القاهرة ـ ‘القدس العربي’ من محمود قرني هكذا كتبت جماهير الشعب المصري نهاية لنظام الطاغية المخلوع حسني مبارك، إنها إرادة شعب عريق لم يكن ليستحقه هذا الكذوب، شعب أذله الفقر والقمع والمرض، لكنه أبي أن يظل بمقدراته العظيمة رهينة في يد مجرم سفاح ولص، فقرر أن ينتزع حريته إلى الأبد ليبني دولة المجد الذي زال بأيدي حكم العائلة غير الكريمة. العائلة التي زينت لمبارك أن مصر ميراث دان له ولسلالته من بعده، فتصرف بها كما يلهو أخرق بجوهرة لايدرك من عبقرية تكوينها شيئا. هكذا خرج المصريون إلى ضوء الشمس ليقولوا للعالم إنهم مازالوا أحياء، وأن تراث آلاف السنين لم ولن يكون هباء منثورا. إن صورة مصر مساء الحادي عشر من شباط/فبراير سوف تستعصي على كل وصف، ومع ذلك سيظل الحالمون بلحظة التغيير يتذكرون تلك الملامح التي اصطبغت بها وجوه المصريين أسفل أضواء ميدان التحرير، وكيف استعادت مصر روحها مع انطلاق شرارة الثورة في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير الماضي. من يصدق أن الموظفين في الدواوين الحكومية توقفوا تلقائيا عن طلب الإكراميات والرشاوى، من يصدق أن السائقين توقفوا عن استغلال المواطنين في أقصى ساعات الأزمة، من يصدق أن المصريين يعانق بعضهم البعض دون سابق معرفة، ومن يصدق أن المصريين عادوا لترديد مقولة مصطفى كامل ‘لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا’ بعد أن دفع نظام السفاح حسني مبارك الشعب إلى كراهية كل قيمة وطنية كانت محل اعتزاز المصريين جيلا وراء جيل. الثورة الآن أكبر من كونها تقصدت خلع رئيس فاسد، وأكبر من رموز نظام اعتمد على تغذية الطابور الخامس بدماء المصريين، بل هي تتعدى ذلك لتتحول إلى تعبير رفيع عن إرادة شعب قرر أن يعود إلى مقعد القيادة، شعب ملهم بتاريخه وحسه الحضاري، خرج الشعب ليقول باختصار: إن من أسسوا أقدم دولة في التاريخ مكانهم لابد أن يبقى في المقدمة أما من أرادوا لهذا الشعب أن يكون في المؤخرة فسوف يكون مكانهم في مزبلة التاريخ، وقد كان.
إن رموز النظام الفاسد الآن لا يجدون مكانا يؤويهم، ليس ثمة مكان آمن بالنسبة لهم. لقد حكي لي مصدر مقرب من الدوائر الحكومية أن أحمد عز، أحد كبار اللصوص وعشرات غيره من رموز النظام البائد، يتنقلون متنكرين إلى أكثر من مكان في اليوم الواحد، لأنهم لا يستطيعون تأمين حياتهم رغم أنهم يملكون عشرات القصور والشقق والفيلات، فما الذي سيفعله هؤلاء اللصوص بمئات المليارات التي سرقوها بعد أن أسرفوا في الولوغ في دم الشعب، إنهم يتمنون الآن السجن، فهو ربما أكثر الإقامات أمنا بالنسبة لهم ولنظرائهم.
هذا هو حكم التاريخ وحكم الشعوب التي لا يعرفها الأوغاد، هؤلاء الذين يتصرفون كضباع لا تشمم أنوفها سوى الرميم، هؤلاء الذين يسعون لمص دماء الشعوب حتى تتحول إلى جثة هامدة، يأكلونها فحسب، وهي على هذا النحو من الضعف والإعياء، لكنهم لا يملكون شجاعة المقارعة وفنون النزال، هم يتخفون خلف واجهات ناعمة وملساء ومكاتب فاخرة، وبزات أنيقة وشعر مصفف، وسحنات لامعة ‘مظفلطة’ ومع ذلك تظل رائحتهم الكريهة تسبق خطواتهم، تلك هي الرائحة التي ظل يشمها الشعب المصري طيلة ثلاثين سنة. لقد كتبت ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير نهاية لتاريخ الإنكشارية من المأجورين، ولتاريخ المماليك الجدد الذين أتوا من الرحم نفسه، لكنهم أرادوا لإخوتهم أن يكونوا عبيدا لإحساناتهم، أن يكونوا خدما في بلاط هم سادته.
وقد كان البلاغ الأخير عن حسني مبارك لحظة تاريخية تعني نهاية لثلاث حقب من الانحطاط والوضاعة واللصوصية، وبداية لعهد يصنع المصريون فيه مستقبلا يستحقونه ويستحقهم، إنها صرخة شعب يرى نفسه أجدر بمكانة تليق به بين الأمم، مكانة حال بينه وبينها جواسيس وخونة على رأسهم الرئيس المخلوع؛ الذي ظل متمسكا حتى اللحظة الأخيرة بمقعده حتى لو أدى ذلك إلى انقسام الجيش، حتى لوأدى ذلك إلى إبادة نصف الشعب.
جيش مصر العظيم.. ما كل هذه الأخلاقية.. ما كل هذه الحنكة؟!! تسربت أنباء مؤكدة عن أن مبارك رفض، حتى لحظاته الأخيرة، التخلي عن السلطة فهدده الجيش بالاعتقال والمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى. الرواية لا تحتاج إلى تأكيد. فالرئيس الذي أمر وزير داخليته بإطلاق الرصاص الحي على المحتجين، هو نفسه الذي طلب إلى الحرس الجمهوري النزول إلى الشارع لـ ‘مسح الشوية العيال دول’ حسب تعبير السفاح نفسه، لكن الحرس الجمهوري، فيما يبدو، رفض تنفييذ الأمر، من ناحية أخرى استبق الجيش، حرصا على الشعب، فنزل إلى الشارع لحماية أبنائه من سفاح يتغذي على الدماء. والأمر بالطبع لا يمثل دهشة، فمبارك لم يقدم التعزية لأهالي الشهداء، سوى بعد مرور ستة عشر يوما على رحيلهم برصاص جلاديه وسفاحيه الصغار، وقد بدت التعزية فعلا كريها بالنسبة له وقد شعر بها كل من تأذى بالاستماع إلى خطابه. اعتقد مبارك أن كل مؤسسات الدولة رهن مشيئته، وأن مهمتها الوحيدة حمايته وحماية فساد عائلته، لذلك بدا أخرق، وتصرف بذهول ديكتاتور أعماه اعتقاده بأنه نصف إله. ربما لذلك كانت معالجاته للأزمة متأخرة وبليدة جريا على عادته، فضلا عن صلفه وتعاليه ورغبته التي لا تخفي في التنكيل بشعب منحه ما لا يستحق. وعندما أشاع مبارك ورجاله أن الجيش إنما نزل إلى الشارع لتصفية الشعب؛ في الوقت الذي حاول فيه الطابور الخامس الإيقاع بين الجيش والشعب بشتى السبل، أصدر الجيش بيانه الأول ليؤكد على مشروعية مطالب شعبنا العظيم، حسب تعبير البيان، في الوقت نفسه أكد البيان على أن الجيش لم ولن يستخدم العنف ضد أي من أفراد الشعب وأن وجوده ليس إلا للحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة. رسالة الجيش كانت واضحة ولا تحتمل الالتباس، لكن اللص غير الظريف، تجاهل الرسالة وتمادي في غباوته وأنانيته، وأوعز إلى جهازه الإعلامي بالدس والشتائم والأكاذيب ضد نبل مقاصد الثورة ودماء شهدائها الأطهار. كانت بيانات الجيش المصري تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أننا أمام مؤسسة تنطوي على القوام الصلب للوطنية المصرية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان اختيارها للغة بياناتها والتوقيتات التي صدرت فيها يعني أنها على وعي عميق بأزمة مجتمعها، في الوقت نفسه كانت خطاها خلف خطا الشعب بحيث بدت مواقفها ليست إلا إنفاذا لإرادته كصاحب شرعية ثورية شكلتها خطاه على أرض الشارع في كل أرجاء الوطن، ومن ناحية أخرى بدت القوات المسلحة محافظة على الشرعية الدستورية ولم تتخذ أية قرارات تستهدف الانقلاب عليها قبل الأوان، من هنا منحت الرئيس المخلوع فرصته كاملة حتى دخلت البلاد إلى العصيان المدني وبدأت في الانهيار الكامل. وهكذا اتخذ الجيش قراره الذي تأخر ثمانية عشر يوما، منحازا لمطالب شعبه المشروعة، ضد إرادة النخاسين والقتلة من أبناء جلدته. بقي القول إن ثورة الشعب المصري العظيم ستكتمل عندما يرعي جيشها انتقالا سلميا للسلطة إلى رئيس منتخب في إطار دستور جديد وبرلمان يتشكل ممن يستحقون حمل أمانة الصوت المصري الحر في عصره الجديد. ‘اللهم اصرف عنا الغلاء والبلاء وأبو علاء ‘ هذا هو آخر الشعارات التي رأيتها في ميدان التحرير. كان ذلك قبل أن يعلن النائب عمر سليمان ‘تخلي الرئيس عن منصبه’ ربما بأقل من ساعة. كانت اللافتة تقبع على صدر صبي لم يتجاوز الخامسة عشرة، وكان الميدان يعج بالعشرات من اللافتات التي لا يملك المرء إلا أن يستلقي على قفاه من الضحك عندما يطالعها على صدور وبين أيدي الثوار صغارا وكبارا.
على الجانب الآخر من الرصيف كان رجل أشيب يحمل لافتة تقول لمبارك ‘لو كنت خيارنا الوحيد كنا قطعناك وعملناك سلطة’، وآخر كتب له ‘إرحل’ بالعبرية، ورابع كتب له ‘لو كان عفريت كان انصرف’ إلى آخر هذه التعليقات التي كانت تمثل نوعا من الهزل الذي يمثل تنفيسا مقبولا لدى المصريين في مواجهة مصير غامض وصعب لم يكن يعرف أحد مداه، ولم يكن باستطاعة أحد استشراف نهايته.
في الوقت نفسه كان الميدان يعج بالألم الحقيقي بعد أن علق الثوار صورا مكبرة لعدد من شهداء الثورة، وهم جميعا في بداية العشرينيات من أعمارهم، شبان في عمر الزهور تخرجوا للتو من المدارس والجامعات، وكل جنايتهم أنهم حلموا بمستقبل لا يهانون فيه، حلموا بوطن يشبه الأوطان، وطن لا يتحول إلى قفص كبير يقلم أظافرهم وأخيلتهم، بل يحولهم إلى خدم في بلاط اللصوص والخونة والجواسيس. لقد حانت ساعة الحساب ولا بد أن يمثل كل مجرم في حق هذا الشعب أمام العدالة. وقد بدأت بالفعل أسراب الجراد تتساقط، وعلى الأرجح سوف نرى في خبيئة مبارك ما يشيب لهوله الولدان.
اللاهثون خلف جائزة مبارك: خذوها ها هي جثة منتنة!! بين البيانات التي أصدرها المثقفون المصريون بيانا طالب بإلغاء اسم جائزة في العلوم والآداب تحمل اسم الرئيس المخلوع، ربما هي أكبر الجوائز المصرية ‘حيث تبلغ قيمتها حوالي ثمانين ألف دولار’. قال الموقعون على البيان ‘إننا نطالب بإلغاء اسم جائزة مبارك واستبداله باسم آخر يليق بكرامة شعب مصر العظيم وثورة 25 يناير المباركة بعد الجرائم التي ارتكبها رئيس مصر السابق مبارك بحق الشعب وشباب الثورة يوم سحب قوات الأمن من أنحاء الجمهورية وقيامه بإطلاق السجناء والمجرمين لترويع الأهالي الآمنين في بيوتهم بسائر المحافظات’. وأضاف البيان ‘لقد خدع الناس بخطاب كاذب في الوقت الذي أطلق البلطجية على المتظاهرين في ميدان التحرير واستخدام العنف بإفراط لإزهاق أرواح مئات الشهداء وإراقة دماء آلاف الجرحى.
في الوقت الذي دأب فيه جهازه الإعلامي وقادة الصحف القومية على تضليل الرأي العام ونشر الأخبار الملفقة للثوار في ميدان التحرير ومدن مصر لإضعاف التأييد الشعبى الواسع للثورة’. وقد وقع البيان عدد كبير من الكتاب بينهم: بهاء طاهر، وإبراهيم عبد المجيد، أحمد السيد النجار، عبد العليم محمد، محمود قرني، غادة الحلواني، سعد القرش، عصام زكريا، أسامة الرحيمي.
لماذا قبل جابر عصفور الوزارة ولماذا استقال؟!! أدهش البعض استقالة الدكتور جابر عصفور من منصبه الجديد كوزير للثقافة؛ بنفس القدر الذي أدهشهم عند قبوله له. فالرجل، حسب سيرة طويلة من الدفاع المسرف عن الحرية والعدالة والتنوع والتعدد، يقبل العمل في ظل رئيس قضى على المجتمع المصري وحطم قدراته وقتل أبناءه بالمرض مرة وبالرصاص الحي مرات ‘كان قد سقط في مصر حوالي مائتي شهيد عند قبوله المنصب’، والمدهش كذلك أن يوعز عصفور استقالته لأسباب صحية، كان ذلك قبل سقوط النظام بليلتين.
في صبيحة خلع الرئيس شرب ‘الوزير السابق’ حليب السباع، كما يقولون، وصار بإمكانه القول إنه استقال لأنه لم ير أملا في الإصلاح!! هل كان ثمة أمل!
؟ إن كان جابر عصفور قد نسي قولة شيخ المعرة، فمن واجبي، كواحد ممن كانوا يقدرونه، أن أذكره بها، يقول المعري: ‘يسوسون الأمور بغير عقل وينفذ أمرهم فيقال ساسة فأف من الحياة وأف مني ومن زمن رئاسته خساسة’.