أوكرانيا: فشل الهجوم المضاد وتحول قوات كييف إلى وضعية دفاعية

حجم الخط
0

بعد مرور أزيد من ستة أشهر على إطلاقه، فشل الهجوم الأوكراني المضاد ولم تتمكن قوات كييف من تحرير أي مدينة رئيسية، مكتفية بدخول القليل من البلدات الصغيرة غير الوازنة.

باريس ـ «القدس العربي»: لم يحمل عام 2023 الكثير من الأخبار السارة لأوكرانيا وجيشها الذي تعرض لانتكاسات استراتيجية.

فبعد قتال ماراثوني خلف آلاف القتلى العسكريين من الجانبين، تمكنّت روسيا من احكام السيطرة على مدينتي سوليدار في منطقة دونيتسك في كانون الثاني/يناير الماضي، وبعد ذلك بنحو أربعة أشهر سيطرت روسيا أيضا على مدينة بالموت الإستراتيجية في دونيتسك. وكان لميليشيا مجموعة فاغنر الخاصة شبه العسكرية الدورٌ المحوري في سقوط هاتين المدينتين الاستراتيجيتين، وهو ما هنّأها عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
معولة على إمدادات حلفائها الغربيين، أطلقت  كييف في بداية حزيران/يونيو الماضي هجوماً مضاداً واسعاً لتحرير مناطق دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون، والذي اكتسب زخماً إعلامياً غربياً واسعاً. أرادت كييف اختراق المنظومة الدفاعية الروسية المبنية بين مدينتي زابوريجيا ودونيتسك جنوبي البلاد، في محاولة للوصول إلى بحر آزوف، على مستوى بلدتي ميليتوبول، بيرديانسك أو ماريوبول. وكانت مثل هذه المناورة ستسمح للأوكرانيين بتقسيم الجيش الروسي إلى قسمين، وخاصة عزل قواته المنتشرة في أقصى الغرب، على الضفة اليسرى لنهر دنيبر. وكان من الممكن أن يسمح ذلك بكسر الجسر البري الذي يربط روسيا بشبه جزيرة القرم، والذي تستخدمه موسكو لتزويد جميع قواتها الموجودة في جنوب البلاد بالرجال والمعدات.
ووسط الهجوم الأوكراني المضاد، جاء تمرد قائد مجموعة «فاغنر» الروسية، يفغيني بريغوجين، المفاجئ في 24 حزيران/يونيو الماضي، في أعقاب خلافات مع القيادة العسكرية، ليمثّل حدثاً استثنائياً في روسيا وتطوراً على صعيد الحرب مع أوكرانيا. لكن سرعان ما تم تطويق هذا التمرد، الذي تم تبريره بفشل الجيش الروسي في مواجهة القوات الأوكرانية، عقب تدخل من الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشنكو، المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي أسفر عن اتفاق غادر بموجبه قائد فاغنر والعديد من المقربين منه إلى بيلاروسيا. ليختفي بريغوجين بعد ذلك عن ساحة الحرب، قبل أن يختفي نهائياً بعد شهرين من عملية تمرده، إثر سقوط الطائرة التي كان على متنها مع أبرز مساعديه في منطقة تفير شمالي العاصمة الروسية موسكو، حيث كانت الطائرة متوجهة في رحلة داخلية من موسكو إلى سان بطرسبورغ. وما زالت التساؤلات تحوم حول سبب سقوط وتحطم هذه الطائرة الخاصة، في ظل تلميحات خارجية بأن الكرملين هو من يقف وراءها بغرض الانتقام.
لكن خروج بريغوجين وميليشياته من المشهد لم تكن له على ما يبدو تداعيات ملموسة على المستوى العسكري، فبعد مرور أزيد من ستة أشهر على إطلاقه، لم تتمكن قوات كييف من تحرير أي مدينة رئيسية، مكتفية بدخول القليل من البلدات الصغيرة. يعود السبب الرئيسي لهذا الفشل – حسب مراقبين ومحللين- إلى فعالية الدفاع الروسي، ولكن أيضا استخدام القوات المتاحة وتوزيعها؛ ناهيك عن أنه لم يتم استخدام الدبابات الغربية التي طال انتظارها، والتي وصلت بأعداد صغيرة جدًا، بشكل فعال بسبب عدم إتقان القتال بالأسلحة المشتركة، لاسيما الدبابات الغربية (ليوبارد الألمانية، وتشالنجر البريطانية، وأو أبرامز الأمريكية). فرغم أنها ذات جودة عالية، لكنها لا تستطيع القتال ضد حقول الألغام بين الخنادق ولا ضد الصواريخ المضادة للدبابات التي تطلق من التحصينات.

خفض سن التجنيد

أمام هذه التحديات، أُقر مشروع قانون، في أوكرانيا نهاية العام، لخفض سن الأشخاص الذين يمكن تجنيدهم في إطار التعبئة للحرب من 27 إلى 25 عاما، وذلك للتغلب على صعوبات لتجنيد عسكريين وإرسالهم إلى الجبهة. وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد أقال نهاية آب/اغسطس الماضي جميع المسؤولين عن التجنيد العسكري في كل مناطق البلاد، في خطوة وضعها في إطار محاربة نظام فساد مستشر على هذا الصعيد ويستغله مجندون للفرار من الخدمة.
ومع مرور الوقت يتزايد الشك في الغرب حيال مدى جدوى الاستمرار في تسليح القوات الأوكرانية على نطاق واسع في الوقت الذي أظهرت فيه عدم قدرتها على المضي قدما واختراق  الخطوط الروسية. ويخشى العديد من الخبراء والمراقبين من نفاد ذخيرة أوكرانيا في عام 2024 ولا سيما القذائف عيار 155 ملم، وهي العيار القياسي لحلف شمال الأطلسي المستخدم في المدفعية ذات الأصل الغربي، بسبب نقص الإمدادات من الدول الحليفة. فقد أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن شحنات قذائف المدفعية إلى بلاده «انخفضت» على خلفية اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، والتي اشتكى من تسببها في صرف نظر المجتمع الدولي عن غزو روسيا لبلاده.
وفي خطوة تعزز من مخاوف كييف حيال تراجع الدعم الغربي، عرقل الجمهوريون بمجلس الشيوخ الأمريكي طلب الميزانية الذي تقدم به الرئيس جو بايدن، بقيمة 105 مليارات دولار، والتي تشمل مساعدات لإسرائيل وأوكرانيا. في موازاة هذه الخطوة، تلقت كييف خبراً سعيداً، على الصعيد السياسي والدبلوماسي، تمثل في قرار المجلس الأوروبي فتح باب المفاوضات لضم أوكرانيا ومولدافيا. وهي خطوة اعتبرها الرئيس الأوكراني «انتصاراً»  لبلاده ولأوروبا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية