نيويورك-الأمم المتحدة ـ «القدس العربي»: تنطلق أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السابعة والسبعين الثلاثاء المقبل. وكالعادة تفتتح البرازيل كلمات رؤساء الوفود يليها كلمة البلد المضيف الولايات المتحدة الأمريكية. ونعتقد جازمين أن الحرب الروسية الأوكرانية ستستحوذ على الجزء الأكبر من الكلمات التي ستزيد عن 190 إضافة إلى توابع تلك الأزمة وتأثيراتها والأزمات المنبثقة عنها وخاصة أزمتي الغذاء والطاقة. وسيلقي رؤساء الوفود نصائح عديدة حول ضرورة وقف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات ومطالبة الدول المعنية بالالتزام بمبادئ القانون الدولي واحترام ميثاق الأمم المتحدة الذي يلزم كافة الدول الأعضاء بتنفيذ قراراته ثم يعودون إلى بلادهم وتبقى الأمور على ما هي عليه. فلا الدعوات إلى وقف إطلاق النار أعيرت أي اهتمام ولا الجلوس حول طاولة المفاوضات أثرت في موقفي بوتين أو زيلينسكي.
لم تنشغل الأمم المتحدة في مسألة واحدة مثلما فعلت على مدى 200 يوم من الحرب في أوكرانيا. يذكرني هذا الانشغال بما حدث مباشرة بعد احتلال القوات العراقية للكويت في الثاني من آب/أغسطس 1990 والشهور اللاحقة. لكن الصورة مقلوبة الآن. فالفيتو الروسي الآن في المرصاد لأي محاولة لإدانة الغزو الروسي بينما تصرف مجلس الأمن في تلك الأيام بشبه إجماع دون معارضة من أي من الدول دائمة العضوية.
القضية الأوكرانية في مجلس الأمن
عندما بدأت العمليات العسكرية في أوكرانيا في 24 شباط/فبراير الماضي كان مجلس الأمن الدولي يعقد جلسة بطلب من الولايات المتحدة حول التهديدات الروسية لأوكرانيا وبينما كان يحاجج السفير الروسي، فاسيلي نيبنزيا، أن مجرد عقد هذه الجلسة يبين أن قرار الحرب ضد بلاده قد اتخذ، وصلت الأخبار أن الاجتياح الروسي لأوكرانيا قد بدأ فعلا. ومنذ ذلك اليوم والمشهد يتكرر- عمليات عسكرية على الأرض، دعوة أمريكية وأوروبية لعقد جلسة لمجلس الأمن تتناوب فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون الخطابات الحادة ضد «العدوان الروسي» فيرد عليهم جميعا نيبنزيا ببرود أعصاب ويذكرهم بجرائمهم في العراق وليبيا وصربيا وفيتنام و«من ارتكب كل تلك الجرائم غير مؤهل أصلا أن يتكلم في القانون الدولي والتمسك بميثاق الأمم المتحدة».
لا يكاد يمر أسبوع واحد دون عقد جلسة أو جلستين للمجلس لبحث المسألة الأوكرانية تحت عدة عناوين أولها «تهديد الأمن والسلم الدوليين» أو تحت البند الإنساني المتعلق بملايين اللاجئين والمشردين داخليا، أو بند التسلح وسلامة المنشآت النووية، ثم أضيف بند رابع يتعلق بالأمن الغذائي. في كل اجتماع يتكرر الاصطفاف الدولي: ست دول تقرع روسيا وتتهمها بكافة الموبقات التي لا يتخيلها أحد، وتصنفها دولة مارقة ومجرمة حرب، وهي الدول دائمة العضوية الثلاث الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. وتصطف إلى جانبها الدول الأوروبية الثلاث النرويج وإيرلندا وألبانيا، والأخيرة أكثرهن صراخا وتطرفا كأنها دولة عظمى طمعا في قبولها عضوا في الاتحاد الأوروبي. وهناك مجموعة من ست دول تأخذ موقفا وسطيا مع بعض التنويعات برفض العدوان على أوكرانيا وتطالب بالتسوية السلمية وباستخدام نفس المعايير في كل الصراعات الدولية، ويتمنون على مجلس الأمن أن يتحمل مسؤولياته في فرض الأمن والسلام. والدول الست هي البرازيل والمكسيك والإمارات العربية والدول الأفريقية الثلاث غانا وكينيا وغابون. الصين تتفرد بموقف غامض تحتاج إلى شيفرة لتحليله والخروج بموقف يفهم منه أنها أقرب إلى روسيا في رفض الهيمنة والتفرد وتفصيل القوانين على مقاس الدول الكبرى، ومن جهة أخرى تؤكد الصين على التزامها بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبدأ سيادة الدول واحترام وحدتها الترابية في إشارات مبطنة إلى مبدأ «الصين الواحدة» الذي اتفق عليه منذ الاعتراف الأمريكي بالصين رسميا في 15 كانون الأول/ديسمبر 1978.
