القاهرة ـ «القدس العربي»: من شواهد الأزمة الخانقة التي تعيشها الحكومة والشعب على حد سواء، تنافس كثير من أذرع السلطة الإعلامية والسياسية في القفز من سفينتها التي تجري محاولات لإنقاذها من الغرق. وقد بادر البرلماني والإعلامي مصطفى بكري، بما اعتبره خصومه “غسل يد من آثام السلطة”، معلنا أن “الفساد في كل حته في مصر” وتابع: “الفساد انتشر بشكل كبير في بعض المصالح، رغم الجهود التي تبذلها الأجهزة الرقابية، ومن الضروري التصدي له، للتخفيف عن المواطنين، وتيسير مصالحهم”.
وقد احتفت صحف أمس الاثنين 10 أكتوبر/تشرين الأول بالعديد من الشهادات لكتّاب وإعلاميين من الموالين للسلطة، وقد اقتربوا من الخطوط الحمر، وبدورها نافست الإعلامية لميس الحديدي زوجها عمرو أديب الذي بات وفق شهادات أصحابه من إعلاميي السلطة الأكثر تصديراُ للإحباط والخوف في صفوف الأغلبية.. ويبدو أن زوجته اكتشفت أن الأوضاع أسوأ مما تعتقد فبادرت إلى إبراء الذمة إذ قالت: “فيه مشكلة في الدولار.. كلنا عارفين كده ومش هندفن رأسنا في الرمل”. وحذّرت من سوء الاستخدام والاستغلال الذي قد يمارسه البعض، ونددت بمن يتلاعبون من خلال السحب النقدي في الخارج بالعملات الصعبة.
وهنأ الرئيس السيسي الخريجين في حفل تخريج دفعة جديدة من كلية الشرطة قائلا: “بقولكم وبقول لنفسي والمسؤولين مصر أمانة في رقبتنا كلنا، أمانها وسلامها كلنا في رقبتنا كلنا، دوركم مشهود ومنتظر من الناس كلها، ومصر كلها بتقدر دوركم طالما بيحترم إنسانية الناس، وإنفاذ القانون”. ووجه الرئيس كلمة لأسر الشهداء قال فيها، إنه يحترم العطاء الذي قدم لخاطر الشعب وبلدنا. وتابع السيسي: “أوعوا تفتكروا أن الدماء اللي قدمت والأرواح اللي راحت عند ربها دية، تمن بسيط، أولا في رقبتنا أحنا كمصريين، وعند الله سبحانه وتعالى، أبناؤكم وأزواجكم اللي قدمتوهم، كانوا سبب في اللي أحنا فيه دلوقتي، أه تمن غالي صحيح، بس قدم حياة لـ100 مليون”.. ومن الأخبار التي حظيت بالبشرى: أعلن البنك المركزي عن ارتفاع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصـر خلال العام المالي الماضي2021/ 2022 لتسجل نحو 8.9 مليار دولار، بمعدل نمو 71.4% مقارنة بالعام المالي السابق عليه 2020/ 2021، موضحا أن هذه الزيادة هي الأعلى منذ عشر سنوات. ومن أخبار الحكومة: وجهت نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعي، برفع درجة الاستعداد داخل مراكز الإغاثة على مستوى الجمهورية، استعدادا لمواجهة التغيرات المناخية في فصل الخريف، واستقبال فصل الشتاء وما يصاحبه من سقوط أمطار قد تصل لحد السيول، كما وجهت ببدء تنفيذ الإجراءات والتدابير الاحترازية، استعدادا لمواجهة أي حوادث أو نكبات محتملة، وبصفة خاصة في المحافظات الأكثر عُرضة لسقوط الأمطار. ومن أخبار المؤسسة الدينية: بدأت وزارة الأوقاف، التحقيق مع إمام مسجد السلطان أبو العلا ومفتش المنطقة وجميع العاملين في المسجد، لتقصيرهم في واجبهم الوظيفي.
بلا مقابل
البداية بهجوم مستحق من قبل فاروق جويدة في “الأهرام”، على وزارة التعليم: أمام أزمة نقص المدرسين هناك اقتراح غريب بفتح مجال التطوع للمدرسين بلا مقابل، بحيث يؤدي الشاب خريج الجامعة هذه المهمة الوطنية بلا مقابل مادي.. ولا أدري على أي أساس صدر هذا الاقتراح، ومن هو المسؤول الذي أطلق هذه الصيحة؟ وهل سيكون أبناؤه من المتطوعين وماذا يفعل الشاب الذي تخرج في الجامعة لكي يعمل بلا مقابل، وما الذي يشجعه على ذلك؟ القضية مطروحة في أكثر من موقع وهناك اجتهادات وبعض السخرية من الاقتراح، على أساس أنه اقتراح غير منطقى وبعيد تماما عن طبيعة الأشياء.. وحتى الآن قرأت عن هذا الاقتراح في أكثر من مكان.. كيف يعمل خريج جامعي بلا مقابل، وماذا يفعل أمام ضرورات الحياة السكن والمواصلات وتكاليف الحياة.. وماذا يفعل أمام زملاء معينين يتقاضون رواتبهم، وهل هو اقتراح غير محدد المدة وماذا يفعل المتبرع إذا كان لا يتمتع بأي حقوق في التعيين أو التعاقد أو صرف مكافأة؟ في تقديري إن الاقتراح يحتاج إلى دراسة أو الإعلان أنه مجرد فكرة لم تلق القبول.. هل من حق أي إنسان أن يطلق أفكارا حتى لو كانت خارج حدود المنطق.. قليل من الحكمة يعطي القضايا بعض الفهم وقليل من الوعي، لأن سياسة السداح مداح تصل بنا إلى كوارث، وظروف البلد لا تحتمل كل هذا الشطط.. وهذه بعض من إجراءات وشروط العمل التطوعي في مدارس التربية والتعليم والتعليم الفني في جميع المحافظات لسد العجز في المعلمين.. العرض على المحافظين لفتح باب القبول في المحافظات وإعداد حصر بالتخصصات التي فيها عجز.. وأن يكون من الحاصلين على مؤهل عال تربوي.. أو الحاصلين على مؤهل عال ودبلومة تربوية.. إن التطوع في مدارس لا يوجد فيها طلاب لهم صلة قرابة بالمتطوع حتى الدرجة الثانية.. وعدم مشاركة المتطوعين في أعمال الامتحانات.. العمل التطوعي مجانا لا يكسب المتطوع الحق في المطالبة في التثبيت أو التعيين أو التعاقد مستقبلا.
حاله لا يسر
منذ تلك اللحظة التي ارتبط فيها التعليم مع أولياء الأمور بمصطلحات أجنبية مثل الديسك والهوم وورك واللانش بوكس وزاد الطين بلة السبلايز ليست، أصبح حال التعليم وفق ما أشارت إليه تهاني تركي في “الأسبوع”
لا يسر..الأصل أننا أصبحنا نقلد كل شيء ونعتقد أن ذلك هو التطور والتطوير، ولكن للأسف لم يسهم ذلك في أن تكون مخرجات العملية التعليمية بقدر الإنفاق الباهظ الذي يهدر عليها، وما يثير الشجن أن أعدادا كبيرة من الخريجين أصبحت تقف في طابور البطالة، لا لشيء سوى أنها غير مؤهلة لكثير من الوظائف التي تعتمد على المهارات التقنية والتكنولوجية. بعد القلم والبراية والجلاد اخترعوا “السبلايز ليست” وهي لمن لا يعرف قائمة الأدوات المدرسية التي يحتاجها الطالب طوال العام الدراسي، وهو تقليد نشأ في البداية في المدارس الدولية وهذا حقهم، لأنها في الأساس مدارس مصروفاتها تتخطى المئة ألف جنيه للطالب في مرحلة الروضة، وبالتالي فإن ثمن الأدوات المدرسية الذي يصل إلى ثلاثة، وربما أربعة آلاف جنيه أو أكثر، لا يشكل عبئا على أولياء الأمور، ولكن أن تقوم المدارس الخاصة على مستوياتها كافة بتقليد هذا الأمر، فهذا يدخل في إطار التقليد الأعمى، الذي يضر ولا ينفع. السبلايز ليس فقط الأدوات المدرسية التي يحتاجها الطالب من كراسات وأقلام وألوان وأدوات للأنشطة، ولكن زادت القائمة لتشمل المناديل الورقية والمعقمات، وأحيانا تضم أشياء غريبة على الطلاب في سن معينة. حكي لي ولي أمر طفل في الحضانة، أن قائمة الأدوات تخطت الألوان والصلصال والمناديل المعقمة والمبللة والمطهرات إلى رزمة ورق a4 ولما سألهم عن معنى هذه الأدوات لطفل عمره عامان فقط، أجابوه بأنها لطباعة أشكال للطفل يتعلم من خلالها، مع أن ذلك لم يحدث طوال مدة بقاء صغيره في الحضانة.
للسرقة أصول
لأن المدارس الخاصة تعتمد على فكرة البزنس فإن كثيرا منها، كما أوضحت تهاني تركي وجدها فرصة لضم “السبلايز” للمصروفات الدراسية، وفرضت أرقاما مبالغا فيها، ولم يقتصر الأمر على ذلك ولكن ظهرت مكتبات توفر تلك الأدوات لكل مدرسة على حدة، بل إن هناك مكتبات أخرى تحرص على التعاقد مع المدارس الموجودة في مكان محدد، لإعداد صناديق جاهزة مصنفة إلى درجات ومنها، الدرجة الذهبية الأعلى سعرا، والدرجة البرونزية وهي متوسطة السعر والجودة والدرجة الفضية وهي الأقل سعرا وجودة. قائمة إحدى المدارس لطالب في المرحلة التمهيدية “كى جى وان” تضمنت أشياء غريبة منها على سبيل المثال، عشرة أقلام رصاص، وعشر أستيكات، وقلما ماركر للسبورة أزرق وأسود، ومظاريف، بالإضافة إلى “الباج واللانش بوكس واللانش باج”.. شنطة الطعام والشنطة هكذا يكتبونها، الغريب أن القائمة ضمت أيضا أدوات نظافة منها علب مناديل ورق 550 منديل عدد ستة ومثلها رول مناديل مطبخ كبير، بالإضافة إلى معطر جو واثنين لتر معقم، وغسول لليد وفوطة وغيارات داخلية وتي شيرت وبنطلون، والسؤال الذي أثار سخرية أولياء الأمور هو ماذا سيفعل طفل في الحضانة بمعطر الجو ولترات المعقم وهل ولي الامر ملزم بالإنفاق على نظافة المدرسة أيضا. وحسب أولياء الأمور فإن المتبقي من هذه الأدوات المدرسية يذهب إلى أصحاب نصيبه من العاملين في المدرسة، ولا يعود بطبيعة الحال إلى الطالب في نهاية العام، كما وعدت إدارة المدرسة، حتى إن طالب ولي الأمر بباقي الأدوات فالاجابة جاهزة بأن جميعها تم استعمالها، وحتى تلك التي لا تنفذ مثل السبورة الصغيرة التي تطلبها بعض المدارس، فيتم استبدالها بنوع آخر رديء.. وهكذا. ولي الأمر أصبح محاصرا من مصروفات المدارس التي تزيد سنويا بلا هوادة ومن الدروس الخصوصية التي أرغموا على إعطائها حتى لطلاب الصف الأول الابتدائي، والأتوبيسات والسيارات الخاصة التي يتم تأجيرها للتوصيل، ناهيك من الزي المدرسي باهظ الثمن.
أسباب الأزمة
للأزمة العميقة التي نعيشها الآن أسبابٌ ووجوهٌ متعددة.. منها على حد رأي يحيى حسين عبد الهادي في “المشهد” ما ننفرد به، ومنها ما سبقنا إليه آخرون.. وللخلاص طُرُقٌ متشعبة، تختلف من حالةٍ لحالةٍ ومن بلدٍ لبلدٍ.. لكن نقطة البداية المشتركة بينها جميعا هي مكافحة الاحتقان الداخلي وتجاوز الثارات.. وهي مهمةٌ غير سهلةٍ في بلدٍ بحجم مصر، لا يريد أعداء الخارج وحَمقَى الداخل لهذه الخطوة الأولى أن تتم.. وعلَى نَمَطِ أغنياء الحرب الذين يتربحون من الأزمات التموينية وقت الحروب، يوجد أثرياء الفتنة الذين يتربحون من استمرارها، ويتدفأون بنيران الكراهية.. وكُلَّما خمدَت نارٌ أشعلوا غيرها.. وينزلق الجميع وراءهم بجهلٍ أو سوء نية.. فيُسكتون كُلَّ صوتٍ يسعى بين الفرقاء بالعقل، وينهشون صاحبه بالاتهامات. لسنا أسوأ من غيرنا.. غير أننا بحاجةٍ لحكماء يتقدمون الصفوف.. يبدأون بأنفسهم ويضعون ثاراتهم ويتسامون على آلامهم الشخصية فيصعب أن يزايد عليهم أحد.. رجال مثل نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا الذي قال بعد 27 عاما من الحبس الانفرادي (إن الشعب الشجاع لا يخشى المسامحة من أجل السلام) وعَيَّن غريمَه رئيس الوزراء الأبيض نائبا له، وشكَّلَ لجان الحقيقة والمصالحة للتحقيق في جرائم البيض والسود على السواء، وتم طَيُّ هذه الصفحة للتقدم للأمام بعد ثلاثة قرون من المظالم والدماء.. أو بول كاجامي في رواندا، الذي قادها من بلدٍ نشبت فيها حربُ إبادةٍ أهليةٌ بين عنصري الدولة (الهوتو والتوتسي) قُتِل فيها في مئة يومٍ فقط نحو مليون مواطن (من إجمالي عشرة ملايين) بالمناجل والسيوف واغتُصِبت مئات الآلاف من النساء.. فحوَّلَها في سنواتٍ قليلةٍ إلى دولةٍ آمنةٍ تسجل نموا في الناتج القومي المحلي 7.5% ويتم تصنيفها في المرتبة الثانية بعد موريشوس من حيث سهولة ممارسة الأعمال التجارية في افريقيا، وحازت لقب أنظف عاصمة افريقية والريادة في مجال السياحة.. شيء قريبٌ من هذا حدث أيضا في الجزائر ودولٍ أخرى.
سندفع الثمن
اهتم جلال عارف بتطورات الموقف على الصعيد الدولي: ما أن صدر قرار تجمع «أوبك +» الذي يضم أعضاء «أوبك» بالإضافة إلى روسيا و12 دولة أخرى منتجة للبترول حول تخفيض الإنتاج، حتى سارع البيت الأبيض إلى الإعلان عن الغضب الأمريكي، وأن الرئيس بايدن محبط من قرار «أوبك» الذي وصفه بأنه قصير النظر، وأن أمريكا ستتخذ كل الإجراءات لمواجهة الموقف. هناك محاولات للتخفيف من ردود الفعل على القرار بالتأكيد على أن التخفيض الفعلي سيكون في حدود مليون برميل وليس مليونين، كما نص القرار، وأن في السوق فائضا يزيد على ذلك بسبب الركود الذي يسيطر على اقتصاد العالم، وأن الوضع ستتم مراجعته كل شهرين.. لكن كل ذلك لا يعني شيئا لكبار المستهلكين، وهم يرون أسعار البترول تبدأ في الصعود فور صدور القرار، ولم يهدئ الأوضاع في سوق مضطرب بالفعل، وفي ظل أزمة اقتصادية هائلة يعاني منها الجميع. لكن الصدمة الأمريكية تتجاوز كل ذلك إلى المخاطر الأكبر من وجهة نظر الإدارة الأمريكية.. هناك العاجل والأهم وهو انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي يواجه فيها الديمقراطيون خطر فقدان الأغلبية البسيطة في أحد المجلسين أو كليهما، وهو ما يجعل الرئيس بايدن مقيد الحركة في النصف الثاني من ولايته. ولا شك في أن رفع سعرالبنزين بالنسبة للمستهلك الأمريكي سيكون ضربة قاصمة للرئيس بايدن والديمقراطيين. بعيدا عن ذلك فإن اقتصاد أمريكا قادر على استيعاب الموقف ومواجهته.
تكلفة الصراع
الأخطر من وجهة نظر جلال عارف قد يكون في الجانب السياسي للقرار. فقد تم الكشف عن جهود هائلة بذلتها واشنطن، وضغوط مارستها قبل اجتماع «أوبك +» وفشلت كلها في منع إصدار القرار، بل تم الأخذ بالحد الأقصى لتخفيض الإنتاج، ما يعني تدهور النفوذ الأمريكي عند دول تمتلك 80% من الاحتياطي العالمي للبترول، ويزيد من قسوة الوضع أن القرار يأتي بمشاركة روسيا ولصالحها، بعد كل الجهود المحمومة التي بذلتها واشنطن لحصار روسيا وفرض العقوبات عليها وعزلها سياسيا واقتصاديا. يجيء القرار ليؤكد أن روسيا غير معزولة، وأنها تبني شراكة فاعلة في منطقة خطيرة وسلعة أساسية كانت لأمريكا كلمتها العليا في القرارات بشأنها. يتصل بذلك أن شركاء الحرب في أوكرانيا من الحلفاء الأوروبيين يعانون بما فيه الكفاية من تبعات الحرب، ومن نقص الطاقة، ومن ارتفاع هائل في الأسعار، ومن ميزانيات تتضاعف للسلاح، وأن الخوف في أوروبا يتصاعد من استمرار الحرب وتمددها، ومن تدهور الاقتصاد، ومن حركات احتجاج ونفوذ يتزايد لليمين المتطرف. وسيكون على واشنطن أن تقدم إجابات لأسئلة أوروبية تتصاعد حول جدوى الإصرار الأمريكي على استمرار الحرب التي تخوضها واشنطن عن بعد، وتخوضها أوروبا على حدودها المشتعلة، وفي عواصمها المهددة. ووسط هذا كله يبدو الغائب الأكبر هو مصلحة الشعوب التي تعاني، خاصة في الدول الفقيرة التي تدفع تكلفة صراع الأقوياء.. مع أزمة غذاء، وارتفاع أسعار وركود اقتصادي، التى ما زالت تفتقد منبرا يجمعها ويسمع العالم صوتها، كما فعلت يوما من خلال حركة عدم الانحياز، التي كانت مصر أحد أبرز قياداتها. العالم يتغير، والطريق للتغيير صعب ومؤلم. لكن ليس من العدل ولا من المنطق أن يتصارع الكبار على النفوذ، وتدفع الشعوب تكلفة الصراع.
احذروا بوتين
نتوجه حيث الصراع الذي يوشك أن يتحول لحرب عالمية مع عمرو الشوبكي في “المصري اليوم”: مَثّل التفجير الكبير، الذي أصاب الجسر الذي يربط بين شبه جزيرة القرم وروسيا، تصعيدا جديدا للحرب الروسية الأوكرانية، خاصة أنه ضرب العمق الروسي، حتى لو كان الغرب وأوكرانيا لا يعترفان بضمها إلى روسيا، ومع ذلك كان رد فعلهما على ضم الإقليم في 2014 «ناعما»، وأعلنا عقوبات غير مؤثرة على روسيا، وهي منطقة يمكن أن تتخلى عنها أوكرانيا والمجتمع الدولي لروسيا، مقابل إنهاء الحرب. والمتوقع أن يكون هناك رد روسي على هذا الهجوم، يتمثل في أمرين، أولهما لا يزال مستبعدا في الوقت الحالي، لكنه لم يعد مستبعدا في المطلق، وهو المتمثل في استخدام السلاح النووي التكتيكي، وهو سيناريو يمكن حدوثه إذا تفاقمت حدة المواجهات، وتعرضت روسيا أو القرم لمزيد من الهجمات، وأُصيبت القوات الروسية في الأقاليم الأربعة التي ضمتها بخسائر فادحة. يقينا، استخدام موسكو للسلاح النووي التكتيكي لن يكون عملا بلا رد فعل أمريكي وغربي، بل ستكون نتائجه وخيمة على الجميع، وهو احتمال رغم صعوبة الإقدام عليه، فإنه لم يعد مستحيلا. والأسلحة النووية التكتيكية عبارة عن رؤوس نووية مُصمَّمة لتدمير أهداف في منطقة محددة، دون التسبب في تداعيات إشعاعية واسعة النطاق، وتصل القدرة التدميرية لأصغر سلاح نووي تكتيكي إلى كيلوطن واحد أو أقل، (أي أن قوة الانفجار الناتج عنه تعادل ألف طن من مادة تي أن تي المتفجرة)، وقد يصل حجم أكبرها إلى 100 كيلوطن. وعلى سبيل المقارنة، فإن القنبلة الذرية التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما عام 1945 كانت قوتها 15 كيلوطنّا.
الهدف من التصعيد
وفق مصادر استخباراتية أمريكية، اهتم عمرو الشوبكي بالاستدلال بها عند تأمله تطور الصراع بين موسكو والغرب تمتلك روسيا حوالي 2000 سلاح نووي تكتيكي، ويمكن إطلاقها من الطائرات والسفن، كما قامت موسكو مؤخرا بتطوير هذه الأسلحة بهدف تحسين مداها ودقتها. أما الرد الثاني فيتمثل في إطلاق العنان لسلاح الجو الروسي والطائرات المُسيَّرة الإيرانية لاستهداف البنية التحتية والمؤسسات الحيوية، سواء كانت مدنية أو عسكرية في العاصمة كييف وباقي المدن الأوكرانية، بجانب دعم الدفاعات الروسية في الأقاليم الأربعة التي ضمتها روسيا، بعد أن توقفت قدرتها على التقدم والسيطرة الكاملة على كل أراضي هذه الأقاليم. إن مخاطر التصعيد في الوقت الحالي أكبر من أي وقت مضى، والحديث العلني للرئيس الروسي عن احتمالات استخدام «النووي التكتيكي»، وعدم نفي الرئيس الأمريكي لهذا الاحتمال، يجعله واقعيّا وليس ضربا من الخيال العلمي، حتى لو كان حتى اللحظة احتمالا ضعيفا. مخاطر الحرب الروسية في أوكرانيا كما قلنا من قبل، إنه لن ينتصر فيها طرف انتصارا ساحقا أو كاملا مثل كثير من الحروب التي شهدتها أوروبا في القرن الماضي، إنما سيكون انتصارا محدودا أو جزئيّا، وهو ما لم يحققه أي طرف بعد، ما يدفعه إلى الاستمرار لتحقيق هذا الهدف رغم مخاطر تصعيد الحرب.
ما زال يهيننا
وكتب الدكتور حسين عبد البصير في «المصري اليوم» في عام 1822 ميلادية، نجح جان- فرانسوا شامبليون في فك رموز اللغة المصرية القديمة. ومنذ ذلك الحين نشأ علم المصريات. لم يكن شامبليون الأول في التوصل إلى فك أسرار اللغة المصرية القديمة، لكنه كان الأخير الذي وُفق إلى ذلك. وسبقه علماء عرب ومسلمون وأجانب. وصار هو الأشهر بلا منازع، وتم تقديره بشكل كبير في كل الدوائر العلمية الغربية. ومنذ عدة أيام، احتفلت مصر والعالم أجمع بمرور مئتي عام على ذلك الحدث الثقافي الكبير الذي غيّر تاريخ البشرية. كان من تقدير الجانب الفرنسي لعالمهم أن نحت الفرنسيون تمثالا لشامبليون، ووضعوا قدمه على رأس أحد الملوك الفراعنة العظام، تقديرا منهم لعبقريته، واعتقادا منهم أنه لا توجد في ذلك أي إساءة لمصر القديمة، أو مصر الحديثة، وحضارتها الخالدة. منذ فترة، اعترض عدد كبير من المصريين على وضع قدم شامبليون فوق رأس الملك المصري العظيم. وثارت الدنيا ولم تقعد، غير أن الجانب الفرنسي لم يمتثل لهذا الأمر وتجاهله تماما. الجميل حاليا أن يتم الالتفات إلى ذلك التمثال في هذه الفترة، بعد تفجر الأمر مرة ثانية بعد الاحتفال بمرور مئتي عام على ذكرى شامبليون، واكتشافه أسرار اللغة المصرية القديمة من خلال حجر رشيد الشهير. إن الجانب الفرنسي يعتقد أنه ليس هناك في الأمر ما يضر بمصر وتاريخها وحضارتها، وأشهر ملوكها المصريين القدماء. هل لو قامت مصر بنحت تمثال للملك رمسيس الثاني أو الملك تحتمس الثالث وهو يضع قدمه فوق رأس نابليون بونابرت، ووُضع التمثال في ميدان التحرير، أو في ميدان الجيزة، أو أمام السفارة الفرنسية، فهل يقبل الفرنسيون ذلك؟ إننا ندعو الجانب الفرنسى أن يقوم بإزالة هذا التمثال، أو إزالة رأس الفرعون من أسفل قدم شامبليون على الفور. إن فرنسا والعالم كله مدين لمصر القديمة بحضاراته الحالية. إن الحضارة الغربية ثمرة مصر القديمة. وأقل ما يجب أن يقوم به الجانب الفرنسي هو إزالة ذلك التمثال المُضر بمصر وحضارتها وأشهر ملوكها. ويجب أن توجه مصر من خلال كل مؤسساتها المعنية بكل مستوياتها اعتراضاتها الرسمية من أجل إزالة ذلك التمثال الذي لا يضر بمصر وحضارتها حسب، بل يضر بفرنسا وشامبليون نفسه والحضارة الغربية المبنية على حضارة مصر القديمة الرائدة والمعلمة.
وصمة لا تمحى
المؤكد أنه حكم تاريخي، ولكن كما أشار إليه أحمد عبد التواب في “الأهرام” ليس، كما روَّج بعض المعلقين، لأنها أول مرة تستصدر فتاة حكما بحبس والدها، ولكن لأن القضاء المصري استن مبدأ شديد الأهمية، يفصل بين حق الوالدين في تربية الأبناء، والتعسف في استغلال هذا الحق إلى حد إيذاء الأبناء. ويقول دفاع الفتاة الضحية، التي اشتُهِرَت إعلاميا بلقب (فتاة المعادي)، أن أهمية الحكم، بحبس الوالد سنة، في إنه صار سابقة في الاعتراف بالشخصية القانونية للفتيات، وفي وضع حد للعنف المنزلي، بعد أن فصل الحكم بين مسؤولية الأسرة في التربية والرعاية، والتعسف في استعمال الحق الذي يصل إلى ممارسة العنف. في حين أن دفاع الوالد المتهم فشل في إقناع المحكمة بأن ما فعله يدخل ضمن مفهوم التربية والتأديب. وكانت النيابة العامة قد أحالت المتهم للمحكمة في تهم خطف وضرب واحتجاز ابنته التي تبلغ 22 عاما، التي تعيش في حضانة جدها وزوجته منذ كان عمرها 5 أشهر، بعد طلاق والديها، وبعد أن سافر الأب إلى اليابان وتنازل عن جنسيته المصرية. وبسبب تدخلات الأب المتباعِدة بالعنف في اختيارات الفتاة الدراسية، لجأ الجد الحاضن الفعلي إلى استصدار حكم من القضاء بحقه في حضانة الفتاة وبمسؤوليته عن رعايتها التعليمية، كما تنازل الجد للفتاة عن ثُلث ثروته لحماية مستقبلها، وكان هذا ما أثار الأب فحاول أن يقهر الفتاة بالقوة على السفر معه إلى الخارج، وقد أثبت الطب الشرعي الإصابات التي لحقت بها من جراء هذا. فصدر الحكم بحبسه وإدانته في تهمتي الضرب والاحتجاز. هناك عوامل تبدو متعارِضة ولكنها تتضافر معا في دعم وتفشي ظاهرة العنف الأسري، أولها الفهم الخاطئ الشائع عن حق الوالدين في ممارسة العنف ضد أطفالهما، بزعم أنها أفضل وسيلة للتربية، وهو ما تدعمه أفكار أكثر تخلفا تشيد بأخلاق الابن الخاضع لعنف والديه، بل إنها تعتبر تذمره خروجا على الأخلاق، وأما لجوء الأبناء إلى الشرطة والعدالة فتُعتَبَر وصمة لا تمحي.
بالمؤمنين رؤوف
صوَّر القرآن الكريم النبي وفق ما تأمل الدكتور محمود خليل في “الوطن” كإنسان يعيش في كنف الله، تمضي حياته من أقدار الله إلى أقدار الله: «قُلْ إن صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ». إنها الحقيقة الإنسانية الكبرى التي مهما يشرد أو يضل الإنسان عنها فإنه يدركها في ختام الأمر، حقيقة أننا نحيا الحياة بمشيئة خالق الحياة ونتركها بقدره. فليتمرد الإنسان ما شاء له هواه، لكنه سيسجد للحق في النهاية. حياة محمد، صلى الله عليه وسلم، كانت تمثل ترجمة أمينة لهذه الحقيقة: «قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعا وَلا ضَرَّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ». من هذا المنظور تحرك النبي خلال رحلته الدعوية، يتفهم أن مهمته في الحياة هي البلاغ: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أن الله لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»، ويستوعب أن الهدى هدى الله: «مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا مُّرْشِدا». في لحظات كان النبي يشعر بالأسى وهو يحاول الارتقاء بمن حوله، في وقت يأبون فيه ذلك ويرضون بالخلود إلى الأرض والانغماس في أردأ قيم الحياة. شعور النبي، صلى الله عليه وسلم، بالأسى على أصحاب النفوس الضالة يجد تفسيره في ما تمتع به من رحمة وعطف على البشر، عذابات النبي كانت كبيرة على كل نفس لا يستطيع أن يصل إليها برسالة التوحيد، يكاد الأسف على عدم توفيق الله له في مهمته أن يهلكه: «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفَا»، وتكاد الحسرة أن تدمي قلبه وهو يرى عزوف أهل الأرض عن السماء إلى حد أن يصدر له توجيه إلهي ينهاه عن الحسرة: «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ» أو الأسى: «فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ» على من شاء له هواه الضلال.
هواه الهدى
تابع الدكتور محمود خليل تأمل تضحيات النبي الكريم في سبيل الدعوة: عامل مشركو مكة النبي بالكراهية والتسفيه، واتهموه بكل نقيصة، وكان يرد عليهم بابتسامة رحمة ودعاء لربه بأن يهديهم سواء السبيل. سمع من يرميه بالشعر والكهانة والجنون، هزأوا به، حاولوا قتله، لكن عين الله الساهرة حفظته بحفظه، هاجر إلى أرض جديدة بحثا عن إنسان جديد يحمل معه الرسالة، وحين عاد إلى من طردوه، صرخ أحد أصحابه: «اليوم يوم الملحمة»، فاستوقفه النبي قائلا: «بل اليوم يوم المرحمة»، فالإنسان الذي يعيش في كنف الله لا يعرف الثأر لنفسه، ولا يغضب من أجل نفسه، وكذلك كان النبي، فصفح عن كل من اتهمه أو استهزأ به أو أساء إليه، احتضن النبي الجميع وشملهم بعطفه. لم يكره النبي أحدا، لأنه ببساطة كان إنسانا مكتمل الإنسانية، عرف منذ البداية أن طريقه إلى الله يمر بتمهيد سبل الهداية للإنسان، وأن الرحمة بالبشر هي الطريق الأقصر للهداية، والدعاء لمن أبى عليه هواه الهدى هو الطريق الأحكم لمن فهم الدنيا. فالحياة خط متصل وقلوب العباد بين إصبعي الرحمن يقلبها كيف يشاء. وليس أدل على ذلك من أن خالد بن الوليد الذي قاد المكيين وانتصر بهم على المسلمين في معركة أحد، هو من خاض في ما بعد الملاحم دفاعا عن الإسلام.
القلب وما يريد
اختار محمد أحمد طنطاوي في “اليوم السابع” أن يتجنب السياسة وضجيجها، للغة القلوب: “يحب المرء لأنه يحب، فلا يوجد سبب للحب” باولو كويلو، الروائي البرازيلي الشهير، متحدثا عن حقيقة مهمة وسمة أساسية من سمات الحب، وهي أنه بلا أسباب، فقد تساعد شخصا ما في إيجاد فرصة عمل، أو تقدم له التعليم والنصيحة، أو تمنحه المال والرعاية، أو تصنع له معروفا أو جميلا، لكن كل ما سبق لا يمكن أن يفرض عليه أن يحبك، فأهم ما يميز الحب أنه غير مشروط. تثبت لك الأيام دائما، خاصة مع تقدم العمر، أن كل حب مشروط كان زائفا مصطنعا، لارتباطه بغاية أو مصلحة أو هدف، وقد انتهى إلى غير رجعة بعد وصوله إلى نقطة لا يمكن أن يستمر معها، لذلك أرى أن أفضل الحب ما كان غير مبرر، فهو الأدوم والأبقى، والأصل في العلاقات الصحية السليمة في أي مجتمع، والباعث الحقيقي على وجود التراحم والتواصل الإنساني، والمودة والتلاقي بين الناس، ويقودنا دائما إلى التحضر والرقي. ما أقصده وأتحدث عنه في السطور السابقة لا يرتبط بالعاطفة الغريزية بين الرجل والمرأة، أو التلاقي العاطفي بمعناه المحدود، والتجارب التي نمر بها جميعا، لكنه معنى أعمق وأكبر، ومدلوله أشمل وأدوم ارتباطا بإشاعة روح الحب والتواصل بين الناس، وكبح جماح الانتقام أو الرغبة فيه، التي تتولد لدينا بين الحين والآخر، ظنا في قوة متوهمة، أو متاع لن يستمر طويلا، لذلك لا يمكن أن تستقر الحياة دون حب، أو أشخاص نكن لهم مشاعر خالصة لا ترتبط بحاجة أو منفعة.
غيابه يكلفنا الكثير
في بعض الأحيان، والكلام ما زال لمحمد أحمد طنطاوي، تتكون لدينا تصورات وردود فعل مسبقة وأفكار مشتتة، لمجرد رؤية أشخاص أو التفاعل مع مواقف معينة، لكن هذه الرؤية غالبا ما تكون ضبابية وغير واضحة، فكم من أشخاص كانت علاقاتنا معهم في البداية قوية مترابطة، لكنها سرعان ما وهنت وتغيرت وأصابها الضعف والفتور، لذلك يجب أن لا نبني أفكارنا على تصورات انطباعية مؤقتة، ونعطي الفرصة لأنفسنا لاكتشاف الآخر. يرى الكاتب أن المجتمع المصري في حاجة شديدة إلى الحب والترابط والتواصل والتلاقي الإنساني، نحتاج صداقات حقيقية بلا أغراض أو هوى، نحتاج أن تسود علاقات المودة والاحترام، بديلا عن تلك السامة، القائمة على الغرض والمنفعة والمصالح، نحتاج إلى التخلص من النفاق والمداهنة والمجاملات الكاذبة، التي باتت علامة مميزة بيننا، لدرجة أن البعض صار يناصر الشر ويدعمه علانية، ليس إلا من أجل النفاق، والانتصار الزائف لأفكار ملوثة.لا أجد خطرا على سلام المجتمع أكبر من غياب الحب، والسعي خلف الماديات المحدودة والمصالح الفردية، التي تغيب فيها مصلحة الجماعة، وتتجلى أنانية الفرد، وتختفي عنها المسؤولية، وتكثر فيها مظاهر النرجسية وحب الذات، لذلك نحتاج إلى وقفة متأنية مع النفس، نحاول خلالها دراسة أبعاد ما نفعل ونقدم، وعلينا أن نعرف جيدا أن الحب لن يكلفنا شيء، لكن غيابه سيكلفنا كل شيء.