوائل التسعينات إلي صربيا والبوسنة إلي رواندا، وليست صدفة أبدا أن ينتهي الصراع في كل مكان عمل فيه كوشنار إلي كارثة إنسانية أكثر بكثير وأكبر بكثير مما كانت قبل مجيئه إليها، وآخر إنجازاته كانت في العراق، حيث كان ضمن فريق العمل الدولي، الذي قرر فرض مناطق الحظر الجوي علي شمال وجنوب العراق بدعوي حماية الأكراد والشيعة عقب حرب الخليج الأولي، وهو كتب وحاضر ونظّر لفكرة واحدة محورية: توسيع حقوق الكبار في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخري دون أي اعتبار للسيادة الوطنية، والذريعة هي عنده حقوق الإنسان!

أعود إلي مسألة المهاجرين بعد هذا الاستطراد لأقول نسيت أوروبا أن مسألة المهاجرين هي نتاج طبيعي لمسألة الاستعمار وان محاولتها لفرض نموذجها الفكري والثقافي والاقتصادي من الطبيعي أن تترتب عليه حركة من الأطراف باتجاه المركز، بعد أن أصبحت هي المركز نسيت أوروبا هذه القوانين والقواعد الطبيعية وراحت تتعامل بقسوة مع نتائجها وطال ذلك التعامل العرب باعتبارهم الجار الأقرب للأوروبيين، أصبحت البلدان المغاربية في نظر أوروبا معبراً للمهاجرين غير الشرعيين الآتين من جنوب الصحراء الكبري والغرب الإفريقي، ومن اصل 2.5 مليون مهاجر يعملون اليوم في اسبانيا وحدها ثمة مليون مهاجر غير شرعي في نظر القوانين في ذلك البلد، وعدد المراكب التي لا زالت ترسو علي شواطئ لامبيدوزا، الجزيرة الايطالية التي طالتها الصواريخ الليبية ليلة الغارات الأمريكية علي طرابلس وبنغازي في 14 ـ 15ـ 4 ـ 1986 عبر أوروبا، عدد تلك المراكب يثير حنق الايطاليين الذين زوّدوا تونس عام 2000 بزوارق سريعة لخفر السواحل لتعقب مراكب تهريب البشر من سواحل بعضها لا يبعد بأكثر من 50 ميلا عن السواحل الايطالية.. وفي حين فضّلت السويد التعامل مع قضية الهجرة بمعالجة أكثر عقلانية وهدوءا، فان الحكومة البريطانية قد دعت إلي اتخاذ إجراءات لمعاقبة الدول التي يأتي منها المهاجرون إلي أوروبا، أما روكو نيليوني المفوض الأوروبي للعدل والشؤون الداخلية والأمن في الاتحاد، فيري ان الحل هو في إنشاء معسكرات للإيواء في بلدان المعابر، أي في البلدان المغاربية بحيث يوضع المهاجرون في أقفاص بدلاً من تركهم يسرحون ويمرحون في أوروبا!

وطبعا لقد قادت الحساسية الأوروبية من الهجرة الشرعية رغم الحاجة الملحة في المجتمعات الأوروبية من الداخل لاستقدام مهاجرين بمعدل 1.6 مليون شخص سنوياً لتغطية سوق العمل في مجتمعات تتحول تدريجياً إلي مجتمعات من الشيابين والختايرة قادت إلي استفحال ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ونشوء عالم شبكات التهريب، وهو أمر طبيعي ومنطقي تماماً عندما تمنع القوانين في المجتمعات حصولها علي حاجاتها بالطرق الشرعية والسليمة، فإنها تلجأ إلي الحصول عليها بالتحايل، والمسؤولية التاريخية والحاجة الاقتصادية والفلسفة التي قامت عليها الديمقراطيات الأوروبية، فلسفة حقوق الإنسان والتسامح الحضاري ونبذ العنصرية، كل ذلك مجتمعاً يحتم علي أوروبا مقاربة قضية الهجرة بشكل مختلف جذرياً عما تفعله اليوم، وإلا فليس مسموحاً لها أن تناقش العرب حكاماً ومحكومين في شيء يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وطبيعة وتركيبة مجتمعاتهم وأنظمتهم السياسية، سيكون لها الحق في أن تفعل ذلك في حالة واحدة فقط ـ من الناحية الأخلاقية ـ إذا هي فتحت أبوابها للمهاجرين وشرعنت وجودهم فوق أراضيهم ومنحتهم الحقوق والامتيازات المترتبة لهم كبشر واعترفت بمسؤولياتها التاريخية عن الظروف المتعلقة بتخلف المجتمعات التي يأتي منها هؤلاء المهاجرون إلي أوروبا، وهو ـ أي التخلف ـ المسبب الرئيسي للهجرة.. علي أوروبا أن تصلح غلطتها التاريخية بفعل شيئين مهمين: أولا إقامة مشاريع تستوعب الأرقام الهائلة للبطالة في مجتمعات المستعمرات السابقة وتمنح القوة الشابة المتطلعة للحياة فيها أملاً في البقاء والسعادة، وثانيا تقنين استيعاب أرقام محددة من المهاجرين تحتاجهم أوروبا ذاتها قبل أن تنهار خلال اقل من قرن من الزمان، والاستيعاب ليس مقصوداً به هنا تعبئة الفراغات في سوق العمل فقط، وإنما منح المهاجرين الحقوق السياسية والقانونية ذاتها التي للمواطنين خلال آماد زمنية محددة، بما في ذلك حقوق الانتخاب، إذا فعلت أوروبا هذين الشيئين المهمين سيكون من حقها أن تحتج علي الشعب الفلسطيني لأنه انتخب حماس وعلي الشعب اللبناني لأنه انتخب حزب الله، أما أن تكون لديهم عنصرية وانغلاق وطبقية وتعصب وتمييز ويريدون منّا اختيار ما يناسبهم فهذا ما لن يقنع أحدا علي الإطلاق!

وبدلاً من التهريب وإباحة الفرصة لشبكات الإجرام الدولية لتتخذ الهجرة غير الشرعية تجارة مربحة، لماذا لا يتم تقنين الهجرة بالتفاهم بين كل من الاتحاد الأوروبي المحتاج إلي مهاجرين ـ والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، وبدلاً من زوارق الموت التي تغرق بالآلاف سنوياً علي مقربة من سواحل الجنوب الأوروبي والتي يوازيها داخل باريس ولندن عصيان مدني وعمليات عنف وتحريق للمنشآت والمركبات من قبل آلاف المهاجرين المحرومين، بدلا من ذلك كله لتلجأ أوروبا إلي الحلول الإنسانية والأخلاقية والمنطقية والتي تحقق مصالحها كقارة مهددة بالفناء ما لم تستقر فيها عناصر شابة أكثر.. أما أن تحتفظ أوروبا بسياساتها الراهنة تجاه الهجرة، القائمة علي الانتهازية والسلبية واللاأخلاقية السياسية التي تسمح بمنح ذوي الكفاءات العلمية العالية في العالم الثالث الجنسية والإقامة الدائمة والتسهيلات دون غيرهم، فان ذلك يعني استنزافاً مستمراً ومتنامياً للدول النامية والفقيرة، ومن بينها أقطارنا العربية، وحرماناً للشعوب من حقها في التقدم والتطور بعد أن أنفقت مليارات الدولارات علي تعليم وتأهيل أبنائها النابهين في جامعات ومعاهد أوروبا والغرب.. ثالثا: المؤثر الثقافي في العلاقة بين أوروبا والعرب:

اذكر أنني كنت في القاهرة عام 1995 عندما سمعت عن محاضرة يلقيها مدير مكتب الرئيس مبارك سابقا، الدكتور مصطفي الفقي (رئيس لجنة الشؤون الخارجية حالياً في مجلس الشعب المصري) كان المكان هو الركن الشرقي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وكان العنوان يتعلق بحملة نابليون علي مصر ودورها في تطوير المجتمع المصري.

لم استطع أن أتحمل من كلام الفقي سوي الدقائق العشر الأولي ثم انسحبت احتجاجاً مني علي ما اسمعه، فقد كان الدكتور ببساطة يتغزل في حملة نابليون ويضعها مسؤولة عن انتشال مصر من التخلف ويضخم دورها وإيجابياتها قبل قرنين من عمر الزمن.. أكاد ازعم بان جلّ مثقفي العربية هم السبب الرئيسي في حب العرب لمن يضطهدهم لأن هؤلاء المثقفين أرادوا لأنفسهم في مجتمعاتنا دوراً متأثراً إلي حد كبير بتشبعهم بالثقافات الغربية، هؤلاء حسموا داخل عقولهم ان مستقبل العرب يقع في لحاقهم بالضفة الشمالية للمتوسط، وان التقدم في المجتمعات العربية مشروط بالتماهي مع النموذج الأوروبي س أو ص. هؤلاء المثقفون بمجرد عودتهم أوائل القرن العشرين من احتكاكهم بأوروبا أسسوا في كتابتهم الشعور بالدونية أمام الثقافات الأوروبية، طه حسين وسلامة موسي، ومن بعدهم لويس عوض وسواهم من المتأوربين فتنتهم أوروبا عن الخير الكامن في أمتهم، وأنستهم تجاربهم في تلقي العلم والثقافة من أوروبا موقف الغرب من بلادهم، وتاريخ العداء الأوروبي لهم رغم انه عداء مشفوع بعدوان مسلح طويل وصراع دموي مرير، عشقوا الغرب إلي درجة أنهم لم ينتبهوا إلي انه عشق من طرف واحد، فمصيبة العرب في المستشرقين من الأوروبيين كبيرة ولكنها في المستغربين من أبناء أمتهم أكبر. المستشرقون جاؤوا مستكشفين و مستطلعين وممهدين للاحتلال وباحثين عن الدروب التي قد يتسلل منها الغرب لقهر روح العرب وتحطيم معنوياتهم، والمستغربون من العرب أكملوا المهمة حين بثوا روح الهزيمة وثبطوا الهمم عن المقاومة، ومكنوا بذلك الاحتلال الغربي، كان الهدف من الاستشراق هو فهم العقلية العربية لتسهيل الإدارة الاستعمارية للبلاد العربية المحتلة، أما المستغربون فقد كانوا ولا يزالون يقومون بما هو أخطر من ذلك، نسف ركائز الممانعة والمقاومة في العقل العربي بحيث تدوم تبعيته للغرب دون أن يضطروا إلي إرسال جندي واحد.. طبعاً ثمة استثناءات قليلة محدودة لا تكاد تبين في صفوف هؤلاء وأولئك، ولا ينبغي أن يفهم من كلامي السابق أني مع الانعزال عن ثقافات العالم، وخصوصاً الثقافات الأوروبية، غير أن ثمة فارقاً كبيراً بين التفاعل من موقع الندية مع الآخر علي الصعيد الثقافي بالذات، وبين الذوبان في ذلك الآخر واللحاق به، خصوصاً وأن العقلية الأوروبية بشكل عام، وكما أشرت منذ قليل، لديها عقدة الإحساس بالتفوق وبالتالي الرغبة في الهيمنة، لديها حتي الآن وكما يبدو من برامج الاتحاد الأوروبي المعلنة وشروطه الواضحة المحددة الرغبة في إعادة فك وتركيب العالم علي مزاجها وبما يلائم هواها وبما يتسق بتعريفاتها لكل شيء في الوجود، في عمق الثقافات الأوروبية لا زالت موجودة تلك البؤرة المظلمة القادمة التي اسمها العنصرية أنظروا إلي منطقهم وما تتفوه به أفواههم يمكنكم بسهولة الحكم علي مكنون قلوبهم وما تنطوي عليه نفوسهم وضمائرهم.. في المناظرة المرئية المشهورة قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين ساركوزي ورويال، وصل الاثنان إلي مناقشة مشروع الانضمام التركي إلي الاتحاد الأوروبي، ومواقف الاثنين معروفة سلفاً: هو يعارض بشدة وهي تقبل بشروط، ولكن ماذا قال ساركوزي تعبيراً عن رفضه ليقنع الناخب الفرنسي؟ لن اشرح للتلاميذ الفرنسيين ان حدود أوروبا هي مع العراق وسورية… هذه هي العقلية الحاكمة لأوروبا اليوم، وبالتالي فإن أوروبا كلها وقفت وراء البابا الذي استهل بابويته بالإساءة إلي الإسلام وللنبي صلي الله عليه وسلم، ولا ادري حقيقة ما الذي يحول بين البابا والاعتذار عن سقطته تلك التي حرص لاحقاً علي توضيح انها غير مقصود منها الإساءة إلي النبي أو الإسلام أو المسلمين، والبابا لا بد وانه يعلم حرص الإسلام علي مراعاة المشاعر الدينية لكل الأقوام الأخري غير المسلمة، والبابا الذي كان يقرأ نصاً منسوباً لإمبراطور بيزنطي قبل مئات السنين، لا بد انه قد علم ان الدين الإسلامي يشترط علي أتباعه الايمان بنبوة عيسي وموسي عليهما السلام وسائر الأنبياء والمرسلين، كي يتم للمسلمين إيمانهم، والبابا لا شك وهو يقتبس ذلك النص في ألمانيا كان أيضا مطلعاً علي الإساءات والافتراءات وحملات التشويه المتعمد التي تضمنتها عشرات الكتب والمراجع الدينية والتاريخية والتي صدر بعضها عن الكنيسة في عصور سابقة ضد الإسلام والمسلمين، إلا انه قد اختار ذلك الموقف العدائي غير المبرر ثم استكمل منهجه العدائي برفض الاعتذار، في حين ان الكرسي البابوي كان قدّم سابقاً اعتذارات لليهود، رغم عدم وجود إجماع مسيحي علي تبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام، في عقيدتهم هم!

ووقفت الصحافة الأوروبية كلها وراء صحيفة دنماركية أساءت للإسلام وللنبي صلي الله عليه وسلم، ووقفت الإدارات الأوروبية في معظمها موقفاً متشدداً في التضييق علي المسلمات العربيات المحجبات في المدارس والمصالح العامة، ولا بد لي هنا من أن أتطرق ـ بأسف ـ إلي الوقع السيء جداً الذي كان قد تم تسجيله لتصريح أمين الاتصال الخارجي الليبي الأستاذ عبدالرحمن شلقم، والذي كان قد أدلي به خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع وزير الخارجية الفرنسي آنذاك دو فيلبان عندما اختصر شلقم القضية أي قضية الحجاب، بأنها قطعة قماش تثور من حولها كل تلك الضجة في أوروبا!

ولكي نكون اقرب شيء إلي الموضوعية فإننا هنا لا يجب أن نتجاهل دور المؤثر الصهيوني في الاعلام الغربي، حتي أصبح الأوروبيون يروننا بعيون إسرائيلية، الصهاينة في الاعلام الأوروبي افلحوا في الربط بين العمليات الإرهابية التي قد تشهدها مدن أوروبية وبين عمليات المقاومة ضد العدوان الصهيوني في لبنان وفلسطين، إلي حد ان أوروبا قاطعت فضائية المنار المملوكة لـ حزب الله في لبنان باعتبارها أداة إعلامية للإرهابيين، هكذا اسقط الصهاينة الأوروبيين في شباكهم وأقنعوهم بالخطر الإسلامي والخوف من الإسلام، مستغلين 11 ايلول (سبتمبر) وما تلاها، وأوروبا كلها ذهبت إلي حيث يراد لها أن تذهب إلا ما ندر من بعض إعلامها، وقد كان ثمة تأصيل نظري وفكري لهذا الذهاب بدأ في أعقاب انتهاء الحرب الباردة بظهور نظرية صمويل هنتينغتون عن صدام الحضارات وفرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ، وان المشكلة هي مع الإسلام نفسه كدين، وهكذا عادت روح الحروب الصليبية لتمتطي الموجة الجديدة التي قادتها أمريكا وانخرطت فيها أوروبا. لقد كشفت الوثائق البريطانية الخاصة بفترة التعاون البريطاني ـ الفرنسي لاحتلال سورية والعراق عقب الحرب العالمية الأولي وأصبحت متاحة لمن يريد قراءتها، انظروا إلي الخطاب الكامن في العمل الاستعماري عندما يقول: إن الهدف من دخول القوات المشتركة في العراق وسورية هو تحريرها من الظلم العثماني وإقامة أنظمة وطنية ديمقراطية وتحرير شعبيها وتنمية اقتصاديهما وتشكيل حكومات وطنية تدير شؤونها هذا الاقتباس الحرفي قارنوه بالخطاب الأمريكي الأوروبي الحديث.. انه الخطاب نفسه والشعار نفسه الذي طرحه كل من بوش وبلير في عدوانهما علي العراق عام 2003..! في مفترق الطرق ـ نتائج ينبغي استخلاصها:

لسنا دعاة عداوة مع أوروبا، ولسنا نحب أن نزيد من قيمة ووزن وقدرات أعدائنا، غير ان ذلك مبدأ يجب أن يعمل كطريق مزدوج ذي اتجاهين، علي أوروبا أيضا أن تحرص علي عدم كسب عداوتنا، والطريق مفتوح كي تكسب احترامنا وودنا إذا ما أرادت، والتعبير عن تلك الإرادة أراه يتحدد فيما يلي:

ثقافيا:1 ـ الاعتراف بحق كل أمة في الحفاظ علي هويتها القومية والثقافية، هناك ما هو مشترك هنا وهناك، وهناك ما هو خاص، وهناك قيم سائدة هناك لا تتفق مع قيم سائدة هنا والعكس صحيح..2 ـ علي الأوروبيين أن يدرسوا القرآن الكريم واللغة العربية والفكر الديني عند العرب والمسلمين والتراث الثقافي العربي، بذهنية علمية موضوعية محايدة بعيدة عن الانحيازات المسبقة، لا أن تقتصر معرفة طلاب المدارس الأوروبية بالتراث العربي علي السندباد وألف ليلة وليلة وقصصها، ويجب في المقابل أن تنشط حركة ترجمة من العربية إلي اللغات الأوروبية كافة كي تتيح للقارئ الأوروبي الإطلاع علي الفكر العربي..3 ـ يجب أن تكون معلومات الأوروبيين عن العرب مباشرة وعبر قنوات صحيحة وليس كما يحدث اليوم، حيث هي مستقاة من عملاء مخابرات أو مصادر إسرائيلية أو دراسات يكتبها من يزعمون انهم خبراء وهم في الحقيقة ليسوا علي شيء..4 ـ ينبغي علي العرب تنشيط حركتهم الإعلامية في أوروبا علي أساس تغيير الصورة النمطية السلبية التي تكونت عنهم هناك، وهذا جهد مؤسسي ينبغي أن تموله الدول العربية وتضطلع به الجامعة العربية.. اقتصادياً:1 ـ يجب أن تصحح العلاقة بين البلدان العربية والاتحاد الأوروبي لتصبح ـ علاقة بين المجموعة العربية والاتحاد حتي لا تظل المغانم للأوروبيين والمغارم من نصيب العرب وعلي أوروبا أن تتعامل مع سوق الـ 300 مليون عربي التي حجمها تقترب من 750 مليار دولار، وان يشمل ذلك التعامل كافة أعضاء الجامعة العربية وليس فقط الدول المطلة علي الشاطئ الجنوبي للمتوسط..2 ـ يجب علي العرب الإسراع في إنشاء السوق العربية المشتركة كي يتحسن موقفهم التفاوضي، كي تكون هناك ندية مع أوروبا في الجلسات التي يتم فيها اتخاذ قرارات مصيرية، وكخطوة أولي نحو إنشاء السوق العربية المشتركة أو الواحدة يمكن للمجموعات العربية الإقليمية: مجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي، والمجلس الاقتصادي التابع للجامعة العربية، ربط سياساتها الاقتصادية والتجارية معا تحت مظلة واحدة..3 ـ ينبغي إبرام تفاهم بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي لتنظيم وتقنين عمليات الهجرة وتحسين أوضاع المهاجرين العرب إلي أوروبا ورعايتهم وحمايتهم..4 ـ عدم ربط أوروبا أية تقدمات لها إلي العرب بشروط سياسية.. سياسياً: 1 ـ تنشيط العمل البرلماني العربي ـ الأوروبي المشترك لتشكيل قوة برلمانية أوروبية ضاغطة علي الحكومات الأوروبية من أجل دفعها لاتخاذ مواقف منطقية وعقلانية تعي مصالح الأوروبيين وتتفهم الحقوق العربية، وفي هذا الصدد يجب تنشيط عمل الرابطة البرلمانية العربية ـ الأوروبية التي تأسست عام 74 بمبادرة من الإنكليزي لورد كريستوفر ماهيو والفرنسي ريمون اوفروا، حيث يتم الإعداد لعقد مؤتمر في شهر تشرين الاول (اكتوبر) القادم في فالتا بمالطا.. والحقيقة ان البرلمان الأوروبي متقدم كثيراً عن الحكومات الأوروبية في مستوي تفهمه للقضايا العربية، وانه الأكثر تعبيراً عن الرأي العام الأوروبي في مواجهة السياسات الرسمية للاتحاد الأوروبي، وكثيراً ما يدين تلك السياسات تجاه قضيتي العراق وفلسطين ويعتبرها قاصرة ومنحازة، ومن هنا كانت أهمية التواصل البرلماني العربي مع البرلمان الأوروبي، والذي يتشكل من نواب تم انتخابهم مباشرة من الأوروبيين بعيداً عن تأثير الحكومات المحلية، وينبغي أن نعوّل علي بلورة المزيد من المواقف الشعبية والبرلمانية الأوروبية المتقدمة باتجاه مناصرة الحقوق العربية..2 ـ علي أوروبا تصحيح مقاربتها الراهنة للصراع العربي ـ الصهيوني والتي تقوم علي اجترار المقاربة الأمريكية لهذا الصراع ومحورها: قرارات مجلس الأمن، مبدأ الأرض مقابل السلام، اعتماد خارطة الطريق أساساً للتفاوض.. إن هذه المقاربة هي عبء حقيقي علي السلام الحقيقي، وإذا كانت أوروبا مهتمة فعلا بدورها في السلام وإنجاز السلام في هذه المنطقة فعليها أن تعود لتصبح ذاتها، لا أن تكون ظلاً هزيلاً للولايات المتحدة الأمريكية..3 ـ علي أوروبا أن تبتعد تماما عن سياسة الإملاء التي تتبعها الإدارة الأمريكية تجاه العرب، بدلاً من ذلك علي أوروبا أن تتبع سياسة الحوار القائم علي العدل، وأين العدل في أن تكون القرارات الدولية ملزمة للعرب وغير ملزمة للإسرائيليين؟ أين القرار 242 بسحب الصهاينة لقواتهم من الأراضي التي احتلوها؟ وأين القرار191 الصادر عام 1949 بخصوص حقوق الفلسطينيين في أراضيهم؟ أين العدل في التجاهل الأوروبي لقرار محكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية جدار الفصل العنصري والذي يمثل جريمة حرب حسب المادة 8 من قانون المحكمة الجنائية الدولية، والذي يخرق المادة 46 من ميثاق جنيف لحقوق المدنيين تحت الاحتلال؟ أين العدل في أن تتجاهل أوروبا المجازر الإسرائيلية اليومية ثم تضغط علي العرب لتحقيق الأمن الإسرائيلي بل وتسعي إلي تغيير المناهج الدراسية التي تنص علي حالة العداء العربي للكيان الصهيوني بل وتسعي إلي الربط الأمني والاقتصادي بين العرب والصهاينة؟4 ـ علي أوروبا أن تقبل خيارات العرب السياسية وأن تحاورهم فيها وعلي أساسها، فالشعب الفلسطيني حر في اختيار من يمثله، إلا إذا كانت الديمقراطية التمثيلية هي بالفعل لعبة للإلهاء كما يبدو، والشعب السوداني حر في عدم السماح بانتشار قوات دولية في دارفور، إلا إذا كان مبدأ السيادة للدول قد تم إنهاؤه دون الإعلان عن ذلك رسمياً في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، والشعب المغربي حر في أن يتيح مياهه الإقليمية أو لا يتيحها للصيد أمام أساطيل الصيد الأوروبية، إلا إذا كانت عملية منح الاستقلال للمغرب في الخمسينات من القرن الماضي قد تم إلغاؤها دون إخطار المعنيين بالموضوع. علي أوروبا أن تحترم الخيارات العربية، وان تحاور بشأنها للوصول إلي ما هو مشترك علي أساس من الندية في التعامل..5 ـ علي أوروبا أن تجد حلاً لنفسها، لتحرير نفسها من عقدة العنصرية ومن حالة العداء للعرب وللإسلام ومن حالة العدوان المستمر ضد العرب والمسلمين القاطنين في أوروبا، تماماً كما ان عليها أن تغير تلك الايديولوجية العدائية المتعصبة التي تدفعها للعودة إلي استعمار العراق وشن الحروب علي العرب حتي ولو لحساب غيرها، علي أوروبا أن تعالج نفسها من هذا الداء لأنه لا يمكن علاجها إلا بواسطتها، ولأن استفحال الداء يزيد من حدة العداء. عليها أن تفهم ان السلام والأمن عندها مرتبط بالسلام والأمن عندنا، يجب أن تسعي إلي تحقيق السلام الحقيقي القابل للحياة عندنا كي تنعم هي بسلام دائم.. إننا نريد تفعيل قنوات الحوار والتفاعل بين الشعب العربي والشعوب الأوروبية، سواء باستحداث المزيد من الهياكل الجديدة المؤسسة والداعمة لذلك الحوار أو بتفعيل ما هو قائم من هياكل، كجمعيات الصداقة والغرف التجارية والنقابات والمنظمات والهيئات المشتركة، لا ينبغي أن تبقي علاقة النخب التجارية العربية علي سبيل المثال بمثيلاتها الأوروبية في إطار واحد وحيد هو الحصول علي التوكيلات التجارية من الشركات الغربية الكبري، وهي مهمة يتسلل إليها ـ للأسف ـ كثيراً الأثرياء الصهاينة من أجل فرض نفوذهم، وإنما نريد أن تتحرر تلك الهياكل والقنوات وتنطلق إلي تأسيس علائق مميزة علي الأصعدة.. إن المطلوب أيضا هو حوار ثقافي لإنتاج علاقات متوازنة، بشرط أن يكون الطرف العربي الممثل في ذلك الحوار من غير المثقفين المنتمين ايديولوجياً ونفسياً إلي الجانب الآخر، لأنه في تلك الحالة لن يكون هناك حوار حقيقي، ونريد الحوار المؤسسي في إطار مرجعيات من مؤسسات وجمعيات واتحادات تهدف إلي التوصل إلي برامج وإجراءات لتحقيق أهداف التفاهم علي المستوي التاريخي، ولخلق مناخ عام من الاستعداد للتفاهم في مجالات الفكر والتربية والدين والتاريخ والحضارة والإعلام وليس فقط الاقتصاد والتجارة.. إن لأوروبا جامعاتها في بلداننا وليس لنا عندها سوي مراكز محدودة، مثل معهد العالم العربي بباريس، والجامعة الأوروبية العربية في غرناطة باسبانيا، وهناك المركز الايطالي العربي الذي أسسه السيناتور الراحل ليليو باسو في روما، ولكن هذه المراكز المحدودة الانتشار ـ والتأثير لا يمكن أن تجاري الطموح الحقيقي الذي قد يمتلكه الصادقون في الطرفين لإرساء علاقات مجتمعية قوية ومتينة.. إنها دعوة صادقة لتأسيس علاقة من نوع آخر علاقة مبنية علي احترام متبادل ورعاية صادقة للمصالح وتأمين كل طرف لمجاله الحيوي، فنحن مجالهم الحيوي وهم مجالنا الحيوي، دعوة عمرها في الزمان من عمر بعثة الرشيد إلي شارلمان.. ہكاتب وصحافي ليبي7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية