الدوحة ـ «القدس العربي»: شكلت رحلة الرئيس الأمريكي جو بايدن المباشرة من إسرائيل إلى المملكة العربية السعودية، منعرجاً حاسماً في مسار العلاقات الجيوسياسية بين دول المنطقة.
وحملت زيارة بايدن وهو أول رئيس أمريكي يسافر مباشرةً إلى السعودية من إسرائيل، العديد من الدلالات، على ضوء التطورات الحاصلة في المنطقة، مع إشارات لقبول الرياض المتزايد لإسرائيل بعد عقود من المقاطعة تضامناً مع الفلسطينيين.
ووضعت زيارة بايدن لجدة السعودية، حداً للتكهنات التي سبقت لقائه الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي للمرة الأولى منذ توليه مهام منصبه.
واجتمع الرئيس الأمريكي مع ولي العهد السعودي على انفراد بعد استقباله من الملك سلمان عبد العزيز، وتلاه لقاء موسع لوفدي البلدين، وتوقيع عدد من الاتفاقيات. محطة السعودية من جولة الرئيس الأمريكي، تزامنت مع عقد «قمة جدة للأمن والتنمية» وضمت قادة دول مجلس التعاون الخليجي، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.
وكشفت الزيارة التي كانت محط الأنظار على امتداد الأشهر الأخيرة، ملامح توجهات البيت الأبيض للشرق الأوسط ومنطقة الخليج، بعد فترة تراجع الاهتمام بها من قبل خليفة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
وكانت الإدارة الأمريكية الحالية أعطت الانطباع أن أولوياتها الخارجية منصبة على التهديد الصيني، والروسي، بعيداً عن مرتكزات دبلوماسيتها المتأصلة القائمة على تأمين منابع النفط في الخليج.
وعلى امتداد عقود اجتاز التحالف الأمريكي السعودي العديد من العواصف، وظلت العلاقة حيوية للطرفين، خصوصاً وأن السعودية هي أكبر مُصدر للنفط في العالم وأكبر عملاء المبيعات العسكرية الأجنبية الأمريكية.
ومع وصول الديمقراطيين البيت الأبيض، تبنى الرئيس جو بايدن موقفا أكثر تشددا تجاه سجل السعودية في حقوق الإنسان، وتعهد أثناء حملته الرئاسية بجعل الرياض «منبوذة» بسبب مقتل خاشقجي. كما أعلن في وقت سابق، وقف الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية في اليمن، بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة.
تدريجياً، خفف الرئيس الأمريكي لهجته، وأعلن في حزيران/يونيو إن المملكة أظهرت «قيادة شجاعة» من خلال مساندة تمديد الهدنة المدعومة من الأمم المتحدة في اليمن.
ومع ارتفاع أسعار النفط، رحب البيت الأبيض بقرار دول «أوبك+» زيادة الإمدادات.
السعودية تعيد ضبط إيقاع العلاقة
تواترت في الفترة التي سبقت زيارة بايدن للسعودية، معلومات وتسريبات، عن امتعاض سعودي، من سياسة الرئيس الأمريكي تجاه الرياض.
وكشفت مصادر عدة، أن ولي العهد السعودي رفض اتصالات البيت الأبيض لمناقشة تطورات الأوضاع في المنطقة، تحديداً مع إطلاق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شرارة الحرب في أوكرانيا، وما رافقها من تداعيات على أسواق النفط.
وأشارت الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية في واشنطن إلى أنه ولت منذ زمن طويل الأيام التي كان يمكن فيها تحديد العلاقة السعودية-الأمريكية من خلال نموذج «النفط مقابل الأمن» الذي عفا عليه الزمن. وشددت الدبلوماسية السعودية، أن العالم تغير ولا يمكن حل المخاطر الوجودية التي تواجه الجميع بما في ذلك أمن الغذاء والطاقة وتغير المناخ، بدون تحالف سعودي-أمريكي فعال.
ويقرأ مراقبون أن تلك التصريحات، تصنف في دائرة الرد السعودي على تعهد بايدن، قبل عامين بجعل السعودية دولة «منبوذة» بسبب مقتل الكاتب الصحافي جمال خاشقجي في 2018 على يد عملاء سعوديين.
وينفي الأمير محمد بن سلمان أي علاقة له بالجريمة، لكن الاستخبارات الأمريكية خلصت إلى أنه هو من أعطى الموافقة على العملية.
المراقبون اعتبروا أن الرئيس الأمريكي حاول أن لا يقدم تنازلات أكبر، حيث لم يذهب إلى العاصمة السعودية، الرياض، بل اختار عوضاً عن ذلك عقد قمة متعددة الأطراف مع القادة الإقليميين في مدينة جدة المطلة على البحر الأحمر، لتكون الرسالة واضحة: بأن هذه ليست زيارة دولة.
دلالات توقيت الزيارة
تأتي زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية في توقيت دقيق يمر به العالم، على ضوء الحرب الروسية على أوكرانيا، وما خلفته من تداعيات، وعلى ضوء مفاوضات الملف النووي الإيراني، والأوضاع في اليمن.
وكشفت مصادر عدة من جدة، أن أزمة النفط وإمداداته، شكلت حيزاً هاماً من مناقشات المسؤولين الأمريكيين مع نظرائهم السعوديين.
وأعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، إن الإدارة ستنقل «وجهة نظرها للحاجة إلى توفير إمدادات كافية في السوق العالمية».
وهو ما أكده الرئيس الأمريكي الذي قام بسابقة أخرى بنشره مقال رأي في صحيفة «واشنطن بوست» حول الزيارة المرتقبة للشرق الأوسط.
وقال بايدن، إن «مواجهة العدوان الروسي يحتاج للعمل لاستقرار أكبر في المنطقة» مضيفا لهذا «علينا التعامل مباشرة مع دول يمكن أن تؤثر في تلك النتائج، والسعودية واحدة من هذه الدول».
ويشير خبراء إلى أن الرياض «قد تنحاز للرغبات والمطالب الأمريكية الحالية فيما يخص رفع معدلات إنتاجها من النفط، في حال تقديم الإدارة الأمريكية ما يحافظ على المصالح الاستراتيجية السعودية والخليجية».
ويتابع مراقبون هذه التصريحات، بعين التحليل، للتأكد من هامش حرية الرياض في ضمان وقوفها على نفس المسافة بين واشنطن وموسكو، التي استنفرت من التطورات الأخيرة، واستبقت زيارة بايدن، بلقاءات عقدها الرئيس بوتين مع نظيره الإيراني إبراهيم رئيسي.
ومع اندلاع الأزمة في أوكرانيا، حدثت تطورات في مواقف الرياض وتقاربها من بكين وموسكو أقلقت واشنطن.
ملف حقوق الإنسان
يواجه الرئيس الأمريكي، جو بايدن ضغوطاً من فريقه ومن الحزب الديمقراطي، الذي يرفع راية حقوق الإنسان، ويؤكد على ضرورة إيلاء الملف الأهمية في زيارة بايدن للسعودية.
وعلق الرئيس الأمريكي قبيل وصوله جدة، بشأن رحلته إلى المملكة العربية السعودية، إنه «دائمًا» يتحدث عن مسألة حقوق الإنسان، مضيفًا أن موقفه بشأن ملف الصحافي السعودي جمال خاشقجي «كان واضحًا جدًا».
شرارة التطبيع
المؤشر الأهم في زيارة بايدن للسعودية، تعلق بالتطبيع أو التقارب السعودي الإسرائيلي. واعتبر مراقبون أن انطلاق طائرة بايدن من إسرائيل في رحلة مباشرة إلى السعودية، خطوة رمزية ومقدمة للتطبيع بين المملكة وإسرائيل.
وحتى الآن لم تعلن الرياض صراحة أي تطور في موقفها من التطبيع مع إسرائيل، بعيداً عن المؤشرات والقراءات لفتح الأجواء بين البلدين.
وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أوضح أنه لا ينظر إلى إسرائيل على أنها عدو، بل «حليف محتمل، له العديد من المصالح التي يمكننا متابعتها معا».
كما أشار رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية يئير لابيد، إلى توقعاته بخطوات تطبيع صغيرة، خلال جلسة الحكومة، عند تطرقه لزيارة بايدن لإسرائيل، ثم توجهه في رحلة مباشرة من مطار بن غوريون إلى جدة.
وكشف المبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط، دينس روس قوله إن السعوديين ربما عرضوا، كبداية، فتح مكتب تجاري في تل أبيب يقوم بالتعامل مع المصالح الاقتصادية السعودية. ومقابل هذا قد تطالب السعودية بأمر أكبر: يجب على إسرائيل وقف كل عمليات البناء الاستيطاني في شرق الجدار الأمني الإسرائيلي في الضفة الغربية. والموافقة على المبادرة السعودية-العربية التي تشترط المفاوضات بناء على حل الدولتين.
ويقول روس إن التزام إسرائيل في مجال المستوطنات يعني أن الإسرائيليين سيتوقفون عن البناء على نسبة 92 في المئة من الضفة الغربية، مشيرا إلى أن نسبة 80 في المئة من المستوطنين يعيشون غرب الجدار.
وعلق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلية يئير لابيد على القرار السعودي بفتح الأجواء بين البلدين، والسماح للرحلات الجوية الإسرائيلية عبور الأجواء السعودية، قائلاً إنه «بعد طريق طويلة من السرية والدبلوماسية المكثفة مقابل الولايات المتحدة والسعودية، فقد أعلنت السعودية عن فتح مجالها الجوي أمام شركات الطيران الإسرائيلية، وهذه هي الخطوة الأولى فقط».
وتأتي هذه الخطوات تزامناً والمفاوضات لانتقال السيادة على جزيرتي تيران وصنافير، وإعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن في حديثه الصحافي من جدة مغادرة قوات حفظ السلام في تيران وصنافير مواقعها.
والرئيس الأمريكي في حديث صحافي من مقر إقامته في جدة، جدد التأكيد على أولوية منطقة الشرق الأوسط لسياسة بلاده الخارجية.
وشدد أن واشنطن لن تبقى على المدرجات تشاهد ما يحدث في المنطقة، على ضوء التحركات الصينية الروسية.
وجاءت تصريحات بايدن من جدة لتؤكد أن الولايات المتحدة ما تزال متمسكة بنفوذها في الشرق الأوسط والخليج، وهو ما يشي بسباق دولي على هذه المنطقة الحيوية.