أول مُخرج عربي يبدأ من العالمية: البحث عن إشكالية قاد انور القوادري مؤخراً إلي مسلسل عن عرب لندن
أول مُخرج عربي يبدأ من العالمية: البحث عن إشكالية قاد انور القوادري مؤخراً إلي مسلسل عن عرب لندن دمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: أنور القوادري ابن المنتج والموزع المعروف تحسين القوادري أحد أهم رواد السينما السورية في بداياتها، وأحد مؤسسي لجنة صناعة السينما والتلفزيون، أي أنه نشأ في بيئة سينمائية ساهمت بتشكيل طموحه، وصناعة مستقبله، حيث ذهب سنة (1972) لدراسة السينما في لندن، وتخرّج سنة (1978) من الأكاديمية المركزية للعلوم السينمائية والدرامية هناك، وكان فيلم تخرجه بعنوان بولينا الذي نال إعجاب النقاد وحصد عليه جائزة مهرجان شيكاغو لطلاب السينما، مما شجعه علي الاستمرار في بريطانيا.أخرج القوادري وكتب عدداً من الأفلام العالمية والعربية، كما أخرج مسلسلا تلفزيونيا بعنوان سحر الشرق وهو يعود الآن إلي الدراما التلفزيونية في عمل مهم اسمه عرب لندن .سبق وتحدثنا عنه علي هامش مهرجان دمشق السينمائي الأخير، وحين التقينا مُجدداً كان العدوان الإسرائيلي الغاشم علي لبنان قد بدأ، اخذ ذلك منا مساحة لتبادل الأسي حيال الدمار الذي يُحيق بالشعب اللبناني، وحيال تقاعس الأنظمة العربية عن دعم المقاومة وصمود الشعب اللبناني، قبل أن نتمكن من العودة إلي الحوار: أنور القوادري من الفنانين العرب الذين بدأوا من العالمية؟ قد يكون للمنشأ في بيت سينمائي أثره، قد يكون لدراستي في لندن نصيب من ذلك، لكن النجاح هو المعيار الوحيد لإمكانية ولوج عالم السينما في الغرب، واعتقد أنّ الموضوعات التي اخترتها ساهمت إلي حد ٍ كبير في هذا النجاح.ففيلمي الأول بعد التخرّج غرفة الانتظار وقد كتبت له السيناريو أيضاً، هو من الأفلام التي اعتز بها كثيراً، لأنه يعالج مشكلة التفرقة العنصرية بين البيض والملونين في الغرب، وهي مسألة حساسة وكانت في أوجها سنة (1980)، من خلال امرأة بيضاء تتهم رجلاً أسود باغتصابها، مع أنها هي التي تغتصبه حقيقة، وقد نال هذا الفيلم جائزة الأكاديمية البريطانية، وكان من بطولة جورجينا هيلز و شارلي تومس ، مما شجعني علي إخراج فيلم كسارة البندق وهو من إنتاج نادر أتاسي أحد أصدقاء والدي مع شركة رانك العالمية في بريطانيا، وهو يعالج فترة الحرب الباردة حيث شهدنا هروب بعض المبدعين من الاتحاد السوفياتي سابقاً وتحديداً إلي بريطانيا، وقد عرض في (100) دار عرض في بريطانيا وأمريكا وأوروبا، وكان من بطولة جوان كولينز ، وهو من الأفلام الهامة في تاريخ السينما، مما ساهم بوضعي علي خارطة السينما العالمية.بعد ذلك قدمت فيلم كلوديا المأخوذ عن قصة بعد العشاء لمحمد خان، وهي قصة حقيقية حدثت في لبنان، وقد مثلت فيلماً في مصر من بطولة أحمد زكي و سعاد حسني و حسين فهمي ، أنا اشتريت القصة وأخرجتها في لندن، مستبدلاً البطلة المصرية بأخري إنكليزية من أصل طلياني، أي فيها ذلك الجزر المتوسطي حتي تتقبل فكرة استمرار العيش تحت ضغط زوجها البريطاني، لكنها في النهاية تسممه وتسمم نفسها كي تتخلص منه ومن عذاباتها بآنٍ معاً. وكان هذا الفيلم من بطولة ديبورا وهي ممثلة أمريكية معروفة، وهو من أهم أفلامي. فيما بعد عملت فيلماً مع القناة الرابعة الإنكليزية، كإنتاج مشترك بينها وبين نيكولاي شيج ، وقد نال عنه الممثل اريك نامي جائزة قبل أن يشتغل في فيلم المهمة مع روبرت دي نيرو .وجاء فيلمي سباق مع الزمن كأول إنتاج مشترك مصري ـ بريطاني، وهو عن سرقة آثارنا، ومحاولة اكتشاف مومياء الإسكندر المقدوني، وكان من بطولة جيك تاهي الممثل الأمريكي المعروف، وبمشاركة عدد من الممثلين المصريين كجميل راتب وهالة صدقي ومحمد توفيق وسماح أنور، وأهميّة هذا الفيلم أنه لأول مرّة في سنة (1988) يقف الفنان المصري المبدع علي قدم المساواة إلي جانب الفنان العالمي. بذلك نكون قد وصلنا إلي فيلم جمال عبد الناصر ؟ فكرة هذا الفيلم راودتني منذ عام (1982) إثر الانتهاء من فيلم كسارة البندق ، لكنّ الظروف لم تكن مواتية، حدث معي بالضبط كما حصل مع العقاد في فيلمه عن صلاح الدين، كثيرون يشجعون الفكرة لكن لا أحد يتقدم لدعم الإنتاج، وبعدما كتبت السيناريو لفيلم عالمي عن عبد الناصر وأعلنت عنه، بدأ التلفزيون المصري سنة (1994) العمل علي فيلم ناصر 56 وهو يتعرّض لمئة يوم فقط من تاريخ جمال عبد الناصر، هي أيام تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي علي مصر الذي انتهي بالاندحار، وهي الفترة التي شهدت ذروته الجماهيرية، وبالتالي لا تحتمل أي خلاف حولها حتي من قبل أعدائه، لذلك لعبوا تلك اللعبة الرابحة والذكية، فكتب السيناريو محفوظ عبد الرحمن ، ولعب احمد زكي دور البطولة، ويُقال أنّ هدي عبد الناصر أشرفت بشكل مباشر علي السيناريو، وكان محمد فاضل و فردوس عبد الحميد ، وكان ممدوح الليثي يشرف علي قطاع الإنتاج في التلفزيون، وهو لم يكن ناصرياً، وهذا مؤشر علي اتفاق الجميع حول هذه المرحلة.وبقيّ فيلمي معلقاً حتي عام (1996) حين أشار والدي أنه في ظل غياب التمويل المطلوب لفيلم عالمي عن عبد الناصر ، لماذا لا نقدم فيلماً عربياً، مما دفعني للبحث عن طريقة لصنع فيلم عربي مع المحافظة علي الجانب العالمي من خلال شخصيات مهمة كأنطوني إيدن وزوجته، كذلك حافظت علي شخصيات عن الجانب الإسرائيلي ضمن سياق الأحداث، وأتيت إلي المعارك فأخذتها من الأرشيف ووظفتها بطريقة مبتكرة ضمن إنتاج جيد بدل أن نقوم بتصويرها ضمن ميزانيات ضخمة، وقد نجحنا فعلا بتخفيض الميزانية من (40) مليون دولار إلي مليون دولار فقط، وهو رقم لا يعني شيئاً في الإنتاجات الغربية، لكنه رقم مهم بالنسبة للإنتاج العربي، فوقف معي المنتج السوري بشير غيّة ، وحققنا الفيلم بظروف صعبة.المشكلة بدأت مع هدي عبد الناصر لأنّ العمل لم يكن بإشرافها، ولم نستشرها في المصادر، إذ لا تؤيد مثلاً أن أعتمد علي وثائق من عبد اللطيف بغدادي وكان صديق عبد الناصر ثم اختلف معه، لكنه بقيّ يحترمه، كذلك خالد محيّ الدين ، وحتي في كتابات هيكل نجد نقداً لعلاقة عبد الناصر مع عبد الحكيم عامر مثلاً، وهو الرجل الثاني في تلك الفترة والذي مثل البطل التراجيدي أو الثغرة التي تسللت منها الهزيمة إلي مسيرة عبد الناصر كلها. وأنا أردت تصوير عبد الناصر الإنسان، ولم أكتف بعبد الناصر الزعيم. وهنا كان خلافي مع هدي عبد الناصر التي شنت حملة كبيرة وغير مبررة علي مستوي مصر والعالم العربي، وجرّت إلي الخلاف عدوتها برلنتي عبد الحميد والتي اتهمت عبد الناصر بقتل زوجها عبد الحكيم عامر ، مع أنّ هذا غير مثبت.إثر دخول برلنتي عبد الحميد وأولاد عامر علي الخط، انسحبت هدي عبد الناصر من المعركة، وهذا أحدث انشقاقاً في الأوساط السياسية، فوقف معي ضياء الدين داوود و عبد الله إمام من الحزب الناصري وكذلك ابنه إيهاب إمام ، كذلك وقف معي محمد فائق وزير الإعلام السابق، وشدّ علي يدي عبد اللطيف بغدادي وآخرون، فيما تردد آخرون بإعلان تأييدهم للفيلم لأنّ هدي عبد الناصر لم تباركه، واستمرت دعوي برلنتي عبد الحميد في مصر وأخري في بريطانيا ضد الفيلم، وهذا أثرّ في توزيعه كثيراً.بالنسبة لي أنا أعتبر الفيلم قصيدة حب بعبد الناصر الذي كان ينتقد نفسه، حتي أنه قدّم استقالته إثر هزيمة الـ 67 وهذه من نقاط عظمة هذا الرجل والتي لا يريد الآخرون الاعتراف بها، وهذا ما رغبت أنا بتقديمه في هذا العمل، إضافة للجانب الإنساني، وقد عرض الفيلم في فرنسا في الهواء الطلق وحضره المخرج العالمي غوستا غافراس الذي حيّاني علي هذا العمل قائلاً: أنا لم أكن اعرف عبد الناصر، لكنك قدمت لي عبد الناصر الحقيقي .ولا أعتقد أنّ الفن الحقيقي الذي يغازل مشاعر الجميع، بل الفن العظيم هو الذي يثير الأسئلة ويدفع بالمشاهدين إلي الحوار والاختلاف، وفيلم جمال عبد الناصر لم يكن من أجل الترفيه والتسلية، بل كان فيلماً يهدف لفتح الملفات وإثارة الأسئلة واستفزاز المشاهد علي إعادة التفكير في الكثير من القضايا التي مرّت بحياته وحياة أمته. والفيلم موجود الآن في المكتبات وعند أشخاص مهمين وفي التلفزيونات، وهو مازال يُعرض الآن وسوف يأخذ قيمته في المستقبل أكثر مما جري الاهتمام به أثناء عرضه كما قال لي المخرج الكبير علي أبو شادي وهو رئيس الرقابة في مصر تلك الفترة، وممن وقفوا إلي جانبي، قال لي: يا أنور: هذا الفيلم مثل زجاجة النبيذ المعتق، كل ما عتق.. كل ما زادت قيمته . كثير من مخرجي السينما يتعالون علي التلفزيون، كيف تفسّر النقلة التي قام بها أنور القوادري باتجاه الدراما التلفزيونية؟ أول مسلسل أخرجته سحر الشرق في سورية عن قصة حب حقيقية في القرن التاسع عشر، بين سيدة أرستقراطية إنكليزية تركت الغرب وأحبت شيخ عشيرة في البادية السورية، أعجبت بقيمه وحضارته، وغادرت بريطانيا لتعيش معه في الصحراء، كما أقامت لها بيتاً في دمشق.وأنا قصدت بقصة الحب المستحيلة هذه أنّ الشرق والغرب يمكن أن يلتقيا علي أسس جديدة وجيدة، لقاء الحضارات عن طريق الحب، وهذه رسالة موجهة. قمت بداية بكتابة السيناريو أنا و رنا قباني كفيلم باللغة الإنكليزية، وكان مرشحاً لبطولته أنطوني باندريراس بدور الشيخ مجول، و إيما توشفا بدور الليدي الإنكليزية، لكن غياب التمويل، وتعثر وجود أي تسهيلات مادية عام (1995) دفعني للعمل مجدداً بنصيحة والدي، وقد ساعدني المرحوم عمار الكسان وزوجته ريم حنا في إعادة الشغل عليه كمسلسل، فكتب عمار الكسان الخط البدوي فيما كتبت ريم حنا الخط الشامي، وكان هذا اللقاء بينهما جميلاً، خاصة وأنه العمل الوحيد الذي حمل توقيع عمار الكسان ككاتب سيناريو، كتبه بشفافية وعشق.بالنسبة لهذا العمل شكلت الدراما التلفزيونية خياراً في مواجهة غياب التمويل السينمائي، لكنه نجح كمسلسل مصنوع بعين سينمائية إن صح التعبير.أما عملي القادم عرب لندن فأنا كتبته بالأساس كمسلسل تلفزيوني، إذ لا يجب أن ننسي بأنّ جمهورنا العربي بالأساس هو جمهور تلفزيوني، وعلينا أن نتواصل معه، فالمسلسل التلفزيوني إذا نفذ بحرفية عالية سيشاهده الملايين من الناس، وسيتابعونه علي مدار (30) يوما خلال شهر رمضان، بينما أي فيلم ناجح قد لا يحظي بعشر هذا الجمهور. دعنا نتحدث الآن عن مشروعك القادم عرب لندن ؟ أنا موجود في بريطانيا منذ (33) إلي (34) سنة، عشت خلالها معاناة كبيرة، ورأيت أنّ لندن تكاد تجمع جامعة الدول العربية في بضعة أحياء لا يتجاوز قطرها مجتمعة (4) كم. وكان في نيتي كسينمائي أن أرصد هذه الوضعية سينمائياً، إلا أنني وجدت أنّ الخامة الضخمة المخزنة في ذاكرتي تسمح لي بإنجاز مساحة واسعة لن يستطيع فيلم سينمائي أن يعبر عنها خلال ساعة ونصف أو ساعتين.هذا العمل اسمه عرب لندن وهو موجه للجمهور العربي، وسوف يكون له امتداد عالمي من خلال التصوير في لندن، وبمشاركة ممثلين عالميين، مع التأكيد أنّ كل الشخصيات في هذا المسلسل هي شخصيات مركبة ومن خيالي، قد تتقاطع مع شخصيات من الواقع، لكنها ليست واقعية بالمطلق. مع أنّ ذلك سيحفز خيال المشاهد لمقاربة كل شخصية، وأنا أحب أن يشاركني المشاهد في هذه اللعبة، أريده أن يتفاعل معي أثناء المشاهدة وان لا يبقي حيادياً. أهمية المشروع أن يناقش قضايا الأمة العربية من خارجها، من لندن. لأنّ من يعيش بالخارج إذا جاء إلي هنا يستطيع أن يري أكثر ممن هم في هذا الداخل، فهؤلاء العرب الذين ذهبوا إلي لندن، جاءوا معهم بمشاكلهم وهمومهم وبيئتهم، وحصل هذا الصدام أو التوافق، من تزوج ومن نجح، ومن أحبط ومن توفق، ومن أصبح بدون مسكن والذين يعيشون في الشوارع، ومن أصبح مليارديراً وكيف؟ والذين نجحوا والذين فشلوا.. عالم كبير جداً، وعلي خلفيته تجد لدي دخول صدام حسين إلي الكويت، تحرير الكويت، مؤتمر مدريد، اتفاقية أوسلو، غزو العراق، الآن… وما نراه في لبنان حالياً. بحيث لا تستطيع أن تفصل هذه الخلفية السياسية عن الخط الدرامي للحدث، لأنها وظّفت مع الدراما، وتلك الشخصيات كانت تتفاعل مع الحدث العام وباستمرار. تختلف أو تقبل معي لا يهم هذا رأيك، لكنني أنا اصنع رؤيتي، وهذا في النهاية موجود، حتي التطرّق لكامب ديفيد موجود كخلفية وكذلك ياسر عرفات… كل هذا موجود لكنه ليس أداة العمل، هذا ما صنعه أنور عكاشة في ليالي الحلمية وأثبت نجاحه حتي في الأفلام الغربية. ما هو الخط الدرامي الأساسي في هذا المسلسل؟ أنا لا أريد حرق العمل والدخول في التفاصيل، لكنني أستطيع الحديث عن خط مصري أساسي يمثله الحاج بيومي وقد رشح نور الشريف لهذا الدور، الخط الآخر السوري يمثله سامي والمرشح له عابد فهد ، مع شخصيات أخري عراقية ولبنانية ومغاربية وفلسطينية وحتي الخط الخليجي موجود في هذا العمل، لكنه خط يمثل زوار لندن وليسوا المقيمين فيها، هؤلاء المقيمين الذين قدموا إلي لندن واستقرّوا بها. كافحوا وأخذوا الجنسية واستمروا في الحياة حتي الجيل الثاني أو الثالث، حيث يظهر صراع الأجيال، وإشكاليات الزواج المختلط أو الأصلي، ومشكلة الهوية.هؤلاء الأشخاص يلتقون في قهوة النيل وهو مكان متخيّل، يلتقي فيه سامي والحاج بيومي يحلمون بتحقيق الوحدة العربية لتي لم تتحقق في الواقع، يلتقون في هذا المقهي ليغنوا معاً وحدة ما يغلبها غلاب…. . كذلك جاء هؤلاء العرب معهم بأغاني وموسيقي تعيدنا إلي تلك الرومانسية الجميلة التي نفتقدها الآن، فنسمع عبد الوهاب و أم كلثوم و فيروز ، كما سيرافقنا شارل أزنافور وغيره من ذلك التاريخ الجميل.مجموعة من الخطوط الدرامية التي تتحرك علي خلفية أحداث هامة أثرت في المنطقة العربية وفي تاريخ العالم، لكننا نطل عليها من لندن.وأحب أن أضيف في النهاية أنني مسؤول عن هذا العمل كنص وإخراج. ويستطيع أي ناقد أن يحاسبني عليه كمسؤولية كاملة، وأعتقد أنّ تعاون شركة إيبلا سيكون كاملاً لخدمة هذا العمل.0