أولمرت اضاع فرصة تسوية أمنية مع لبنان قبيل نشوب الحرب ضد حزب الله

حجم الخط
0

الاقتراح صيغ بعد سلسلة لقاءات اسرائيلية مع جهات رفيعة في الادارة الامريكية والفرنسية وممثلين عن الامم المتحدة

مجلس أمن قومي في ربيع 2005 أجري اللواء (احتياط) غيورا آيلاند، الذي كان آنذاك رئيس مجلس الأمن القومي، سلسلة لقاءات مع جهات رفيعة في الادارة الامريكية، والفرنسية، وممثلين عن الامم المتحدة. يقول اليوم اعتقدت انه قد فُتحت نافذة فرص لتسوية أمنية مع اللبنانيين. كان ذلك في أوج المظاهرات البرتقالية في بيروت، التي أفضت الي اجراء اخراج السوريين من لبنان ـ الذي كان يبدو آنذاك غير ممكن ـ بدعم دولي.

في اثناء اللقاءات صيغ اقتراح تسوية أمنية بين اسرائيل ولبنان. علي حسب الاقتراح، كان يُفترض أن تلتزم اسرائيل بوقف الطلعات الجوية في سماء لبنان، وأن توافق علي اعادة أسري لبنانيين وعلي تعديلات حدودية، في ضمنها مزارع شبعا.

وكان يجب علي لبنان من جهته أن يوافق علي انشاء نظام تنسيق أمني، علي أساس إحياء اتفاق وقف اطلاق النار من سنة 1949، وأن يُمكّن من اعادة لاجئي جيش لبنان الجنوبي بكرامة، والأساس ـ أن ينشر جيشه في الجنوب، مع إخراج رجال حزب الله. وعدت الجهات المنسقة آيلاند اذا قبلت حكومة اسرائيل الاقتراح، أن يُقدَّم كمبادرة دولية. في نيسان من ذلك العام جئت بالفكرة الي رئيس الحكومة آنذاك، ارييل شارون. قلت له إنني اعتقد أن هذا اقتراح حسن، وأن الدعم الدولي يضمن احتمالا معقولا لتحقيقه، وأنه يبدو لي أنه لا يجوز لاسرائيل أن تضيع الفرصة. اقترحت اجراء نقاش للموضوع. قال، دعني من لبنان، نحن مشغولون بالانفصال، سنتحدث بعد ذلك.

أذن رئيس الحكومة عُدت اليه بعد الانفصال. قال لي، ليس الآن، لماذا يجب علينا أن نشغل أنفسنا اليوم بلبنان. عندما تبدل رئيس الحكومة، وجاء ايهود اولمرت، مضيت بهذا اليه، كرئيس لمجلس الأمن القومي. كنت في هذه الاثناء قد شاورت عددا من الاشخاص، وفي ضمنهم رئيس الاركان السابق، دان حلوتس، الذي أيد الاقتراح، بشرط أن يكون إخراج حزب الله من منطقة الحدود المرحلة الاولي.

عندما عُدت الي اولمرت، كان ذلك في آذار (مارس) 2006، قبل اربعة أشهر من الحرب ـ وأريد أن أُبين هنا أن الحديث عن اقتراح أفضل من قرار الامم المتحدة 1701، الذي أُحرز بعد الحرب. وعرضت عليه الموضوع مرة اخري، مؤكدا أهميته له، وموصيا، باجراء نقاش للموضوع علي الأقل، وكانت إجابته أُتركني، لن نبحث هذا الآن. بعد ذلك نشبت الحرب، والنتائج معروفة. أُتركني، لن نبحث هذا الآن، كما يقول آيلاند عند شارون، وعند اولمرت ايضا، من أنه لم يكن لديهما وقت، ولا لأن القضية لم تعجبهما بالضرورة، بل لانه يوجد الي جانبهما أناس إن لم يكونوا هم الذين أتوا بالاقتراح فانهم يفضلون أن يقولوا أُتركني، لن نبحث هذا. بكلمات اخري، تستطيع أن تعمل رئيسا لمجلس الأمن القومي، وأن تكون ما يُطلب اليك ويتوقع منك علي حسب تحديد العمل، لكنك متعلق آخر الأمر لا بارادة رئيس الحكومة فقط، بل بارادات ومصالح أناس آخرين، اولئك الموجودين الي جانب رئيس الحكومة، أو اذا أردنا الدقة الي جانب أذن رئيس الحكومة. والنتيجة أن موضوعات مهمة جدا لا تُطرح في جدول الاعمال. وهذا مثال واحد فقط من أمثلة كثيرة.

هل تتحدث عن دوف فايسغلاس، الذي كان رئيس ديوان ارييل شارون، وعن يورام توربوفيتش، رئيس الطاقم الحالي؟ لا أريد الدخول في الأسماء الآن. المهم هو أنه لا يوجد أي معني لجميع الاقوال الصائبة التي ستُقال في شأن مجلس الأمن القومي، وفي ضمن ذلك ما كُتب في تقرير فينوغراد ما بقي أناس ذوو تأثير قوي جدا علي السلوك الأمني ـ القومي لرئيس الحكومة، هم الذين يحددون جدول عمله، ويُملون أي الموضوعات تُطرح للنقاش وأيها يُطرح في القمامة. هؤلاء أناس لهم سلطة غير محدودة تقريبا، لكنهم لا توجد لهم أية مسؤولية. وأسماؤهم لا تظهر ولو مرة واحدة في تقرير فينوغراد. يُعرّف اللواء (احتياط) عوزي ديان شكل سلوك حكومة اسرائيل علي تعاقب أجيالها في شأن مجلس الأمن القومي، وهو الذي تولي رئاسة مجلس الأمن القومي نحوا من سنتين بتعبير حيلِم وعمورة.

أُقيم مجلس الأمن القومي في آذار (مارس) 1999، بيد أن الحاجة الي اقامته أُثيرت قبل ذلك بأكثر من ثلاثين سنة. في 1963 أوصت لجنة يادين ـ شيرف بتعيين مستشار خاص لرئيس الحكومة في الشؤون الاستخبارية ينسق بين الأذرع المختلفة. عُين مستشار كهذا في 1965، لكنه فهم في غضون وقت قصير كيف يجري العمل، أو لا يجري علي نحو أصح، واستقال من منصبه.

في 1973 ظهرت توصية مشابهة في تقرير أغرانات، وفي 1974 كررت التوصية لجنة يترأسها اللواء أهارون ياريف. في 1975 أُقيم فريق كهذا ومرة اخري استقال جميع اعضائه في غضون وقت قصير، ولم يُعين آخرون بدلا منهم. في 1979 عين شارون، الذي كان آنذاك وزير الدفاع، أبراشا تامير ليكون مستشارا من هذا النوع. حل وزير الدفاع الجديد، الذي تولي عمله في 1983، الجهة التي أقامها تامير. في 1987 عاد الاقتراح. عارض عدد من الوزراء، علي رأسهم وزير الدفاع آنذاك اسحق رابين، وفشل الاقتراح مرة اخري. عاد الموضوع في 1989، في لجنة كوبرسكي، وأُجيز في الحكومة مبدئيا في 1999، ولم يتحقق مما يثير العجب الشديد.

في 1991، في اطار مصادقة الكنيست علي قانون تعديل أساس، تقرر أن يكون للحكومة فريق للاستشارة الدائمة في مجالات الأمن القومي. في 1992 أُلغي القانون. في حزيران (يونيو) 1996 عاد ليثير اهتمام سكرتير الحكومة آنذاك، شموئيل هولندر، وفي ذلك الشهر قدم توصية مشابهة ايضا اللواء احتياط رفائيل فيردي. لم تنجح محاولات اقامة المجلس بهدي من توصياتهم، وتخلقت الفكرة في فكرة بنيامين نتنياهو فقط، والتي أفضت كما قيل آنفا الي قرار الحكومة في هذا الشأن. بيد أنه تبين، أن حقيقة أن حكومة اسرائيل قبلت القرار آخر الامر، وأقامت المجلس ايضا ـ وهو قائم يؤدي عمله أداء حسنا في جميع البلدان الغربية ـ لم تأت بالخلاص المأمول.

في آب (اغسطس) 2006، بعد ذلك بعشر سنين، في أوج حرب لبنان الثانية، وقبل أن يتطرق الي الأمر اعضاء لجنة فينوغراد، نشر مراقب الدولة، ميخا ليندنشتراوس، تقريرا شديد اللهجة علي نحو خاص عن شكل سلوك رؤساء حكومات في اسرائيل علي اختلاف أجيالهم فيما يتعلق بمجلس الأمن القومي. علي حسب هذا التقرير لم يُشرك المجلس بالفعل في اعداد اعمال مقر القيادة كأساس لاتخاذ القرارات في موضوعات مهمة جدا، والي ذلك، في احيان متقاربة، علي حسب التقرير، أُعيق عمله بالفعل عن أن يمس هذه الموضوعات، ولم تملأ جهات اخري في ديوان رئيس الحكومة الفراغ الذي نشأ. يذكر المراقب بين سائر الأمثلة، بالاضافة الي سلوك الحكومة في حرب لبنان الثانية بالطبع، الانسحاب من لبنان، وخطة الانفصال، والسلوك إزاء الفلسطينيين، وادارة الازمة إزاء الامريكيين في شأن بيع الصين نُظم سلاح، والقائمة طويلة. يقرر المراقب أن رئيس مجلس الأمن القومي لا يُعد في فريق التشاور المقرب من رئيس الحكومة. فليس فقط انه لا يُدعي الي مشاورات في الدوائر غير الرسمية، بل انه لا يُدعي ايضا الي النقاشات الرسمية. يعُد المراقب في التقرير الذي يمتد 67 صفحة، واحدا واحدا، سلسلة غير نهائية من الأحلاف الأمنية القومية، في أعلي مستوي، التلخيص فيها انها لم تُبحث علي التقريب. لا نقاش ولا نصف نقاش كان رئيس مجلس الأمن القومي الاول اللواء (احتياط)، قائد سلاح الجو السابق والمدير العام لوزارة الدفاع سابقا، دافيد عبري. بعد وقت قصير من انتخاب بنيامين نتنياهو رئيسا للحكومة توجه اليه وطلب منه أن يترأس المجلس. كان وزير الدفاع، اللواء (احتياط) اسحق موردخاي، هو الذي عارض المسألة كلها وبعد أن أُقيل موردخاي فقط، وحل موشيه آرنس محله وأصبح ارييل شارون وزير الخارجية، نشأ وضع مكّن من التعيين. ولماذا عارض موردخاي؟ لان كل وزير ربما يخاف أن يقتطعوا من صلاحياته.

تولي عبري عمله فترة قصيرة، وعمل في الأساس في صوغ المجلس، عندما تبدل رؤساء الحكومة وجاء ايهود باراك. جاء باراك معه باللواء (احتياط) داني ياتوم، ليكون مستشارا أمنيا ـ سياسيا. هل شخصان في خانة واحدة؟ اسأل عبري. اجل، يقول. واسأل هذا يعني أنهما يُبطل أحدهما عمل الآخر. لا أقول إن هذا غير صحيح. كانت لعبري، كما يعرف قدماء المجلس، مكانة رفيعة جدا في المؤسسة الاسرائيلية، وكان يجب أن يبحث باراك عن علّة جيدة لاخراجه. وهكذا في غضون وقت قصير عُين عبري سفيرا لاسرائيل في واشنطن، وكان الذي حل محله نائبه، اللواء (احتياط) غدعون شيفر. في مرحلة ما، يبدو انهم قرروا أنه يجب أن يوجد حل وأن يُخرجوني. لم يكن ذلك طموح حياتي، لكنني قبلت العمل، يقول عبري. لماذا كان يجب أن يوجد حل؟ لانه نشأ فورا توتر بين مقر القيادة وبين مقربي رئيس الحكومة. لم يُرد أحد منهم أن يتجول شبيه بكوندوليزا رايس هناك. رئيس الحكومة ايضا لا يريد، يقول شيفر، وبالتأكيد باراك، الذي كتب أصلا أنه لا توجد حاجة الي جهة كهذه. لماذا؟ لان باراك عنده باراك: فكل شيء يتم بين أذنيه. هذا شخص ذو قدرات شخصية عالية جدا وقدرات علي مواصلة الناس منخفضة جدا. بالاضافة الي أنني لم آتِ من حاشيته، ولم أكن إمعة، وعندما اعتقدت انه يجب ذلك، قلت رأيي ايضا.

يُذكر شيفر بأن باراك وعد بسلام شامل في غضون 15 شهرا. في هذا الاطار عمل المجلس ثمانية اشهر في اعداد ورقة عمل واسعة ومفصلة تحت عنوان اليوم الذي يتلو. أُشرك في المشروع جميع الجهات ذات الصلة، يقول شيفر، وتناول جملة المشكلات المتوقعة بعد الاتفاق. وماذا حدث للوثيقة؟ لا شيء، لا نقاش ولا نصف نقاش. خُزنت في الخزانة.

خرج باراك الي كامب ديفيد بغير أوراق عمل، وأدار المفاوضات بغير التوصيات، وقاد اجراءات من غير أن يواجه المعضلات التي عرضها أفراد المجلس. النتائج معروفة. لم يأتِ السلام، لا في غضون 15 شهرا، ولا بعد ذلك ايضا. في ايلول (سبتمبر) نشبت الانتفاضة الثانية، وأنهي باراك بعدها بوقت غير طويل ولايته رئاسة الحكومة. قبل ذلك، وضع شيفر مع جميع اعضاء المجلس ورقة استقالة علي طاولته. يقول شيفر كان عنده ياتوم، علي الرغم من أنني عندما رأيت كيف يعامله باراك، لم أفهم كيف يظل هناك لحظة واحدة بعد. لم يُرد شيفر أن يُسلم الجهاز، وقبل أن يُقلع باراك الي لقاء في تركيا، وفي المطار، أدخل له في جيب المعطف ورقة تحمل اسم عوزي ديان. قلت له، خُذ معك شخصا من حاشيتك، يتحدث بنفس لغتك، ليكون رجل سرّك.

مُصابون بالبارانوياديان: رجل سرّه، أو لا، لم يعمل هذا ولا يعمل، لأننا دولة لا يوجد فيها تقليد اتخاذ قرارات، حتي لو كانت العملية المنظمة لا تفضي الي القرارات الصحيحة دائما بالضرورة. عملت مع رئيسي حكومة، ثلاثة اشهر مع باراك، ونحو سنتين مع ارييل شارون. هما شخصان مختلفان، لكن كلاهما، كالآخرين، جاء من السياسة، مع بارانويا كبيرة. وهما يريان أن جميع الجهاز السياسي موجود هناك لاحباط ما يفعلان فقط. فالمجلس الوزاري المصغر ليس مكانا لاتخاذ القرارات مثلا، بل هو مكان يجب اجتيازه بسلام. وأمر ثانٍ، انهم يأتون في الأكثر بعد فوزهم في معارك انتخابية، ولهذا يكونون علي ثقة كافية من انهم يعلمون بالضبط ما الذي يجب فعله وقد حصلوا من اجل ذلك علي مصادقة الشعب. ولهذا يبحثون عن فريق. ولا يهم هل يُسمون الناس شني، أو شيبيس، أو ياتوم، أو فايسغلاس أو توربوفيتش، ليكون من جهة مطيعا، ولا يورطهم من جهة ثانية في ازمات، وألا يفكر في الأساس فوق ما يُحتاج اليه.

يقول في 2002 أعددت وثيقة سُميت تقدير وضع الأمن القومي. تناولت اربعة موضوعات: الجدار الأمني، والحاجة الي سياسة محددة إزاء الفلسطينيين، والقول أن التربية في دولة اسرائيل لا تقل أهمية عن الأمن، وكان الموضوع الرابع تناول ظاهرة الفساد.

وماذا حدث للورقة؟ نُشرت في 160 نسخة، كورقة سرية جدا، لكل من طلب وكان مسموحا له الحصول عليها. حتي لقد حصل عليها سفراء.

ورئيس الحكومة؟ بالتأكيد.

وماذا فعل بها؟ قرأها رغم انه قال انه لم يقرأها. لم يقل إن هذا غير مهني، ولم يقل انه غير صحيح، ولم يقل انه غير مُصدق، قال ببساطة انه لم يُرد بحث ذلك.

افرايم هليفي: لم يُرد أن توجد ورقة كهذه.

هل عرفت يا أفرايم هذه الورقة؟ بالتأكيد، ما حدث شيء بسيط جدا. بغير ما صلة بمضمون الورقة، ألزمه مجرد وجودها اجراء لم يُرده، ولهذا أعدم هذه الورقة. وكانت النتيجة علي أية حال انهم لم يكتبوا أوراقا كهذه في فترتي.

أي أنك تعلمت الدرس؟ اجل، لم أكتب بعد أوراقا كهذه. لم يوجد نقاش للانفصال اختار شارون افرايم هليفي. كان هليفي آنذاك رئيس الموساد، وقال شارون له: أريد أن تأتي وأن تكون يدي اليمني في الموضوعات الأمنية ـ السياسية، وأن تبادر الي اجراءات، واقتراحات، وأن تكون ذراع تنفيذ هذه الاقتراحات. أُخرج الي أين يجب الخروج، وتحدث باسمي. كان دوف فايسغلاس قد أصبح موجودا هناك عندما جاء هليفي. يقول هليفي: في غضون وقت قصير جدا أدركت أنه لا يوجد لي ما أفعل، وقررت الاعتزال.

ما معني لا يوجد لك ما تفعل؟ هذا يعني أن الناس في ظاهر الامر، وعلي نحو رسمي، يملكون الصلاحية والمسؤولية، ولا يستطيعون تحقيقها، ولا يستطيعون تنفيذ العمل الذي جيء بهم من اجله. ومن يحقق الصلاحية والمسؤولية في الحقيقة ليس مسؤولا عن أي شيء. رئيس الديوان هو رئيس الديوان، لكنه غير مسؤول عن شيء، ليس هو شخصا يتحمل مسؤولية محددة، بحيث يمكن الإتيان بعد ذلك ليُقال ها هو ذا هذا الشخص قد فشل.

في هذه الفترة، علي حسب ما يقول هليفي، توقفت تماما نقاشات المجلس الوزاري المصغر تقريبا، وتوقفت نقاشات اخري عند رئيس الحكومة. فقد كان اجراء الانفصال مثلا اجراء طُبخ سرا مع الامريكيين، ولم يجر أي نقاش له علي أي نحو، مع جهة ما من المؤسسة. مثلا، مستشار الأمن القومي الذي جاء بعد ذلك، غيورا آيلاند. أو رئيس الاركان (موشيه يعلون)، الذي قال انه لم يكن مشاركا في ذلك. وهكذا تم اجراء ذو معني أمني استراتيجي في المنزلة العليا بلا أي عمل لمقر قيادة حقيقي. والنتيجة معروفة. ومثال آخر: في صيف 2002 خطب الرئيس الامريكي جورج بوش خطبة مهمة جدا. نريد أن تنشأ قيادة بديلة للفلسطينيين، قال، نُجري معها مفاوضات في دولة وفي حدود مؤقتة. هذه خطة فكرت فيها أنا وغيورا، علي نحو عرضي تماما، وعرضناها علي رئيس الحكومة، في مقابلة ذلك عرضا ايضا، في نفس الصباح في المزرعة. سمّوا الخطة الامريكية خريطة الطريق ـ وهي خطة، شوهت في نظري تماما ما قاله الرئيس، لكن كان السؤال ماذا يفعلون بها. ما حدث هو أن رئيس ديوان شارون (المحامي فايسغلاس) عقد نقاشات، لشهور طويلة، وكان الناس يأتون ويذهبون، ولم يحدث شيء. أقام رئيس الديوان نقاشات للخطة، وقد عارضها رئيس الحكومة فضلا عن أنه لم يكن مشاركا فيها. وكانت النتيجة أن اضطرت دولة اسرائيل الي قبول خريطة الطريق، ولم تكن هناك أي امكانية، طول هذه الشهور، لفعل شيء في الموضوع.

أي أن العمل يسقط آخر الامر بسبب نظم العلاقات الشخصية داخل الديوان؟

آيلاند: لا. انه يسقط بسبب عدم تحديد الاجهزة. من الأهم في جهاز تنظيمي أن يحدد ما الذي لا يفعله شخص ما، من أن يحدد ماذا يفعل. اذا كان رئيس الديوان شخصا فذا، لا مجال للاستغناء عنه، فانه يغلق الباب في وجوه الآخرين. والنتيجة هي انه لا توجد اجراءات، لانه لا يمكن ادارة ذلك علي يدي شخص واحد.

جُند اللواء (احتياط) غيورا آيلاند مثل افرايم هليفي للعمل وجنده رئيس الحكومة شارون شخصيا. كان التحدي الاول الذي اضطر الي مواجهته خطة الانفصال.

آيلاند: اتخذ رئيس الحكومة قرار الانفصال بمشاورة منتدي المزرعة. عندما دُعيت الي ولاية العمل علمت أن الحديث عن شيء عام جدا. فكرة عامة. لم أعلم انه قد حدث لقاء مع الامريكيين، قصت به عليهم اسرائيل كل ما تلتزم فعله، وانه أكثر من انسحاب أحادي من غزة بل هو انسحاب أحادي من أجزاء كبيرة من الضفة الغربية. ولم أعلم يقينا أن رئيس الحكومة، في غضون زمن قصير، في مقابلة صحافية مع يوئيل ماركوس، سيتحدث علي نحو معلن ان هذه هي التزاماتنا وأن هذا ما سنفعله. ولهذا أصبح عمل المجلس منذ تلك اللحظة غير مهم حقا. السؤال المهم حقا هو كيف تتصرف حكومة اسرائيل؟ لا يوجد لرئيس الحكومة بالفعل مقر قيادة حقيقي. توجد له جهتان، تعوق احداهما الاخري فضلا عن أنهما لا تُكمل احداهما الاخري. من جهة يوجد لرئيس الحكومة مساعدوه الشخصيون: سكرتير عسكري، ومستشار سياسي، وربما مستشار للشؤون الاستخبارية، وآخر شيء يستطيعون فعله هو عمل مقر قيادة حقيقي. لا وقت عندهم، ولا يملكون احيانا ايضا القدرة الفنية، علي تناول تحليل مشكلات استراتيجية. من جهة ثانية، يوجد مجلس الأمن القومي، وهو جهة أكبر، مع قدرة علي العمل أكثر أساسية، لكنها بالواقع غير مسؤولة عن الاشياء. توجد المسؤولية عند الجهات الاولي. عندما كنت رئيس مجلس الأمن القومي لم يكن واضحا عما أنا مسؤول وعما يُسأل السكرتير العسكري والمستشار السياسي. الارتجال يحتفل.

هليفي: في نيسان (ابريل) 2004 التقي رئيس الحكومة الرئيس بوش، واتفق معه علي ما اتفق في موضوع الانفصال وحصل علي رسالة من الرئيس، عُدت انجازا سياسيا. لكن رسالة بوش اقترنت برسالتين أخريين. احداهما لرئيس الحكومة والثانية لرئيس ديوانه (فايسغلاس). اشتملت رسالة رئيس الديوان علي سلسلة من الالتزامات الفورية التي تلتزمها اسرائيل عن المواقع الاستيطانية الطارئة.

كان واضحا كالشمس انه لا يمكن تنفيذها، لكن لم يوجد من يقول ذلك ايضا. أُنهي كل شيء داخل الديوان. ومن أين يستمد رئيس الديوان قوة كهذه؟

شيفر: يريد رؤساء الحكومة هؤلاء الاشخاص، ويؤمنون بأنهم يستطيعون تقويتهم سياسيا، وأن يساعدوهم في الصراعات داخل الحزب وخارجه. في المقابل أفترض أن رؤساء الديوان يطلبون سيطرة تامة. فايسغلاس قبلُ وبعده توربوفيتش. ولا أوجه دعاوي اليهما. قد يأتون ايضا عندما يكون رئيس الحكومة متعبا ومرهقا، أو يحشدون قوتهم علي الأقل في هذه المرحلة. كان ارييل في مراحل ابتدأ يتعب فيها، وعندها قال له ذلك الشخص لن أقبل المنصب إلا اذا أخذت كل شيء، ونظمت كل شيء. وكانت النتيجة أنه هو المخرج والمُدخِل. والباقون جميعا يختفون. يقول آيلاند من الصحيح الي اليوم أن هذا يسمي رئيس الدائرة. ما يقوم به بالفعل، يفعله في اماكن اخري في العالم اربعة اشخاص. فتوربوفيتش عندنا رئيس مجلس الأمن القومي، والمستشار السياسي لرئيس الحكومة، ورئيس فريقه ايضا.

وماذا يفعل ايلان مزراحي، رئيس مجلس الأمن القومي؟

آيلاند: خاضع له. رسميا.

هليفي: حتي لو لم يكن خاضعا، فان هذا غير مهم. السؤال هو كيف يري رئيس الديوان عمله، وكيف يراه رئيس الحكومة.

أعظم اولمرت الصنع، علي حسب المتحدثين، عندما جاء بايلان مزراحي، وهو شخص نزيه وأهل، ليتولي العمل، وأخضعه لرئيس الفريق، يورام توربوفيتش. ويسألون هل توربوفيتش قادر علي أن يشير علي رئيس الحكومة قبل الخروج للحرب؟ وعلي أن يُبين له ما لم يفهمه رئيس الحكومة، ووزير الدفاع ورئيس الاركان من أن الحديث عن حرب؟ هل هو قادر علي انشاء خيارات للاقتراح الذي جاء به رئيس الاركان؟

من أزمة الي أزمةلكنني مع كل ذلك اسأل أين كان المجلس في الحرب الأخيرة؟

تسلق الجدار، يجيب ديان. كما في حالات اخري ايضا.

كيف يعمل ذلك مع كل ذلك؟ لا يعمل، يقول آيلاند، يستدعون المجلس الوزاري المصغر، وبسبب انه لا توجد نواتج اخري تُعرض، يبدأون استعراضات مرهقة للمعلومات الاستخبارية. يستغرق ذلك 80 في المئة من الوقت، في حين انه لا سبيل لأحد من الحاضرين في أكثر الحالات علي الاعتراض علي المعطيات أو علي معانيها. وبهذا، من غير أن يوقف أحد العملية، ومن غير أن يعترض أحد، بقوله ليست الامكانات فقط هجوما جويا أو عدم فعل شيء ـ تُتخذ القرارات. وعندها تبدو النتيجة كما تبدو.

ما الحل؟

آيلاند: الحل في إقرار أن المجلس، أو مقر قيادة الأمن القومي، لا مجال للاستغناء عنه. أي أن السكرتير العسكري والمستشار السياسي جزء منه. وأن هذه الجهة هي المسؤولة الوحيدة في ديوان رئيس الحكومة عن جدول العمل الوطني ـ الأمني. وعندما لا يكون شيء ما علي ما يرام فانه يوجد عنوان واضح. واذا حدثت في الغد حرب لبنان ثالثة وسُئلت الاسئلة التي سألتها فينوغراد، فسيكون اسمي في التقرير.

وحتي ذلك الحين؟

آيلاند: سنحيا من أزمة الي أزمة.

ديان: سأقول هذا الامر بموضوعية: في المستقبل، عندما يوجد مجلس أمن قومي كما يجب، لن نفهم كيف كنا نستطيع العيش من غيره.

هليفي: لا اعتقد أن الحل متعلق بالمجلس. انه متعلق بالسلطة، بالقيادة السياسية. اذا لم تعلم القيادة السياسية قيادة الدولة، فلن يساعد أي مجلس.

شيفر: يجب علي رئيس الحكومة أن يريد أن يكون له مجلس أمن قومي. اذا لم يُرد فلن يكون.

اريئيلا رينغل هوفمانكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 22/5/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية