الهجوم الأوكراني على كورسك سمح لكييف باستعادة زمام المبادرة ورفع معنويات قواتها على الرغم من الصعوبات التي تواجهها في شرق البلاد، لاسيما خسارتها لمدينة فوغليدار الاستراتيجية والرمزية.
باريس ـ «القدس العربي»: توغل القوات الأوكرانية لأول مرة في الأراضي الروسية والسيطرة على نحو ألف كيلومتر مربع، وضرب كييف العمق الروسي للمرة الأولى منذ بدء الحرب بصواريخ أمريكية بعيدة المدى بعد حصولها على الضوء الأخضر الأمريكي، ثم تغيير روسيا لعقيدتها النووية وإطلاقها لأول مرة صاروخا باليستيا فرط صوتي متوسط المدى على منشأة عسكرية أوكرانية، وتهديديها بضرب الدول الغربية التي تستخدم أوكرانيا أسلحتها، ناهيك عن الاتهامات الغربية لكوريا الشمالية بنشر قوات في روسيا، هي تطورات شكّلت أبرز محطات الحرب الروسية الأوكرانية خلال العام 2024.
في السادس من آب/أغسطس الماضي، توغلت القوات الأوكرانية بشكل مفاجئ في منطقة كورسك الروسية المتاخمة لأوكرانيا، في أول دخول لقوات أجنبية إلى العمق الروسي منذ الحرب العالمية الثانية. وعبرت مجموعات من المقاتلين الأوكرانيين المجهزة بالدبابات والعربات المدرعة الحدود الروسية الأوكرانية إلى أراضي مقاطعتي سودجا وكورينيفو في منطقة كورسك. وأعلنت لاحقاً سيطرتها على أكثر من ألف كيلومتر مربع ونحو مئة قرية. ورغم أن هذا الهجوم الأوكراني على كورسك كان رهانًا محفوفًا بالمخاطر، إلا أنه سمح لكييف باستعادة زمام المبادرة ورفع معنويات قواتها على الرغم من الصعوبات التي تواجهها في شرق البلاد، لاسيما خسارتها لمدينة فوغليدار الاستراتيجية والرمزية، بعد عامين ونصف من القتال الدامي.
روسيا، ردت بحشد حوالي خمسين ألف جندي بينهم حوالي عشرة آلاف جندي كوري شمالي، حسب كييف وحلفائها الغربيين، والذين يندرج نشرهم في إطار اتفاقية الدفاع التي وقعت بين كوريا الشمالية وروسيا في حزيران/يونيو الماضي. وواصل الجيش الروسي هجماته العنيفة لاستعادة المناطق التي خسرها في كورسك، حيث تزعم موسكو أنها استعادت العديد من القرى. وفي إشارة إلى أن إدارة الوضع في منطقة كورسك تخضع لمراقبة الكرملين عن كثب، استبدل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حاكم المنطقة ثلاث مرات في غضون عام واحد.
علاوة على التوغل الأول من نوعه لقواتها في الأراضي الروسية منذ بدءِ الحرب في عام 2022، ضربت أوكرانيا أيضا الأراضي الروسية للمرة الأولى بصواريخ ATACMS الأمريكية، وذلك تزامناً مع اليوم الألف من الحرب، وبعد حصولها أخيراً على الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي جو بايدن باستخدام أنظمة الصواريخ هذه والتي يصل مداها إلى 190 ميلا، في تطور شكل تغييرا كبيرا في السياسة الأمريكية. غداة، ذلك أطلق الجيش الأوكراني أيضا سلسلة من صواريخ كروز ستورم شادو بريطانية الصنع ضد الأراضي الروسية، بعد حصوله على موافقة لندن، التي ظلت قبل ذلك تسمح باستخدام هذه الصواريخ بعيدة المدى فقط داخل الأوكرانية لصد الهجمات الروسية. وكانت أوكرانيا تطالب منذ فترة طويلة بالحصول على الضوء الأخضر من الغرب لضرب أهداف روسية من مسافة بعيدة، مشيرة إلى ضرورة الدفاع عن نفسها ضد هجوم موسكو، لتتمكن من الوصول إلى القواعد الخلفية التي يستخدمها الجيش الروسي.
في مواجهة هذا التصعيد، قام الرئيسُ الروسي بالتوقيع على مرسوم يضفي طابعا رسميا على عقيدته النووية الجديدة التي توسع نطاق اللجوء إلى أسلحة نووية. وتشمل التحديثات الجديدة اعتبار أي هجوم تقليدي على روسيا من دولة غير نووية مدعومة من دولة نووية هجوما مشتركا، بالإضافة إلى أن أي هجوم جوي واسع النطاق بطائرات وصواريخ موجهة وطائرات مسيرة تعبر حدود روسيا قد يؤدي إلى رد نووي. بعد ذلك، أطلق الجيش الروسي صاروخا بالستيا فرط صوتي متوسط المدى يحمل اسم «أريشنك» على منشاة عسكرية أوكرانية. وأكد الرئيسُ الروسي أن هذا الصاروخ الجديد كان مزوّدا برأس حربية تقليدية وليس نووية، لكنه حذر في الوقت نفسه من إمكانية إطلاق المزيد، ومن أنّ النزاع في أوكرانيا «اكتسب عناصر ذات طابع عالمي» ومن أن موسكو لا تستبعد ضرب الدول التي تستخدم أوكرانيا أسلحتها ضد الأراضي الروسية. وتحسباً منه هجوم واسع النطاق من روسيا في أوكرانيا، وضع حلف شمال الأطلسي قوة الرد السريع التابعة له في حالة تأهب.
وأتى فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ليلقي بثقله على تطورات الحرب في أوكرانيا ويغرقها في المجهول، وسط قلق في كييف ولدى حلفاء واشنطن الأوروبيين من أن يوقف ساكن البيت الأبيض الجديد دعم بلاده لأوكرانيا، كما وعد بذلك خلال حملته الانتخابية، والتي أكد خلالها أيضا أنه سيتوصل إلى اتفاق مع روسيا وينجح في وضع حد للحرب.
ومنذ فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية، بدت هناك مرونة في لهجة فولوديمير زيلينسكي، مع تزايد التكهنات بشأن محادثات محتملة. وأكد الرئيس الأوكراني يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر، أنه يريد سلاما دائما» لبلاده، وذلك غداة مقابلة في باريس مع الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، الذي دعا إلى «وقف فوري لإطلاق النار» والمفاوضات لإنهاء الحرب مع روسيا. كما أوضح أن كييف يجب «على الأرجح» أن تتوقع مساعدات أمريكية أقل بعد توليه السلطة. وشدد ترامب أيضاً على معارضته لاستخدام الصواريخ الأمريكية في وروسيا، معتبراً أن ذلك يؤدي إلى «تصعيد الحرب وجعلها أسوأ». ولاقت تصريحاته ترحيباً من الكرملين، الذي يتهم الرئيس الأوكراني بـ«رفض التفاوض» مع فلاديمير بوتين على إنهاء الصراع في أوكرانيا، مطالباً مرة أخرى كييف أن تأخذ في الاعتبار «الحقائق على الأرض» حيث تواجه أوكرانيا صعوبات على خط المواجهة مع تراجعها شرقاً أمام قوة نيران الجيش الروسي، بينما قد تنضب المساعدات الأمريكية مع عودة دونالد ترامب إلى السلطة. وأكد الكرملين، يوم الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر عدم استيفاء «الشروط المسبقة» للمفاوضات بشأن أوكرانيا.
وعلى وقع الحرب المستمرة، شهد عام 2024 بدء أوكرانيا ومولدوفا رسميا مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في خطوة وصفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بـ«التاريخية». غير أننا أمام عملية طويلة ومعقدة. وترغب السلطة التنفيذية الأوروبية في الدخول في الجزء الصعب من المحادثات «في أقرب وقت ممكن» في عام 2025 من خلال فتح الفصول الخمسة والثلاثين للمفاوضات، والتي تتراوح من سيادة القانون إلى حماية البيئة. من المتوقع أن تكون عملية العضوية طويلة وشاقة. إن الدخول المحتمل لأوكرانيا، الدولة التي يزيد عدد سكانها على 40 مليون نسمة والتي تتمتع بقوة زراعية، يفرض صعوبات عديدة، بدءاً بالمساعدات المالية التي ينبغي أن تستفيد منها.
وشهد العام 2024، مقتل قائد قوات الدفاع الإشعاعي والكيميائي والبيولوجي الروسية إيغور كيريلوف خلال انفجار في ضاحية موسكو، يوم 17 كانون الأول/ديسمبر، تبنته أوكرانيا.