الغطاء الدولي الذي يجري لخصخصة ميناء حيفا يضع أمام إسرائيل تحدياً أمنياً – سياسياً قابلاً للانفجار، وفي أعقابه قرار حساس تبلوره بخصوص خارطة المتنافسين.
“ذي ماركر” علمت أن هناك جهات أمنية عبرت مؤخراً عن تحفظها من تنافس واحدة من المجموعات في هذا العطاء. تقود هذه المجموعة شركة “يلبورت” التركية، وهي مشغلة موانئ كبيرة تملكها عائلة يلدريم من إسطنبول.
إن خصخصة ميناء حيفا مقرونة بإصدار أمر مصالح، لأن الأمر يتعلق ببنية تحتية وطنية حيوية. ولإصدار الأمر، تشاورت سلطة الشركات الحكومية مع ست جهات خارجية تفحص المتنافسين في الخصخصة قبل وضع اقتراحات شرائية ملزمة. يدور الحديث عن الموساد والشاباك ومجلس الأمن القومي، المسؤول عن الأمن في جهاز الأمن، وشرطة إسرائيل ووزارة الخارجية.
سبب التحفظ من الأتراك غير معروف، وليس هوية الجهة الحكومية المعينة التي تقف من ورائه، ولكن جرت الموافقة على هذا التحفظ بالإجماع.
يتوقع أن تتقدم “يلبورت هولدينغ” لعطاء الخصخصة على رأس “كونسورتسيوم” تشارك فيه أيضاً شركة “غلوبل بورتس هولدينغ” وشركة السفن الأمريكية “غرايستون”. كل هذه تم تجميعها في أيدي ايلي تيلس، رجل الأعمال المخضرم والقديم في مجال الموانئ العالمية والذي رافق منذ العام 2012 الأخوة نقاش في فوزهم في عطاء خصخصة ميناء إيلات.
حسب تركيبة الملكية في الكونسورتسيوم، فإن “يلبورت” قد تمتلك السيطرة. تم تأسيس هذه الشركة في العام 2004، لكن بواسطة حملة شراء كثيفة، فهي تملك الآن امتيازات لتشغيل نحو 20 ميناء في إسكندنافيا وشبه جزيرة سيبيريا وأمريكا الجنوبية. يوجد عدد من الموانئ التي تملكها الشركة قرب قواعد الناتو والقواعد التي يرسو فيها الأسطول الأمريكي.
وثمة موضوع خاص منحته شركة “غلوبل بورتس”، التي تشغل لصالح صناعة صواريخ كروز حوالي عشرين ميناء محدد في أرجاء العالم، واهتمام خاص لفحص الجهات الأمنية. وكانت الشركة التي إدارتها تركية قد بيعت في لندن، وفي سلسلة أصحابها أيضاً شركة تم إصدار أسهمها في تركيا.
“رسالة توصية” لميري ريغف
“يلبورت” التي يترأسها أحد أرباب المال التركي روبرت يلدريم، يمتلكها الكونسورتسيوم الضخم العائلي يلدريم، وهو أحد اتحادات الشركات الكبرى في تركيا، والذي يعنى أيضاً بالمناجم والتجارة الدولية إلى جانب مجال الموانئ.
للعائلة علاقة وثيقة مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. وقبل منافسة الأتراك في عطاء الخصخصة، توجه وزير المواصلات التركي لوزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريغف، بنوع من “رسالة توصية”، عبر فيها عن دعمه لتنافس الشركة التركية كنوع من التجارة المتبادلة بين الدولتين.
هذه الرسالة فاجأت المستوى السياسي في إسرائيل، الذي سارع إلى تفسيرها كمحاولة تركية لتليين العلاقة بين الدولتين. ولكن العلاقات فترت مؤخراً، وتجدد التوتر على خلفية المواجهات بين إسرائيل والفلسطينيين في شرقي القدس وغزة.
أردوغان الذي يحاول وضع نفسه كوصي على الفلسطينيين، اتهم إسرائيل باستخدام الإرهاب وقتل الأطفال الفلسطينيين. وقال إن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، “يداه ملطختان بالدماء” لأنه صادق على بيع السلاح لإسرائيل عشية عملية “حارس الأسوار”.
على أي حال، تم إبلاغ تحفظ الجهات الأمنية، للجنة العطاءات حتى قبل العملية العسكرية في غزة، وأنه لا يرتبط بالسلوك الأخير لتركيا في مثلث العلاقات بين تركيا وإسرائيل والفلسطينيين.
تجدر الإشارة إلى أن مقر نشاطات حماس المالية -حسب تقديرات جهات استخبارية- موجودة في تركيا، وهو يستعين من أجل نقل الأموال بالنظام البنكي التركي ورجال أعمال أتراك.
على الرغم من هذه المعلومات، فمن غير الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستمنع مسبقاً الشركات التركية من الحصول على أي سيطرة على الموانئ أو أنها ستكتفي بالتنازل عن السيطرة في تشكيلة الملكية.
أملت إسرائيل بمتنافسة أخرى من العالم العربي في عطاء خصخصة ميناء حيفا، والحديث يدور عن شركة كبيرة للموانئ في دبي باسم “دي.بي.وير” التي يسيطر عليها السلطان أحمد بن سليم، وهي تنوي المشاركة في العطاء مع شركة سفن إسرائيلية بملكية شلومو فوغل وسامي قصاب وآسي شملتسر.
كانت “دي.بي” تنوي التنافس في العطاء كصاحبة سيطرة على الامتياز، لكنها تراجعت عن نيتها في أعقاب مؤشرات سلبية حصلت عليها من السلطات الإسرائيلية، وخفضت نسبة ملكيتها في المجموعة إلى ما تحت 50 في المئة.
وتم فرض قيد مشابه أيضاً في عطاء تم طرحه قبل سنة من أجل خصخصة محطة الطاقة لشركة الكهرباء في “ألون تبور”. وفي حينه اشترطت الدولة مشاركة “تشاينا هاربر” الصينية في العطاء بشرطين، وهما التنازل عن السيطرة في تركيبة ملكية صاحب الامتياز، والتنازل عن حق الفيتو في مجلس الإدارة.
طرحت هذه الطلبات كعبرة من العطاءات التي طرحتها إسرائيل في 2015 لبيع الامتيازات لتشغيل الموانئ الجديدة في حيفا (ميناء الخليج)، وفي أسدود (ميناء الجنوب). في حينه، فازت “اس.آي.بي.جي” الصينية بامتياز لتشغيل ميناء حيفا لمدة 25 سنة، الأمر الذي أثار ضجة من الإدارة الأمريكية في مرحلة متأخرة.
كعبرة أخرى من العطاء لتشغيل ميناء الخليج، تقرر في عطاء خصخصة ميناء حيفا إجبار الفائز بالعطاء على تعيين إسرائيليين في مجلس الإدارة وتعيين مديرين عامين محليين.
مليار شيكل كهدية
عززت دول العالم في السنوات الأخيرة الرقابة على الاستثمارات الأجنبية في أصولها الاستراتيجية، لا سيما في فترة كورونا، حيث تم استخدام سلسلة مشاريع تجارية كهدف سهل للسيطرة على أموال رخيصة. وإسرائيل، في المقابل، تواصل المماطلة في كل ما يتعلق بالحفاظ على المصالح الاستراتيجية، وتفضل إدارة الموضوع بصورة ضبابية عبر قنوات غير رسمية وغير شفافة. هذا رغم الخوف من أن الدولة تستدعي بذلك ضغوطاً سياسية خطيرة.
وحسب التقديرات، أدى الخطاب السياسي اليقظ في مسألة الاستثمارات الصينية في بنى تحتية وطنية في إسرائيل، إلى انسحاب الصين من التنافس في عطاء خصخصة ميناء حيفا. ولكن في هذه الأثناء يقف التنظيم الإسرائيلي أمام امتحان مركب آخر، بعد أن أعلنت مجموعة “ديلك” نيتها بيع 22 في المئة من حقها في خزان الغاز “تمار” لجهة حكومية في أبو ظبي.
يتوقع أن تكون مرحلة تقديم عطاءات خصخصة ميناء حيفا صيفاً. في العطاء تبيع الدولة فعلياً البنية التحتية لميناء حيفا القديم، الذي يمتد على طول 1660 متراً من الأرصفة، وتضمن للفائز في العطاء رخصة لتشغيله حتى العام 2054.
ستبقي الدولة في خزينة الشركة رأس مال يبلغ 800 مليون شيكل، وتضمن منحة تبلغ 200 مليون شيكل لصالح مجموعات ستمثل لاعباً استراتيجياً دولياً في مجال الموانئ. إجمالي الأموال التي سيحصل عليها من يفوز بالعطاء، ستوجه لأهداف تطوير البنى التحتية في الميناء وتعميق الأرصفة فيه، بهدف زيادة إمكانية نقل حاويات في الميناء بـ 2 مليون “تي.إي.يو” في السنة. وحسب تقديرات الدولة، لن يكون مبلغ بيع ميناء حيفا أقل من 1.5 – 2 مليار شيكل.
إضافة إلى المجموعات التركية ومجموعة “دي.بي” و”سفن إسرائيل”، قد تتنافس في العطاء ثلاث مجموعات على الأقل، وهي “تلكار” بملكية رامي اونغر، التي ستتقدم للعطاء هي ومشغلة السفن الأمريكية “كوفر” وصندوق “جنريشن” من إسرائيل؛ ومجموعة مشتركة من شركات الموانئ الهندية “أداني”؛ و”شبير” للهندسة.
بقلم: آفي بار – ايلي
هآرتس/ ذي ماركر 24/5/2021