أيار ذاكرة النكبة الهرمة.. والمقاومة الحية المتجددة

حجم الخط
0

مطاع صفدي

ينقضي شهر أيار الحالي، وفي مفكرته ذاكرة أحداث تاريخية جسام قد لا يتحسس بمعانيها كل المخيال العربي علي ذات الموجة من الأهمية أو حتي مجرد الالتفاتة العابرة. رغم أن بعض هذه الذاكرة كان صنع الحاضر القومي الشامل علي الأقل في جوانبه الكارثية السوداء، والبعض القليل الآخر منها أو النادر كان له امتيازه الساطع لكن دون أن يحسن المستقبلُ الذي تلاها استخراجَ نتائجها الأبعد، وإن كانت لها مفاعيلها الحاسمة في لحظة وقوعها.

احتفلت إسرائيل خلال هذا الشهر بعيدها (القومي) الثامن والخمسين. وكل احتفال يكرر انتصارها كأنه يحدث اليوم. أما (الآخر) العربي الذي دفع ولا يزال يدفع أثمان ذلك الانتصار، فإنه لا يكاد يعي حتي الآن هزيمته، وكيف أمست هي أم الهزائم التي تناسلت منها، وسوف تتناسل، ما دام الآخر الذي يتحملها ويتلقاها لم يهتدِ بَعْدُ إلي مصل المناعة الكيانية الذي يقيه وباء الكارثة الناهشة من لحمه ودمه، والمتغذية أبداً من تسارع تفشيها المتفاقم، مع المزيد من تهالك القطب العربي وتخليه العجيب عن مزيد من أسلحته. هذا التخلي الذي لم يعد إكراهياً قسرياً، تحت ضغط العدو الأقوي، بقدر ما يصير طوعياً، وخارج المعركة دائماً، حقيقية كانت أو زائفة موهومة.

لعل أخطر ما انتهي إليه هذا العنوان الوجودي الكبير: (الصراع العربي ـ الاسرائيلي) هو انسحاب القطب العربي نفسه ليتحول إلي العنوان الراهن البائس: الصراع الفلسطيني الاسرائيلي!. فإذا كان النظام العربي اعترف بالنتيجة التي تفرضها عليه هزيمته العسكرية المتكررة والدائمة إلا أن التاريخ لن يسمح له بتحييد أمته عن هذا الصراع الذي لا يزال وسوف تبقي له الكلمة الأخيرة في تقرير مصيرها القومي والحضاري. ذلك أن انسحاب النظام العربي من قطبيته في ثنائية الصراع لم يمنحه السلام مع ذاته كما كان يتخيل، بل تمت ترجمة الانسحاب إلي جدلية الاستسلام عملياً. ما أتاح لمنطق الهزيمة الانتقال من المواجهة علي الحدود مع العدو الأصلي، إلي إطلاق مسلسل الانهيارات الداخلية والقطرية من كل نوع وصنف تهديمي وتفكيكي، إلي النوع الدموي والأهلي.

انتهت حروب الأنظمة مع إسرائيل عملياً مع اتفاقية كمب ديفيد. اكتفت مصر (السادات) باسترجاع قناة السويس، وسيناء مجردة من السلاح، كيما تنفض يدها من (القضية) جملة وتفصيلاً. الأمر الذي أعطي التبرير لبقية الأنظمة كيما تستقيل من أجندة الحرب، لكنها دون أن يفوز أحد منها بفضيلة المراجعة الأمنية لعِللِ السقوط العسكري، وما يعنيه من فقدان الأمة ككل لخط دفاعها الأول عن مشروعها النهضوي. كان ذلك الفقدان إيذاناً بانهيار أهم ما فازت به مجتمعاتنا في العصر الحديث، وبعد ألف سنة من الانحطاط والغياب عن التاريخ، وهو الاستقلال الوطني، وبالرغم من كل نواقصه وعاهاتــــه البنيوية. فمنذ زراعة إسرائيل أدرك الوعي العربي الناشئ أن الغرب الاستعماري الذي جلا بجيوشه عن جغرافية الوطن عاد ليأسر خارطتها كلياً بمأسسة التهديد المادي المجسم، ومركزته في كيان دولة لليهود، لا تنمو ولا تكتب لها الحياة إلا بقدر ما تسحب أو تعطل أسباب الحياة والبقاء لدي أعدائها. ذلك هو قانون الطبيعة ولا مفرّ منه. وكل تعامٍ عنه، وخاصة من جهة الطرف الأضعف، يحرمه مقدماً من إرادة البقاء، يجعله مكشوفاً ليس في حدوده الخارجية مع العدو المجسم فقط، بل ملءَ مساحته الداخلية التي تتخلع أوصالها، تتكسّر سطوحها الهشة أصلاً، لتنبعث من تحتها أفاعي العَقَد اللاتاريخية المكبوتة، كلما عجز المجتمع الموروث أو تمّ تعجيزه عن استكمال شروط حريته، للانطلاق في مسيرة نهضته المنشودة.

كان الانسحاب (القومي) من جدلية الصراع مع العدو المشترك، مدخلاً محتماً نحو عصر الانكفاء والانغلاق القطري. وإذ تسقط مبررات المعركة المصيرية تنكشف الدولة القطرية عن عوراتها البنيوية. ينلقب حكامها من أبطال للتحرير إلي مجرد فئويات من مغتصبي السلطة التي تتحول إلي تسلط، لا يحميه سوي المزيد من أجهزة القمع والاضطهاد. هكذا تولد الدولة الأمنية علي حطام الدولة الوطنية التي لن يتبقي لها من شروط الدولة سوي طابع العنف المطلق. وهو بدوره يفجر غرائز الإباحة والاستغلال، يشرعن السلب والنهب من أعلي مستويات الهرم إلي أدناها. يرتد المجتمع إلي أحوال من البربرية المستحدثة، المتواطأ عليها مؤقتاً من قبل الجلاد والضحية معاً، إلي أن تتفجر صراعات أهلوية مروعة، من كل جنس أقلوي وإثني وطائفي مذهبي. معني التحلل من المسؤولية القومية الشاملة هو انفراط العقد إلي أصغر حلقاته. وعند ذلك كل حلقة ستصارع الكل من أجل البقاء. إنه مصير التفتيت المتوحش إلي ما لا نهاية.

معاهدة كامب ديفيد المدشّنة لحقبة الانسحاب العربي الرسمي من ثقافة الصراع الوجودي مع اسرائيل، شكلت المقدمة الأولي المفضية الي اتفاقية أوسلو التي سجلت بدورها أول انسحاب فلسطيني و(رسمي) كذلك، ولكن من صميم القضية هذه المرة. إنه الانتقال التاريخي من دور الثائر علي الطغيان إلي دور الشريك. فيما دعي، زيفاً وبهتاناً، بالتسوية السلمية المؤدية في محصلتها الراهنة إلي ضياع ثلثي البقية من فلسطين. في الوقت الذي تهالكت فيه آخر قلاع جبهات الطوق من حول الوطن المنكوب، فقد غرقت القطريات في أتعس مصائرها الذاتية إلي الدرجة التي أمست فيها آخر الكيانات المقاومة عرضة لوضعها خارج القانون محلياً إقليمياً ودولياً؛ من (حماس) التي يفرض علي حكومتها حظرٌ عربي ومالي أشنع من نموذجه الاسرائيلي أو الأمريكي، إلي المقاومة العراقية التي أمست تصفيتها هو الرهانَ الأخير لنجاح أسطورة العملية السياسية، متهمة إياها بإعاقة جلاء الاحتلال، بينما كانت هي المانعة الحقيقية لتجذر الاحتلال واستقراره المدني إلي ما لا نهاية.. إلي المقاومة اللبنانية التي احتفل شعبها وأبطالها بعيد الإنجاز الوحيد الإيجابي لملحمة الصراع مع إسرائيل؛ إنه العيد السادس لأول انسحاب قسري إرغامي للاحتلال الاسرائيلي من الأراضي العربية. بعد اغتصاب لجنوبي لبنان لعشرين في المئة من مساحته، ولمدة عشرين عاماً أسود كذلك من عربدتها شبه المطلقة وتدخلاتها المسمومة في أخص شؤونه بوسائلها العنفية المباشرة أو بوكالة حلفائها المحليين عنها.

استقلال لبنان الحقيقي يتجدد من منعطف وطني إلي آخر. وقد شكل الدرة الثمينة، المستحيلة في أجندة الصهيونية، ومنذ انزراع دولتها الطامعة دائماً بقرض حدودها، والشمالية منها بخاصة. عشرات الغزوات الجزئية والكلية تلقاها جنوب لبنان. لكن مسيرات المقاومة المتعددة بأحزابها وقياداتها، كانت تكتب في كل مرة اسم النصر المتواضع، والعربي اليتيم في زحمة هزائم الجيوش والأنظمة.

وفي هذا الشهر لا تقتصر الذاكرة الوطنية القومية في لبنان علي استعادة معاني الفرار الحاسم لجيش اسرائيل ـ الذي لا يهزم أبداً! ـ وخلال ساعات قليلة، من حصونه ومراكزه في تلال الجنوب وقراه ومدنه؛ فلقد بدأت مسيرة المقاومة المنتصرة منذ تلك الهزيمة النكراء علي أبواب بيروت بعد اجتياح جيوش اسرائيل بقيادة شارون لما يعادل نصف لبنان؛ كانت المقاومة فلسطينية لبنانية سورية التي جعلت من الاحتلال بعد غزوة شاملة في الخامس من حزيران 1982، رهاناً مستحيلاً، ومرفوضاً من (الشرعية الدولية). فاضطر شارون إلي الانسحاب حتي الجنوب الذي اعتصم به الاحتلال لعشرين عاماً قادماً. كان ثمن الانسحاب توقيع الاتفاق المعروف باسم السابع عشر من أيار؛ إنه الاتفاق مع حكومة رئاسة منقوصة السيادة والشرعية الكاملة، وتحت الاحتلال العسكري المباشر. كان النص الرئيسي يحقق المطلب الاسرائيلي المركزي، ويقوم علي تحييد لبنان، علي اخراجه نهائياً من جدلية الصراع الدائم مع اسرائيل. كان اتفاق استسلام بمعني الكلمة للوصاية الاسرائيلية. لكن المقاومة أسقطته قبل أن تجف حروفه. وبذلك ابتدأت مسيرة تحرير من نوع استثنائي لا تعرفه بقية الجبهات الأخــــري المستكينة.

غير أن لبنان اليوم لا يراد له الخروج النهائي من مصيدة الوصايات. استقلاله المتجدد تحاصره هذه المرة ما يُسمي الشرعية الدولية، وتسهر علي تكبيله يومياً سفارةُ أمريكا. ما تريده هذه الشرعية المسمومة هو أن يتخلي لبنان، أن (يتحرر) من أداة تحرره الوحيدة، أن يمنع المقاومة الوطنية المنتصرة، من التطور والنمو لتصبح مؤسسة لاستراتيجية دفاعية عن حاضر الوطن ومستقبله.

فأن يتبرأ لبنان من المقاومة، كما يريد له عدو الخارج والداخل، هذا يعني بكل بساطة أن يتنازل عن استقلاله وبدون مقاومة. ولكن هيهات..9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية