أوهام المثقف ومطرودية السياسة

غياب المثقف عن الفعل السياسي ظاهرة اجتماعية وثقافية، ترتبط أسبابها بطبيعة السلطة العربية ومركزيتها العصابية، وبطبيعة المثقف العربي في صوره المتعددة ـ الثوري والانتهازي والسلطوي والأصولي والشعبوي- حيث تحولت تلك الأسباب إلى عناصر ضاغطة، أسهمت في تضخيم أوهام المثقف، وفي توسيع مساحة مطروديته من الفعل السياسي، ومن المشاركة في مشاريعها، وفي بنية نظامها وخططها، وحتى في خياراتها الوطنية والإنسانية، وفي نظرته لبرامج التغيير وفرض إرادة التقدم.
مطرودية المثقف من السياسة لا تعني سوى مركزية السياسي في السلطة العربية، وهي ثنائية معقدة، ومهملة، وتحتاج إلى مراجعة عميقة، وإلى نظرٍ كبير، ليس لأنها «تاريخية» وحسب، بل لأنها تعني أولا هامشية المثقف، وسقوطه في الوهم، وفي «خرافة» تعاليه ثانيا، وأن رهانه على المعجزات، بما فيها معجزة، اللغة والسلطة، أي سلطة، سيكون رهانا فاشلا وعاجزا، وغير مجدٍ، فضلا عن أن توهمه بوظيفة استثنائية لصلاحية صناعته لـ»النقد المنبري» لا تعني سوى نكوصه في لعبة التنصيب المرآوي لذاته، لأن السلطة العربية لا ترى إلّا نفسها، ولا تصدّق كثيرا «الحكي» الثقافي الذي قد يشبه الغواية أو التمرد.
علاقة المثقف العربي بالسياسة ظلت على الدوام مرتبكة، ومشوشة، ولا تاريخ حقيقي لها، وإنْ برزَ اسمٌ هنا أو هناك، فلا يعدو الأمر سوى ممارسة، أو صدفة، وهي ليست بعيدة عن مواقف أيديولوجية أو انتهازية، أو ربما هي تورط في لعبة لم يخترها المثقف، ولم يمارس فيها شيئا من طاقته في طرح الأسئلة النقدية، إذ يكون في سياقها مثقفا بالمعنى التوصيفي وليس الإجرائي، يقبل بوظيفة المدّاح، والحامي و»حارس البوابة» والمدافع عن السلطة، بوصفها صاحبة الكنز والأيديولوجيا والمصالح والمنصات، ويدافع عن الزعيم والرئيس والملك، بوصفهم أصحاب ولاية الأمر، ولا شأن لذلك بالنقد، سياسيا كان أم ثقافيا، ولا مسّاً بصلاحياتهم وقراراتهم، لأن السلطة العربية برموزها وعناوينها ذات مزاج ديكتاتوري دائم، ولا تقبل بالنقد، ولا المراجعة بسهولة.

السلطة والمثقف والفلسفة

لقد عمدت ثقافة القرون الوسطى على تكريس صورة المثقف المخاتل، حيث يناور في علاقته بالكنيسة، أو بالمرجعية الفقهية، لأن المجاهرة بالخصومة والاختلاف تعني الموت، وحتى ممارسة «فعل الكلام» على الطريقة «الاعتزالية»، تعني له مروقا وزندقة، وبالتالي سيكون هذا المثقف خصما للسلطة الرسمية والدينية، لأنّ ما حدث في تاريخنا فرض نوعا حادا للتلازم العقدي بين الفقه والسلطة، وأن الاجتهاد الثقافي والتأويلي خرج عن الاستعمال العقلاني، ولم يعد لأهل الكلام مجال لممارسته على مستوى التأويل والحكم، وعلى مستوى النظر النقدي إلى النصوص والأفكار والمسائل العامة والخاصة. وإذا ما كان الفلاسفة في اليونان قد جعلوا من رمزية «البوم» عنوانا للحكمة، فإنهم وجدوها بالمقابل تعبيرا رمزيا عن القوة في مواجهة الظلام، أي ظلام الطغيان والجهل والحروب والفساد، لكن ما جرى في مراحل لاحقة أسهم في تغييب الدال الثقافي، من خلال إسقاط الرمز، لتكون «البوم» برمزية مضادة عنوانا للخراب، والموت، حيث قال عنها الفيلسوف هيغل بأنها «لا تحلّق إلا في الظلام» وكأنه أراد أن يستعيد شيئا من الرمزية الثقافية لقوة الثقافة في مواجهة الطبيعة.
هذا التحوّل في قراءة الرمز يعكس موقف السلطة وكراهيتها للثقافي/ الفلسفي، مثلما بدا وكأنه موقف من الفلاسفة ذاتهم، إذ أصبحوا هدفا للكراهية وللطرد، وإنهم حملوا أيقونة البوم، ليبشروا بالخراب وليس بالإصلاح والطاعة، كما أن هذا الموقف السلطوي اكتسب بعدا سياسيا واجتماعيا، بوصفهم يؤلّبون العامة على السلطة على طريقة سقراط، ويدعونهم للمعارضة والتجاوز، وفضح أسرار المعرفة، وبالتالي تحوّل الفلاسفة والمثقفون بدلالة ابن المقفع، وبشار بن برد، وأبي حيان التوحيدي والكميت الأسدي، وابن سينا والفارابي والرازي وجابر بن حيان وابن طفيل، وصولا إلى ابن رشد إلى «متهمين» بالمروق والزندقة، وحتى بالإلحاد، وهذا ما جعلهم خاضعين لأحكام «الحدود» وبعيدين عن مؤسسة السلطة، والمؤسسة الفقهية، وعن أي مشاركة في قرارات الحرب والسلم والشأن العام.

مات أغلب المتمردين والثوار، أو تعرضوا للعزل والنفي، إذ لم يجدوا في التغيرات السياسية الخارجية مجالا للتعاطي مع وعي وسؤال مختلفين، ولم يجدوا كذلك في مواجهة الوهم الثقافي مجالا نفسيا للتلذذ بطقوس العزلة، حيث الوقوع في «الوعي المزيف» كما سمّاه ماركس.

السلطة العربية مركز مغلق، بحكم توصيفها الأنثروبولوجي، وبحكم طبيعة التقديس التي أُسبغ عليها، فقهيا وسياسيا وولائيا، وهذا ما جعل الداخل إلى نسقها محكوما بالتابعية، وليس بالنقدية، لأن النقد يعني دعوة مضادة للشرع، مثلما هو دعوة لتفكيكها ورفضها، وبالتالي ظلت تلك السلطة محكومة بمركزية النسق من جانب، مقابل قيامها بطرد كل الفلاسفة والعلماء وأصحاب الكلام والرأي من جانب آخر.
ما بين الحافظية والطرد، تحددت فاعلية العقل النقدي الثقافي، ووظيفة المثقف الذي هرب إلى أساطين لغته، وإلى استعاراته، حيث سخّف وبسّط الصراع بينه وبين السلطة، مكتفيا بسلامة العزلة عنها، والاكتفاء بوعي النقد، كممارسة مازوخية، أو نقد الماضي، أو تأويله، على مستوى الانغمار في عوالم التصوّف والنأي بالنفس عن المختلف، بمافيه المختلف الفلسفي الذي يُعنى بالأسئلة الوجودية، وبما هو عميق ومثير من الأفكار وسجالها المفتوح.

المثقف العربي بوصفه مطرودا وموهوما

أغلب المثقفين العرب خرجوا من معطف الأيديولوجيا، وتلبسوا كثيرا من أقنعتها وأوهامها ومركزيتها، وأن علاقتهم بالسلطة ظلت محكومة بها، أو بالعصاب، أو الوظيفة، لكن بعضهم حاول أن يمارس غريزة التمرد، تحت سطوة تضخم الأنوية الثقافية، أو تحت حاجة النزعة الثورية في الأيديولوجيا ذاتها، فما الذي جرى؟
مات أغلب المتمردين والثوار، أو تعرضوا للعزل والنفي، إذ لم يجدوا في التغيرات السياسية الخارجية مجالا للتعاطي مع وعي وسؤال مختلفين، ولم يجدوا كذلك في مواجهة الوهم الثقافي مجالا نفسيا للتلذذ بطقوس العزلة، حيث الوقوع في «الوعي المزيف» كما سمّاه ماركس، وربما الإحساس بـ»متعة الخديعة» إيهاما بأنّ المثقف هو الكائن الاستثنائي، الضروري والمُخلّص، وصاحب الرؤية، وربما صاحب الثورة. هذه الأوهام التي تورط بها المثقف العربي جعلته مسكونا بفكرة ترياق التغيير، الثورة، وبترياق الأيديولوجيا ذاتها، ولعل سرديات الثورة الدائمة، بوصفها التروتسكوي، أو الجيفاروي أعطته جرعات عالية من الإفراط بتلك الأوهام، وحتى بغياب الوعي عن ما يجري حوله من صراعات وتحولات، لاسيما ما يتعلق بالاجتماع السياسي العربي، حيث تعرّض هذا الاجتماع إلى تغيرات بنيوية كبيرة، بدءا من الستينيات، وإلى يومنا هذا، مات فيها اليسار القديم، واليمين القومي، وحتى الراديكالي الثوروي، مقابل بروز حركات شعبوية يختلط فيها الديني الطائفي، مع المدني العقلاني، ولعل أحداث الربيع العربي وما أفرزته من حراك ومن حكومات نمطية، يؤكد هذا الأفق الغائم للتوصيف السياسي، ولطبيعة الحمولات الثقافية التي قد تبرز هناك أو هناك، فالبطل الثقافي لم يعد سارتريا، أو كامويا، أو فانونيا، بل أضحى الأقرب إلى البطل الشعبوي، الذي تحركه وسائل التواصل الاجتماعي وليس الأيديولوجيا، وحتى وسائل الإعلام العربية لم تعد تحتفي بـ»المثقف» على طريقة الاحتفاء بطه حسين، أو نجيب محفوظ، بل أضحت تحتفي بأنموذج المحلل السياسي والاقتصادي والثقافي الاستراتيجي، وهي توصيفات عامة وليست عضوية..
طرد المثقف من المشهد يقابله توجّه لصناعة مضادة لأقنعة تزيّف هوية الثقافي، تلك التي تكرّس البطل السياسي الحكومي، والحزبوي والشعبوي، وتُروّج لأطروحاته القائمة على الكراهية، والمركزية، والداعية إلى «اطمئنانات» تاريخية، على مستوى الولاء لنوع من التاريخ النقي، وعبر التصالح مع خطابه، أو مستوى النزوع إلى «التطبيع»، بوصفه خلاصا من أزمة العلاقة مع العدو، وتخلّصا من ضغط الذاكرة الأخلاقية لذلك التاريخ، بما فيها الصور النمطية التي كرستها السلطة ذاتها للعدو والصديق.
تضخم هذه السلطة يعني أيضا تقزّما لصورة المثقف، وتغيّرا في سياق الحاجة إليه، فالسلطة الضخمة تحتاج إلى صاحب البنك، والمستثمر الكبير ورجل الأمن ورجل العلاقات العامة، ولا تحتاج للمثقف العضوي الذي سيسبب لها قلقا وصداعا، وهذا ما يجعل النظر إلى العلاقة بين السياسي والثقافي محفوفة بالريبة والشك، والدعوة إلى المثقف بضرورة تبديل عاداته القديمة العضوية واليسارية والثورية، والتحوّل إلى كائن استثماري أو كاتب علاقات عامة، أو نصوص تزيد من نسب الفرجة والربح والمتعة، وبخلاف ذلك عليه أن يكون خارج اللعبة تماما.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية