بعد أن استطاع بوريس جونسون أن يبرم اتفاقا ناجحا لخروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، من المقرر أن تدور بسرعة عجلة البحث عن اتفاق تجاري جديد ينظم العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. الطرفان في حاجة إلى هذا الاتفاق لتنظيم العلاقات التجارية بينهما، وضمان استمرار المصالح المتبادلة، سواء في قطاع التجارة السلعية أو في قطاع تجارة الخدمات مثل التمويل والتأمين والنقل والإعلانات والبحوث والتطوير والتصميمات الصناعية والهندسية. التجارة المتبادلة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي جعلت لكل منهما مكانة متميزة لدى الآخر، حيث أن بريطانيا هي أكبر سوق للسلع الأوروبية، كما أن أوروبا هي أكبر سوق للمنتجات البريطانية السلعية منها والخدمية.
كذلك من المتوقع أن يشمل الاتفاق كافة القضايا الاقتصادية الأخرى، مثل قواعد انتقال الأفراد، والاستثمار، ومعايير حماية البيئة، والخاطر غير التجارية، والاتصالات، وحقوق الصيد وغيرها من المسائل ذات العلاقة بالاقتصاد.
وطبقا للإعلان السياسي الخاص بمستقبل العلاقات بين الطرفين، من المفترض أيضا التوصل إلى اتفاقات بشأن عدد كبير من القضايا ذات الطابع الأمني، وتبادل المعلومات المخابراتية، والتنسيق في عمليات مكافحة الإرهاب، إلى جانب وضع آليات للتنسيق بين مواقف الطرفين في النزاعات الدولية وفي مناطق الصراع الرئيسية في العالم. ونظرا الصعوبات والتحديات التي تواجه إعادة صياغة العلاقات الأوروبية-البريطانية، فإنه من المرجح أن تطول مدة المفاوضات، وربما يلجأ الطرفان إلى التفاوض بشأن اتفاقات جزئية او مرحلة في بعض القطاعات، استلهاما من نمط المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وذلك بغرض تجنب الدخول في نزاعات قانونية، ومنع احتمال خروج بريطانيا بدون اتفاق واضح يحدد طبيعة العلاقات مع أكبر شركائها في العالم.
مخاطر تجارية
طبقا لاتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن أمام الطرفين آجلا زمنيا محددا بـ 12 شهرا فقط، للتوصل إلى اتفاق تجاري في موعد أقصاه 31 كانون الأول/ديسمبر 2020. إذا فشلت المفاوضات، فإن البديل سيتمثل في إخضاع التجارة المشتركة لقواعد منظمة التجارة العالمية. وتنص هذه القواعد على التزام كل طرف بمنح الطرف الآخر أفضل شروط التجارة الممنوحة لأعضاء منظمة التجارة العالمية باستثنائين، الاستثناء الأول هو عدم تمتع أي منهما بالتفضيلات التجارية المنصوص عليها للدول النامية. وهذا يعني أن التسهيلات الجمركية والكمية الممنوحة لمنتجات الدول النامية لن تسري على التجارة المشتركة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، سواء فيما يتعلق بالصادرات أو الواردات.
أما الثاني، فإنه يتعلق بحرمان بريطانيا من التسهيلات الممنوحة من الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء في الاتحاد، مثل الإعفاء التام من الرسوم الجمركية أو التسهيلات الممنوحة لتجارة السلع الزراعية، بما في ذلك دعم المزارعين. وسوف يكون ذلك من أشد العوامل خطورة على المبادلات التجارية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. وتشمل الأضرار المحتملة قطاعات التمويل والمنتجات الصناعية وأهمها صناعة السيارات والملابس، والزراعة، والصيد.
وطبقا لأحدث الإحصاءات التجارية في بريطانيا، فإن عام 2018 سجل وصول صادرات بريطانيا من السلع والخدمات لأسواق دول الاتحاد الأوروبي إلى 281 مليار جنيه إسترليني بما يعادل 45 في المئة من صادراتها الكلية، بينما بلغت قيمة الواردات 357 مليار جنيه، بما يعادل 53 في المئة من إجمالي الواردات. وهذا يعني أن بريطانيا كانت تعاني من عجز كلي في الميزان التجاري مع أوروبا بلغ في العام الماضي 66 مليار جنيه إسترليني. ومن الملاحظ في نمط التجارة المشتركة بين الطرفين أن بريطانيا تحقق فائضا في تجارة الخدمات، مثل الخدمات المصرفية والتأمين والاستشارات القانونية والهندسية والإعلانات ودراسات الجدوى وغيرها. وقد بلغ هذا الفائض في العام الماضي 28 مليار جنيه إسترليني، وهو ما خفف من حدة العجز في ميزان تجارة السلع والبضائع المختلفة الذي كان قد ارتفع إلى 94 مليار جنيه إسترليني.
هذا الحجم الضخم من التجارة المتبادلة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، يفرض عليهما مسؤولية مشتركة في ضرورة العمل بكل قوة من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري، يعكس قوة المصالح المتبادلة، ولا يترك التجارة بينهما لقواعد منظمة التجارة العالمية، لأن ذلك سيعني فرض رسوم على صادرات بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي وكذلك على وارداتها منه. في الوقت الحاضر تبلغ نسبة هذه الرسوم بين الاتحاد الأوروبي والبلدان غير الأعضاء، وغير الدول النامية، ما يتراوح بين 4.3 في المئة إلى 5.7 في المئة. لكن الرسوم والقيود التي قد تخضع لها السلع الزراعية قد تزيد عن ذلك بكثير، لتترك آثارا سلبية على المستوى العام لأسعار السلع الغذائية في أسواق الطرفين.
كذلك فإن قطاعات صناعة وتجارة المنسوجات والملابس الجاهزة هي من بين القطاعات التي قد تتأثر بشدة في حال عدم التوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي بين بريطانيا وبين الاتحاد الأوروبي.
صعوبات في الطريق
بينما يسعى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى التوصل لاتفاق سريع بنهاية العام الحالي، فإن المفاوضين الأوروبيين يميلون إلى الاعتقاد بأن الاتفاق سيحتاج إلى وقت يتجاوز المدى الزمني الذي حدده جونسون. وقد اعربت أورسولا فون دير لاين الرئيس الجديد للمفوضية الأوروبية، عن اعتقادها بأن من الضروري تمديد المهلة للمفاوضات، وهو ما يتطلب زيادة أجل المرحلة الانتقالية، بغرض توفير القدر الكافي من الوقت لإعداد اتفاق تجاري جيد للطرفين.
ومما يزيد من صعوبة التوصل لاتفاق تجاري بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، أن بريطانيا ستكون مشغولة بمفاوضاتها التجارية مع الولايات المتحدة، على التوازي مع مفاوضاتها الأوروبية، وذلك من أجل عقد الاتفاق التجاري الموعود الذي تعهد به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وسوف يحتاج المفاوضون البريطانيون إلى تنسيق موقفهم، لضمان عدم تضارب نصوص الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي، ونصوص الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة.
كذلك فإن هموم المفاوضين التجاريين البريطانيين ستتجاوز المفاوضات مع كل من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة. ذلك أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيفرض عليها ان تتفاوض مع العديد من شركائها التجاريين الرئيسيين مثل كندا واليابان والصين ودول مجلس التعاون الخليجي، من أجل إعادة صياغة العلاقات التجارية معهم على أساس ثنائي، وبعيدا عن القواعد السابقة التي كان الأوروبيون هم الذين وضعوها. وقد نجحت بريطانيا بالفعل خلال الأشهر الأخيرة من عام 2019 ان تتوصل بنجاح إلى عقد عدد من الاتفاقيات التجارية المهمة مع بعض شركائها التجاريين الأقل أهمية في أنحاء مختلفة من العالم، مثل إسرائيل وبعض دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكن ما يزال أمامها الكثير الذي يتعين عليها ان تعقدها، من أجل إطلاق طاقات الاقتصاد البريطاني وتحقيق الرخاء الموعودة
ضغوط النمو
وستجري المفاوضات التجارية بين بريطانيا والولايات المتحدة، تحت ضغوط قوية بسبب تردي مستويات النمو، والحاجة إلى توسيع الأسواق الخارجية. ففي داخل منطقة اليورو يقل معدل النمو عن 2 في المئة كما أن المعدل المتوقع في بريطانيا خلال العام الجديد ينخفض إلى حوالي 1 في المئة فقط. ومع أن أجهزة صنع السياسات النقدية والمالية لدى كل من الطرفين، تميل في الآونة الأخيرة إلى التخفيف من القيود، وإلى زيادة الإنفاق العام لتحفيز النمو، لكن نجاح هذه السياسات يتطلب أسواقا خارجية مفتوحة، تساعد على توسيع طاقات الإنتاج، وتوفير فرص العمل للكثير من العاطلين خصوصا بين الشباب.
وقد أظهرت احصاءات أخيرة تراجع إنتاج المصانع البريطانية في كانون الأول/ديسمبر بأسرع وتيرة منذ 2012 مع تأثير ضعف الاقتصاد العالمي على الطلب، وتقليص الشركات مخزوناتها من السلع التي كونتها تحسبا لخروج البلاد من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق. وطبقا لتلك الإحصاءات انخفض إنتاج المصانع على مؤشر مديري المشتريات بقطاع الصناعات التحويلية إلى 45.6 من 49.1 في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وهو أدنى مستوى له منذ تموز/يوليو 2012.
وتشير القراءة الأدنى من 50 إلى انكماش في الإنتاج الصناعي. كما تضمن تحليل بيانات المؤشر تراجع الوظائف المتاحة للشهر التاسع على التوالي.
ويتمتع رئيس الوزراء البريطاني بمركز تفاوضي قوي في مواجهة الاتحاد الأوروبي، بسبب الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي حصل عليها في الانتخابات العامة الأخيرة. وسوف يستخدم هذه الأغلبية في المفاوضات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، لمنع تمديد المفاوضات إلى أجل يتجاوز نهاية العام الحالي، أو على الأقل التهديد بذلك، لضمان أن تجري المفاوضات في مسار سريع، بعيدا عن بطء الآلة البيروقراطية للاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل فإن أوروبا يجب أن تكون مستعدة لاحتمال خروج بريطانيا بدون التوصل إلى اتفاق تجاري، إذا تعثرت المفاوضات، وهو احتمال لا يفضله المفاوضون الأوروبيون الذين يعرفون مقدار تأثيره الضار، خصوصا في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها أوروبا حتى الآن. وتؤكد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن العلاقات التجارية المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا يجب أن تقوم على أسس عادلة، وعلى أساس معايير ومواصفات تجارية وصناعية مشتركة ومتناسقة، تضمن المنافسة العادلة وحماية فرص العمل وحقوق العمال، إلى جانب تعزيز الاتجاه إلى تطبيق معايير بيئية سليمة تهدف إلى تقليص الانبعاثات السامة إلى الصفر بحلول العام 2050.
وفي كل الأحوال، وعلى الرغم من التحديات والصعوبات التي تواجه الاتفاق التجاري المحتمل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، فسيكون من مصلحة الطرفين الحيلولة دون خروج بريطانيا بدون اتفاق، وتعظيم فرص التعاون المتبادل في مجالات التجارة والاستثمار لصالح شعوب المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على السواء.