يتفرد السفير الروسي بموقف لا يجد من يدافع عنه ولا يهمه ذلك. فهو دائما مسلح بالمعلومات المغايرة والاقتباسات من مصادر غربية حول تشويه الحقائق على الأرض. وقد دأب السفير الروسي على عقد جلسة موسعة خارج إطار مجلس الأمن تدعى «صيغة أريا» وهو اجتماع موسع مفتوح غير رسمي لأعضاء مجلس الأمن بالإضافة لعدد واسع من الدول المعنية والمنظمات الإقليمية والأفراد المختصين من أجل طرح رواية مغايرة لسرديات الدول الغربية في مجلس الأمن. وما دام مجلس الأمن عاجزا عن اتخاذ أي قرار لذا تقل الفروق بين «صيغة أريا» وجلسات مجلس الأمن. كلها تنتهي إلى لا شيء.
أجهزة الأمم المتحدى الأخرى
بعد أن أطاح الفيتو الروسي بمحاولة إدانة الغزو لأوكرانيا في مجلس الأمن يوم 25 شباط/فبراير حيث حصل مشروع قرار الإدانة على 11 صوتا إيجابيا بينما صوتت الصين والهند والإمارات بـ «امتناع» واستخدم مندوب روسيا حق النقض «الفيتو» تحول المشهد إلى الجمعية العامة وطرح مشروع الإدانة فحصل على 141 صوتا إيجابيا وصوتت خمس دول ضد القرار (روسيا وسوريا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا وإيرتريا) بينما صوت بـ«امتناع» 35 عضوا. وعقدت تلك الجلسة يوم 2 آذار/مارس تحت بند «متحدون من أجل السلام» وهي آلية قوية تستخدم في حالات عجز المجلس عن اتخاذ أي موقف بشأن نزاع دولي ما. وقد أكدت الجمعية العامة في ذلك القرار على الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي أوكرانيا داخل حدودها المعترف بها دوليًا، بما في ذلك مياهها الإقليمية. كما استنكر القرار ما سماه «عدوان الاتحاد الروسي على أوكرانيا» وطالب الاتحاد الروسي بالتوقف على الفور عن استخدامه للقوة ضد أوكرانيا والانسحاب الفوري والكامل من دون قيد أو شرط من أراضي أوكرانيا خارج حدودها الدولية المعترف بها.
وبعد ذلك قامت الدول الغربية بطرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان وتطوع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان وأرسل 42 محققا إلى الميدان وعقد اتفاقيات للتعاون في التحقيق مع أوكرانيا ولاتفيا وبولندا.
التطورات على الأرض
كان العديد من الدول متوجسا من أن الاتحاد الروسي سيستخدم القوة المتطورة لحسم المعركة بسرعة لكن الأمور لم تسر بتلك الوتيرة بعد 200 يوم من الحرب. ويبدو أن خضوع روسيا لمنظومة عقوبات هي الأوسع في التاريخ المعاصر، أضف إلى هذا رفع مستوى جاهزية الجيش الأوكراني وتسليحه بكل أنواع الأسلحة المتطورة التي يملكها الغرب هي التي أبطأت عمليات الجيش الروسي. لقد تعثرت العمليات العسكرية الروسية وتباطأ تقدمها، كما يبدو، ما أعطى فرصة لبعض الدول المترددة أن تعيد النظر في مواقفها. وهناك عدة مؤشرات على هذا التباطؤ:
– قيام القوات الأوكرانية باسترجاع أكثر من 8000 كيلو متر مربع وتحرير مناطق واسعة في خاركيف.
– هناك معلومات تشير إلى أن عدد ضحايا الجيش الروسي مرتفع وأن منظر اشتعال دباباته وتصيّد طائرته أصبح أمرا معتادا.
– الإعلان عن شراء صفقة من الطائرات المسيرة الإيرانية التي دخلت المعركة فعلا وأسقط بعضها.
– تقليص وجود القوات الروسية في سوريا وسحب بطارية س-300.
– كما أن خبر محاولة اغتيال بوتين واعتقال بعض المعارضين للحرب واغتيال أبنة الفيلسوف ألكسندر دوغين الأقرب إلى فكر بوتين، يشير إلى أن المجتمع الروسي بدأ يضيق ذرعا بالحرب وبنتائجها وبمنظومة العقوبات التي تطال الناس في حياتهم.
ونعتقد أن الأصوات المناهضة للحرب والضاغطة باتجاه وقفها سترتفع وتيرتها خلال جلسات الجمعية العامة بعد أن ظهر، على الأقل حاليا، أن روسيا غير قادرة على حسم الحرب بأسرع ما يمكن وبأقل الخسائر. ويبدو أن بوتين وقع في فخ الاستزاف طويل المدى الذي جربته روسيا في أفغانستان واضطرت أن تنسحب كسيرة بعد عشر سنوات من حرب عجزت عن حسمها. فهل نحن أمام أفغانستان جديدة؟