أيام العمي
عزت القمحاوي أيام العمييستبد الشوق بي هذه اللحظة إلي طه حسين، ليس لأنه رحل في مثل هذه الأيام، بل احتياجاً إلي بصيرته في واقع يتفشي فيه وباء العمي إلي حد مذهل. ولكن قبل أن أكتب عنه أنوه أولاً بالتطوير الذي فاجأني به مسؤولو القسم الإلكتروني في القدس العربي أولئك الذين لايهدأون، وقد أضافوا إلي الموقع تقنية التعليق الفوري فأصابوني برعب العري!ولكي يعرف الأصدقاء الذين أرجوهم الرحمة في القادم من تعليقات ما أعنيه برعب العري، أُعرفهم أولاً وأذكر العارف منهم بأن الحكومة المصرية الرشيدة فقدت رشدها ذات يوم مما يكتب في القدس العربي ومنعت طبعتها الورقية من دخول البلاد، ورغم أن تلك الحكومة طورت بعد ذلك تقنيات الاستهانة بما يكتب إلي حد فتح السقف إلي آخره في الصحافة المصرية المستقلة عملاً بالقاعدة الذهبية (اكتبوا ما تريدون ولن نتغير) فإنها لم تعد النظر في قرار منع القدس ربما سهواً، وربما لأن عبدالباري عطوان رئيس تحرير هذه الصحيفة يقيم في لندن ولايمكن حبسه كإبراهيم عيسي أو وائل الإبراشي أومصطفي بكري الذين يقيمون علي الضيم في القاهرة كبقية أهلها.نهايته، ما أردت أن أقوله، أن منع القدس العربي من القاهرة حدد إقامتي في واقعها الافتراضي من خلال شبكة العنكبوت.. أكتب هذا المقال يوم الجمعة، وأرسله بالبريد الإلكتروني، وخلال ساعات، قبل أن تشرق شمس السبت أري ما كتبت ـ من جهازي المنزلي أيضاً ـ منشوراً علي موقع القدس . وهذا منحني طوال سنوات وهماً لذيذاً بأن مقالاتي لا تخرج من تحت يديّ، ولا يطلع عليها غيري. لكن تقنية التعليق وضعتني وجهاً لوجه وبشكل فوري مع القراء، فأعادت إليّ رعب الكتابة غير منقوص. إنه شيء أشبه بإزالة الجدار في المسرح، وقد فتحت مقالي أكثر من مرة هذا الأسبوع لأقرأ التعليقات عليه. ورأيت كيف عاملني برحمة وكرم الصديق الدكتور خليل فاضل استشاري الطب النفسي والكاتب متعدد المواهب.. أما الرحمة فبإعلانه الصريح عن هويته، وأما الكرم فبإطراء هو أهله ومستحقه. لكن باقي القراء احتفظوا بأقنعتهم فضاعفوا خوفي ومن فضولي أيضاً، شاعراً بأنني أقف أمام عين العدالة المعصوبة. سعدت بتعليقاتهم، وخاصة الصديق المغربي الذي صحح لي غلطة لغوية سرت علي لساني بحكم عادة النفس التواقة إلي الأخطاء، ولن أعيد هنا، إذ يستطيع القاريء الدخول إلي مقال السبت الماضي ليتفرج بنفسه علي خطأي وصحه. أعرف أن القراء الذين يخفون أسماءهم لايقصدون إخافتي بقدر ما يخلصون إلي قاعدة مرعية في غرف الحوار بالإنترنت. لكن يبقي أن هذه التقنية الجديدة من شأنها أن تغير من تقنيات الكتابة وترسي مبدأ الحوار في هذه الأمة التي أخرجت للناس لتبقي في الألفية الثالثة كارهة للحوار كراهيتها للعمي الذي تعانيه دون أن تدري.أعود إلي أكثر حالات كف البصر العربي إبداعاً، مزلزل السكون والجهل؛ طه حسين الذي شاء حظه الحسن أن يرحل عن دنيانا في السابع عشر من تشرين الاول/ أكتوبر 1973 وسط ضجيج الحرب، وأن تمر ذكراه دائماً أثناء صخب الاحتفالات بالنصر التي تخف بالتقادم، بل تتزايد كنوع من التعويض كلما أوغلنا في الهزيمة. وكأن القدر شاء ، بهذا التزامن بين النصر ورحيل عميد الأدب العربي، أن يحرم أرض النفاق من تحويل طه حسين إلي مناسبة سنوية لإلقاء المدائح البلاستيكية الصماء علي منصات تافهة. وقد تكفل عطاء طه حسين بحجز مكانه بين الأحياء طوال العام، حياً، فاعلاً، متجدد الدهشة، مخيفاً لعشاق الخرافة التي قاومها ببصيرة حادة وبقوة من يملك ثأراً شخصياً مع جهل أودي ذات يوم بنور عينيه. وقد شاءت الساحة الثقافية أن تمتثل لامتياز طه حسين الذي يتمتع به دون غيره من الراحلين الكبار، فتركت ذكراه تمر دون اعتساف احتفال خاص، لكن النظام في مصر شاء أن يحتفل بالذكري علي طريقته، من خلال تعديل بسيط أدخل علي شعاره الخالد، ليصبح (التعليم كالماء المعلب والهواء المفلتر حق للقادرين فقط)!ليس في الأمر نكتة؛ بل إن مشروعاً طرحه وزير التعليم العالي مؤخراً بدعوي تطوير التعليم الجامعي، وقد أصبح التطوير كلمة السر في كل مشروع للعصف بالفقراء. وقد سحبت الحكومة بساط المجانية شيئاً فشيئاً بالإصرار علي تجويع معلمي التعليم ما قبل الجامعي، مما أفرغ المدارس من مضمونها، وأفرخ ظاهرة الدروس الخصوصية، وجعل التفوق طبقياً لا يحصل عليه إلا من يقدر علي الدفع، وجعل مصر تنفرد بعجيبة جديدة بين الدول؛ حيث لايوجد بجامعاتها مكان للطالب الحاصل علي ثمانين بالمئة، أي المصنف في فئة الجيد جداً والامتياز طبقاً لكل المعايير التعليمية، ولم يكن هذا سوي خدمة جديدة للجامعات الخاصة التي تكاثرت كالفطر، لتحرم الأسرة المتوسطة من مدخراتها التي كان بإمكانها أن تنفقها علي ابنائها في ظل مصير البطالة المحتوم بعد التخرج! وهكذا لم تعد المجانية موجودة في الواقع، لكنهم شاءوا أن يؤكدوها تشريعياً في ذكري طه حسين بالذات؛ فالمشروع الذي يخططون لتمريره يهدف إلي تقنين تخلي الدولة عن مبدأ المجانية، من خلال التفاف يعطي الجامعة حق تقدير المصروفات التي تطلبها من طلابها نظير تقديم الخدمة التعليمية، وعلي الطالب أن يتدبر أمر المجانية في علاقة مباشرة مع الحكومة، وهو ما يعني العودة إلي تسول المجانية من حكومة لاتمتلك كفاءة ولانزاهة ولا وعي حكومات مصر الوطنية تحت الاحتلال. 0