لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، إنّه لا يصدّق التعهّدات التي أطلقتها روسيا بشأن تقليص عملياتها العسكرية في بلاده، مشيراً إلى أنّ قواته تتحضّر لخوض معارك جديدة في شرق البلاد، وفيما تعهدت بريطانيا وحلفاؤها بإرسال مزيد من الأسلحة لأوكرانيا لمساعدتها، اتهمت كييف، موسكو، باستهداف حافلات على متنها متطوّعون كانوا متّجهين إلى مدينة تشيرنيهيف المحاصرة، كما أعلنت أن القوات الروسية بدأت الانسحاب من موقع تشيرنوبيل النووي الذي سيطرت عليه في اليوم الأول من الغزو في 24 شباط/فبراير. وبالتزامن كشف، مدير الاستخبارات البريطانية جيريمي فليمينغ، أن الجنود الروس «يرفضون تنفيذ الأوامر ويخرّبون المعدّات الخاصّة بهم، بل ويُسقطون طائراتهم من طريق الخطأ».
وجاء إعلان الرئيس الأوكراني بعدما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنّ قواتها ستلتزم اعتبارًا من صباح الخميس وقفًا لإطلاق النار في ماريوبول إفساحًا في المجال أمام إجلاء المدنيين من المدينة الأوكرانية المحاصرة، ما اعتبرته نائبة رئيس الوزراء الأوكرانية «تلاعبًا».
وبين زيلينسكي في رسالة مصوّرة «نحن لا نصدّق أحدًا، ولا حتّى عبارة جميلة واحدة» مشيرًا إلى أنّ القوات الروسية تعيد انتشارها لمهاجمة إقليم دونباس الواقع في شرق البلاد.
وأضاف «لن نتنازل عن أيّ شيء. سنقاتل من أجل كلّ شبر من أرضنا».
وبالتزامن، قال وزير الدفاع البريطاني بن والاس إن بريطانيا وحلفاءها اتفقوا على إرسال مزيد من الأسلحة الفتاكة لأوكرانيا لمساعدتها.
وأضاف للصحافيين بعد استضافة أكثر من 30 من الشركاء الدوليين في مؤتمر «نتيجة اليوم (أمس) هي أنه ستُرسل مزيد من المساعدات الفتاكة إلى أوكرانيا. تقدمت دول عدة إما بأفكار جديدة أو بمزيد من التعهدات المالية الفعلية».
وأردف أن المساعدات الفتاكة تتضمن قطع مدفعية أبعد مدى وذخيرة ومزيدا من الأسلحة المضادة للطائرات.
محاصرة تشيرنيهيف
في غضون ذلك، قُتل شخص وأصيب أربعة آخرون بجروح في إطلاق نار استهدف قافلة إنسانية مكوّنة من خمس حافلات على متنها متطوّعون كانوا متّجهين إلى مدينة تشيرنيهيف المحاصرة في شمال أوكرانيا، حسب ما أعلنت السلطات الأوكرانية.
وقالت ليودميلا دينيسوفا، المسؤولة عن ملف حقوق الإنسان في البرلمان الأوكراني، إنّ «المقاتلين الروس أطلقوا النار على قافلة من المتطوّعين بالقرب من تشيرنيهيف. خمس حافلات كانت متجهة إلى المدينة لإجلاء مدنيين تعرّضت لإطلاق نار».
وأضافت «قُتل شخص وأصيب أربعة آخرون بجروح خطرة» متّهمة القوات الروسية «بعدم إتاحة أي إمكان لإجلاء المدنيين من مدينة تشيرنيهيف المحاصرة، وبترك عشرات آلاف المدنيين بلا طعام ولا ماء ولا تدفئة».

وتعهّدت، الثلاثاء، موسكو التي تقول إنها تريد التركيز على إقليم دونباس حيث تقع المنطقتان الانفصاليتان دونيتسك ولوغانسك، «الحدّ بشكل جذري من نشاطها العسكري في اتجاه كييف وتشيرنيهيف» في شمال البلاد، بعد المفاوضات الروسية الأوكرانية في اسطنبول.
وعلى المدى المنظور، «نتوقّع أن يزداد إطلاق النار على الوحدات الأوكرانية» مع اعتبار «مهمّة محاصرة مدينة تشيرنيهيف» هدفًا، حسبما قالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية مساء الأربعاء عبر فيسبوك.
ولفت المتحدث باسم وزارة الدفاع الأوكرانية أولكسندر موتوزيانيك الأربعاء إلى أنه لاحظ خروج وحدات معينة من كييف وتشرنيهيف، لكن «لم يكن هناك انسحاب مكثف للقوات الروسية من هذه المناطق» على عكس ما تعهّدت به موسكو قبل يوم.
وتواصل القوات الروسية في الشرق «محاصرتها لمدينة خاركيف وقصفها» حسب هيئة الأركان الأوكرانية التي قالت إن «باتجاه دونيتسك، يحاول العدو السيطرة على بوباسنا وروبيجني والاستيلاء على ماريوبول» حيث يواصل الروس «تنفيذ هجماتهم».
وقال فاديم دينيسينكو، أحد مستشاري وزير الداخلية الأوكراني، عبر قنوات تلفزيونية أوكرانية إن «الروس بدأوا باستخدام مطار بريست (في بيلاروس) لقصف أراضينا».
وفي شرق أوكرانيا أيضًا، استعاد الجيش الأوكراني السيطرة على طريق سريع استراتيجي يربط خاركيف بشوهويف. وقال مسؤول في الاستخبارات الأوكرانية «هناك جثث روسية منتشرة في كل مكان» مضيفًا «كان القتال صعبًا جدًا، واستمر قرابة ثلاثة أيام».
وغادرت القوات الروسية مدينة تروستيانتس بعد شهر من احتلالها.
في الموازاة، أعلن قائد اللواء 92 في القوات الأوكرانية الخميس إن الوضع «مستقر» في خاركيف، لكن الجيش الروسي «يعيد تجميع قواته للهجوم» في شرق البلاد وجنوبها.
وبين الجنرال بافلو «مايسترو»: «اعتقدوا (الروس) أنهم سيدخلون إلى أوكرانيا كما فعلوا في شبه جزيرة القرم. لكن ذلك لم ينجح، ولهذا السبب تراجع العدو وهو بصدد إعادة تجميع صفوفه».
وأضاف الجنرال أن الجيش الروسي «يعيد تجميع صفوفه للهجوم ووضع أكبر عدد من القوات في المنطقة باتجاه سلوبوزانشتشينا» الجزء الشمالي الشرقي من البلاد الممتد من خاركيف إلى لوغانسك، وفي ماريوبول.
الجنود الروس يغادرون تشيرنوبيل والاستخبارات البريطانية تتحدث عن رفض بعضهم تنفيذ الأوامر
وأكد الضابط الكبير البالغ 47 عاما أنه «لا يجب أبدا التقليل من شأن العدو». وكان زيلينسكي قد وصف بافلو في 3 آذار/مارس أنه «بطل» لقيادته عمليات الدفاع عن خاركيف في الأيام الأولى الحرب.
وبعد طرده من ضواحي مدينة خاركيف، لا يزال الجيش الروسي متمركزا على الأطراف الشمالية والشمالية الشرقية للمدينة حيث يقصف بشكل يومي المناطق السكنية الواقعة في مرمى نيرانه.
وتابع الجنرال «مايسترو» وهو لقب يحمله منذ حرب 2014/2015 في منطقة دونباس شرق البلاد، أن «الوضع في خاركيف مستقر. نحن ندافع عن أنفسنا في كل الاتجاهات ونحاول دحر العدو».
وتعليقا على استعادة القوات الأوكرانية في وقت سابق من هذا الأسبوع قرية مالا روغان وطريقا سريعا في الضواحي الشرقية حيث تكبد الروس خسائر فادحة، اعتبر الضابط الكبير أنها «عملية كلاسيكية ننفذ مثلها يوميا».
وأكد أن «معنويات قواتنا مرتفعة، نحن هنا على أرضنا ونحمي عائلاتنا وانتصاراتنا ترفع معنوياتنا».
واختتم الجنرال «مايسترو» حديثه قائلا «إلى القوات الروسية التي تهاجمنا، هذه رسالتي: احملوا جنودكم، احملوا أطفالكم، واحملوا كل مركباتكم وعودوا إلى دياركم أحياء».
«الحرب مستمرّة»
رغم المفاوضات التي جرت الثلاثاء في اسطنبول بين الوفد الروسي والوفد الأوكراني، قال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف للصحافيين مساء الأربعاء «في الوقت الراهن، لا يمكننا الإشارة الى أي نتائج واعدة جدًا أو تقدم من أي نوع. هناك كثير من العمل لانجازه».
وأشار وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان مساء الأربعاء إلى أن باريس لا ترى «تقدمًا» في المفاوضات الروسية الأوكرانية أو «أمرًا جديدًا» في الوضع في أوكرانيا بعد إعلان روسيا تقليص نشاطها العسكري حول كييف وشمال أوكرانيا.
وصرح لودريان لقناة فرانس ـ 24 «الحرب مستمرة. في الوقت الحالي ليس هناك تقدم أو أمر جديد حسب علمي».
وأكّد رئيس الوفد الأوكراني المُفاوض دافيد أراخاميا، الأربعاء، لقنوات تلفزيونية أن «المفاوضات مع البعثة الروسية ستُستأنف في الأول من نيسان/أبريل عبر الانترنت».
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية مساء الأربعاء عن وقف لإطلاق النار ابتداء من صباح الخميس في مدينة ماريوبول الأوكرانية المحاصرة من أجل إجلاء المدنيين.
وأضافت في بيان «لكي تنجح هذه العملية الإنسانية، نقترح تنفيذها بمشاركة مباشرة من ممثلي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واللجنة الدولية للصليب الأحمر».
وقد استقبل الجانب الأوكراني الإعلان بهدوء، بحيث تحدثت نائبة رئيس الوزراء إيرينا فيريشوك عن ذلك باعتباره «تلاعبًا» إضافيًا، في مقابلة مع وسيلة إعلامية أوكرانية.

وحسب الشهادات، نحو 160 ألف مدني محاصرين في هذه المدينة تحت القصف واختبأوا في ملاجئ دون كهرباء وينقصهم طعام وماء.
واتهمت السلطات الأوكرانية الأربعاء روسيا بقصف مركز للجنة الدولية للصليب الأحمر في ماريوبول وتشيرنيهيف.
معنويات متدنية
واعتبر مدير الاستخبارات البريطانية جيريمي فليمينغ، الخميس، أنّ مستشاري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «يخشون إخباره بالحقيقة» بشأن استراتيجيته الحربية «الفاشلة» في أوكرانيا.
وأضاف «لقد رأينا جنوداً روساً ـ يفتقرون إلى السلاح ومعنوياتهم متدنية، يرفضون تنفيذ الأوامر ويخرّبون المعدّات الخاصّة بهم، بل ويُسقطون طائراتهم من طريق الخطأ».
وتابع «حتى لو كان مستشارو بوتين يخشون إخباره بالحقيقة، فإنّ ما يحدث ومدى جسامة هذه الحسابات الخاطئة يجب أن يكونا واضحين تماماً للنظام».
وكرّر المسؤول البريطاني بذلك ما أدلى به الأربعاء مسؤول كبير في البيت الأبيض لجهة أنّ بوتين يتلقى معلومات مضلّلة حول مسار الحرب في أوكرانيا لأنّ مستشاريه يخشون إطلاعه على الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تكبّدتها روسيا بسبب غزوها جارتها.
وقال المسؤول في البيت الأبيض طالباً عدم نشر اسمه إنّ معلومات استخباراتية أمريكية رفعت عنها السرية أظهرت أنّ «بوتين لم يكن على علم حتّى أنّ جيشه كان يجنّد متطوّعين ويخسرهم في أوكرانيا، ما يدلّ على انقطاع واضح في حصول الرئيس الروسي على معلومات موثوق بها». وتحاول الاستخبارات الغربية تسليط الضوء على إخفاقات روسيا في هذه الحرب والانقسامات داخل الدائرة المحيطة ببوتين.
انسحاب من تشيرنوبيل
إلى ذلك، أعلنت وكالة الطاقة النووية الأوكرانية (إنرغواتوم) الخميس أن القوات الروسية بدأت الانسحاب من موقع تشيرنوبيل النووي الذي سيطرت عليه في اليوم الأول من الغزو في 24 شباط/فبراير.
وقالت «إنرغواتوم» عبر تلغرام إن القوات التي احتلت الموقع غادرت «في رتلين باتجاه الحدود» بين أوكرانيا وبيلاروس، مضيفة أنه لم يتبق سوى «عدد قليل» من العسكريين الروس في المكان.
وأضاف البيان الصادر عن الوكالة الأوكرانية «هناك أيضا أدلة على أن رتلا من العسكريين الروس الذين يحاصرون مدينة سلافوتيتش (حيث يقيم طاقم المنشأة) يتشكل حاليا للتوجه نحو بيلاروس».
في تدوينة منفصلة عبر تلغرام، نشرت «إنرغواتوم» صورة لوثيقة بعنوان «تصريح نقل حماية محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية» تحمل توقيع جنرال روسي بتاريخ 31 آذار/مارس، قدمتها على أنها تضفي طابعا رسميا على مغادرة القوات الروسية.
وكان مسؤول أمريكي كبير في البنتاغون طلب عدم ذكر اسمه، قد أشار مساء الأربعاء إلى أن الجيش الروسي بدأ بالانسحاب من مطار غوستوميل شمال غرب كييف ومن تشيرنوبيل إلى بيلاروس.
وتوقفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ 9 آذار/مارس عن تلقي بيانات مباشرة من تشيرنوبيل. وأعربت عن قلقها الأحد بشأن تعطل مداورة الموظفين في المنشأة منذ 20 آذار/مارس.
وفي العام 1986 انفجر المفاعل الرقم 4 في المحطة، ما تسبب في أسوأ كارثة نووية مدنية في التاريخ. والمنشأة النووية مغطاة حالياً بغطاء حجري مزدوج، أحدهما بناه السوفيات وصار متضررا، والآخر أكثر حداثة تم وضعه عام 2019. وأغلقت المفاعلات الثلاثة الأخرى بالمحطة تدريجياً بعد الكارثة، آخرها عام 2000.