أتابع مثل كثيرين، هذه الحرب التي تقودها روسيا على أوكرانيا. وهذه حرب قد تكون من نوع مختلف ومشهد من مشاهد كثيرة تثوي في خلفية مسرح التاريخ؛ تروح وتجيء كظلال الأشكال السحرية، ورسومها تدور حول مصباح يمسكه صاحب العرض في لحظة من لحظات التاريخ الفارقة. ولعلّ شعار المتحاربين والآخرين من المتفرّجين على التراجيديا الأوكرانية:
« طالما اشتريت الدمى، فما المانع من شراء المسرح أيضا؟».
لكنها تجعل كثيرا منا يستحضر فلسطين والظلم المسلط عليها، وبعضه من ظلم ذوي القربى، سواء أكانوا دولا أم منظمات. وقد يكون خطر هذه المنظمات أو بعضها، أشدّ على فلسطين وقضيتها. من ذلك التذرع بالديني في مقارعة الاحتلال، وليس الدين من حيث هو حق الفرد في إضفاء معنى على حياته. وهو ما يفعله المحتل الإسرائيلي، خاصة المتزمتين. والمقصود في السياق الذي أنا به استحضار ماضٍ أساسه نوع من التمثّل، كما هو الشأن عند السلفيين عامة؛ يفيد، من بين ما يفيد، إعادة إحضار «الهوية الدينية» ممارسة. وقد لا يخفى أنّ المًصادرة التي يأخذ بها هؤلاء، كلّما تعلق الأمر بتمثّل الماضي؛ أنّ الهويّة حقيقة ثابتة معطاة ما قبليّا، أو أنّ من واجب الخلف (مسلمو هذا العصر) أن يشبهوا أسلافهم؛ وكأنّ الأمر يتعلّق بـ»نسخة مطابقة للأصل». وقد يجد بعضهم في هذه «الأبستيميّة» الجديدة مسوّغا ما لاستمراريّة التقليد السلفي. لكن شتّان بين «المعاودة» و»المشابهة» كما أشرت إلى ذلك في مقال سابق؛ فالتّاريخ ليس تكرارا كمّيا أو مشابهة كمية، ومجال العلم الطبيعيّ ليس هو مجال الفعل الإنساني. وإذ نقول عن شيئين إنّهما متشابهان مثل قطرتيْ ماء، أو «لا علم إلاّ بما يتكرّر»؛ فالاختلاف هو بالطّبيعة بين المعاودة والمشابهة.
بَيْدَ أنّه ليس في ميسور أيّ منّا؛ حتى لو كان مؤرّخا، وهو يواجه هذا «الفكر الماضوي» أن يقف موقفا محايدا أو أن يدّعي الموضوعية المطلقة فـ»لا ينتمي إلى عصر بعينه ولا إلى بلد بعينه»؛ على نحو ما يشترط البعض في معالجة الأحداث التاريخيّة. فهذه موضوعية لا سند لها من واقع أو تاريخ؛ بل هي أشبه ـ متى سلّمنا بها ـ بثوب ينضاف إلى ثيابنا، فنخلعه متى نشاء، ونرتديه متى نشاء، بل هي «موضوعية» تفيض على حواف التاريخ، وتجاذب أحداثه بغير وجه حقّ. وكلّ تفكير معقود عليها، تميدُ من تحته الوقائع، وتضطرب قراءتها. وغنيّ عن التذكير بالمقولة المأثورة بأنّ كلّ تاريخ هو في حقيقته تاريخ معاصر، يمسّنا في العمق؛ سواء كنا على أطراف وقائعه أو في الصميم منها. وقضية فلسطين إنما هي قضية احتلال واستيطان، حتى وإن أضفى عليها البعض، عن حسن نية أو سوء طوية، بعدا دينيا.
في هذا السياق حيث تستدعي أوكرانيا فلسطين، أعود إلى أخطر سؤال يطرحه علينا العدد الخاصّ القديم الذي خصصته جريدة «لومانيتي» الفرنسية، لنصرة غزّة ، ولا يزال يطرح
l’Humanité, numéro spécial «Gaza le symbole meurtri de la Palestine
بمشاركة جمعيّة التضامن فرنسا/فلسطين وجمعية النجدة الشعبية الفرنسية، ولم أجد من اهتمّ به منا نحن العرب، أيّ صنف من البشر هؤلاء الذين يرتكبون جرائمهم بكلّ برودة دم؟ وهل ثمّة ما يستدعي التأكّد من أنّ انسانا مثلنا من لحم ودم ـ يقبل أن تقرّ عينه، لمجرد أنّ جريمته تجد في قوى الهيمنة العالمية من يبررها، ويحمل المسؤولية عنها ـ هو «شبح إنسان» لا أكثر ولا أقلّ؟
يذكّرنا باتريك لو هياريك مدير الجريدة، بأنّ ضحايا الجيش الإسرائيلي؛ وهو خامس قوّة عسكريّة في العالم، هم: 2143 شهيدا فلسطينيا من بينهم 577 طفلا، و11230 جريحا، من بينهم 3374 طفلا، وأنّ عدد المباني المهدّمة 11000 والمساكن 46000 والمدارس الفلسطينيّة 141 ومدارس الأمم المتّحدة 136، والمستشفيات 17… وهذه جريمة حرب يجب أن يُحاكم عليها مرتكبوها، كما يقول الكاتب. حقّا إلى أيّ حدّ يظلّ المجرم الذي ربح «الخلاص» سيّد ضحكته؟ إنّ هذا العدد من «لومانيتي» جدير بأن تعاد قراءته ونحن نقارن بين الجرائم التي ترتكب في أوكرانيا وتلك التي ترتكب في فلسطين، لا لمحتواه وحسب؛ ويصعب أن يُعرض في خطف كالنبض ـ وإنّما لأنّه يحفزنا أيضا إلى إعادة قراءة خطاب «ما بعد الاستعماري» وما يتعلّق به من قضايا الهيمنة التي صارت تستدعي تحليلا من نوع مختلف؛ خاصة في هذه المرحلة التي لا تزال معالمها غامضة.
وربما أبانت عنها ملصقات من أشكال ورسوم وتعابير خطيّة من أجل غزّة؛ أنجزها رسّامون وراسِمون بارعون، من بلدان مختلفة من فلسطين ولبنان وتركيا وإيران والأرجنتين والولايات المتّحدة الأمريكيّة وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا، حتى من إسرائيل. وقد كتب توماس لومانتيو: «من أجل مواجهة جرائم الحرب في غزّة واحتلال فلسطين، نتوجّه إلى الإنسانية كلها؛ بهذه الملصقات.. فقد توقّف إطلاق النار، لكنّ التضامن لا يتوقّف…» ورسم الكاتب والسيناريست دافيد بنيتو بورتريه للفلسطينيّة فرح بكر ابنة 16 ربيعا التي كتبت في صفحتها: «عشت، منذ ولادتي ثلاث حروب، وأقدّر أنّ هذا كافٍ… كان حلمي أثناء الحرب، أن أبقى على قيد الحياة. وأظنّ أنّ الحرب يمكن أن تندلع في أيّ لحظة، وتقتلني. وعليه فأنا أفضّل أن لا أتخيّل مستقبلي البتّة».
هذه الحرب على أوكرانيا تؤكّد حاجتنا إلى مثل هذه النزعة الإنسانية الجديدة التي يمكن أن تساهم في «فكّ عقدة النقص التاريخيّة في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركّب العظمة لدى الآخر الغربي، بتحويله من ذات دارسٍ إلى موضوع مدروس».
سؤالنا ونحن نسرح بعيدا إلى غزّة والضفة الغربية والمستوطنات التي تسيّجها، والصمت الفادح عن هذه الجرائم المروعة التي ارتكبت وترتكب بحقّ الفلسطينيين: هل ثمّة حقّا فرق بين «الهيمنة» وخطاب الاستعمار التقليدي الذي بلورته الثقافة الغربية منذ القرن التاسع عشر؟ فقد سعى هذا الخطاب، من خلال منجز ثقافي متنوّع، إلى تمثل شتى التوجهات الاستعمارية التي حكمت أوروبا، ووسمت موقفها من العالم الواقع على أطرافها أو خارج نطاقها. وفي هذا الرأي كثير من الحقّ، فالخطاب الاستعماري يعود اليوم بقوّة، بل لعله لم يضمحل كما كان يتوهّم آباؤنا منذ حصول بلداننا في الخمسينيات والستينيات على استقلالها، أو كما صرنا نحن نتوهم. ومن ثمّة فإنّ فرضيّة «الما بعد» لا مسوّغ لها ولا أساس. وهذا من شأنه أن يحفز المفكّرين العرب، خاصة أهل الاختصاص منهم ، إلى إعادة قراءة أعمال رائدة، وأكثرها قريب العهد بنا؛ وضعت أسس البحث في الخطاب الاستعماري، وأصوله، مثل أعمال غرامشي وفوكو وبعض فلاسفة فرانكفورت مثل أدورنو ووالتر بنجامين، والإنكليزي روبرت يونغ الذي ينقد الماركسية نقدا لاذعا في كتابه «أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب». وقد أبرز تورّط ماركس وهو فيلسوف لا أحد ينكر أثره الكبير في القرن العشرين، في هذا الخطاب الاستعماري، حين زعم أنّ الاستعمار البريطاني للهند؛ كانت له أيادٍ بيضاء على هذا البلد، إذ أقحم الهند في مساق التاريخ الغربي المتطوّر.
وربّما وجد البعض في مثل هذه المقولات التي كان كثير من الغربيين يبررون بها احتلال فلسطين، استمرارا للخطاب الهيجلي، الذي يزعم أنّ «افريقيا قارّة بلا تاريخ». ويونغ نفسه يرى أنّ خطاب الفيلسوف الألماني لا يزال يهيمن على مجمل الثقافة الغربية، في مقاربتها للآخر الذي يُختزل في منظومة الذات الغربية، ويُدرج في صيرورتها. وخير شاهد على ذلك هذا التعاطف الغربي مع أوكرانيا، ومن حقهم وحقنا أن نتعاطف مع أي بلد يكون عرضة لعدوان دولة عظمى، ونسيان أعدل قضية وهي قضية فلسطين. وهو نسيان يمكن أن نجد تفسيرا له في كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق» وهو إضافة نوعية لكتاب فرانتز فانون نصير الثورة الجزائرية «المعذّبون في الأرض»(1961). وقد حلّل هذا الخطاب، وبيّن كيف يستنزف الاستعمار العمق الحضاري للشعوب المستعمرة، ويخرّب حاضرها وماضيها، ومن ثمة مستقبلها.
هذه الحرب على أوكرانيا تؤكّد حاجتنا إلى مثل هذه النزعة الإنسانية الجديدة التي يمكن أن تساهم في «فكّ عقدة النقص التاريخيّة في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركّب العظمة لدى الآخر الغربي، بتحويله من ذات دارسٍ إلى موضوع مدروس». ولعلّ مؤلّفات الراحل عبد الوهّاب المسيري المتعلّقة بالصهيونية؛ خير دليل على هذا الاتجاه، خاصة أنّ الأيديولوجيا الصهيونية نموذج للنسق الحضاري الغربي، في شتى أبعاده الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية.
في خاتمة هذا المقال، أعود إلى كتاب «أزهار فلسطين» الذي قدّم له محمود درويش بلغته النثريّة المذهلة. أفتحه، وأنا أرى إلى هذا الواقع العربي والعالمي القلق، وأقول إنّ كلّ زهرة في هذا الكتاب حديقة تحتفظ بسريرتها الخاصة، بل هي جزيرة خضراء في زحمة هذا الصراع القاسي. لكأنّي أراها الآن من مشبّك، وأقول لعلّ الفردوس صُنع ليظلّ مسيّجا. غير أنّ فلسطين ليست الفردوس المفقود؛ ولن تكون صورة من الأندلس.
كاتب وشاعر تونسي