عزت القمحاوي أكتب هذا المقال في فسحة قصيرة مساء الخميس، ولا أعرف ما يمكن أن يحدث في أكثر من أربـــــع وعشــــرين ساعة مصرية دامية بين الكتابة والنشر. بجواري التليــــفزيون يعـــــرض هجمات البلطجية على ميدان التحرير، في تواصل لمسعى غريب من نظام يحارب في معركــته الأخيرة دون شرف. ومبدئياً هناك خطأ يقع فيه الإعلام الموضوعي، ويمرره الإعلام الحكومي المصري بقصد، وهو اختصار مصر في ميدان التحرير. مصر كلها تغلي والميدان مجرد رمز ليس إلا، وتضحيات من يقفون فيه جزء من تضحيات الشعب في مختلف محافظات مصر. العالم كله يرى ما يجرى في الإسكندرية وغيرها من المدن، وخصوصاً السويس، المدينة الشهيرة بمقاومتها العنيدة للاحتلال الصهيوني منذ اليوم الأول لنكسة 1967 وصارت الآن المدينة الصامدة في مواجهة النظام المصري.
من باتوا في الميدان ليل الأربعاء طلع عليهم الصباح بيقين أن ما حدث لن يتكرر بعد أن رآه العالم. صور البلطجية بأسلحتهم وخيلهم وإبلهم التي هاجموا بها المحتشدين في الميدان عرضتها الفضائيات، لكن الصورة لا تقول كل شيء، الصورة تقدم لحظة ولا تعرض ثقل الزمن عندما يمر تحت الرعب الذي أكد طبيعة حكم العصابة. احتمال إبادة الآلاف في الميدان ظلت قائمًة طوال 12 ساعة متواصلة. والصور لا تقول كيف كانت دفعات المأجورين تتوالى دفعة وراء أخرى من دون أن يمنعهم أحد، كانوا يتغيرون لكن الصامدين في الميدان بلا نوم صدوا الهجمات ببطولات تفوق تصورات البشر. كيف استطاع العزل دقيقة بعد أخرى أن يلاحقوا حماية تسعة مداخل إلى الميدان يتم الهجوم منها تباعاً، حيث يتعرضون للهجوم من ثلاثة شوارع أو أربعة معاً، ولا يهدأون لحظة حتى يبدأ الهجوم من شوارع أخرى.
من المؤكد كانت هناك قيادة على مقربة من الميدان تدفع بهؤلاء. سيارات الإسعاف لم يتوقف صفيرها لحمل القتلى والإصابات الخطيرة، بينما كان الأطباء المتطوعون في الميدان يواصلون إسعاف الجروح البسيطة. ولم يطلع الصباح حتى كانت كل الرؤوس مجللة بالشاش والقطن المدمى.
خارج الميدان كان التردي المذهل في إجراءات النظام وخطابه وخطاب خدمه الإعلامي. تجاهل للأحداث وكأن الميدان صحراء خارج حدود الدولة، حتى مع استغاثات الفضائيات لوقف المجزرة طوال الليل، وفي الصباح كانت الأعذار على مستوى الذنب دناءة وفشلاً. مرة يقولون إن مقتحمي الميدان مؤيدون للرئيس ومن حقهم أن يعبروا عن رأيهم، لكن المظاهرة انحرفت بقدرة قادر لكي تصطدم بالمتظاهرين. هل تصل شيخوخة النظام إلى حد ألا ينتبه أن ادعاء كهذا من شأنه أن ينهي أية شرعية لمبارك، حتى لو غاب الطرف الآخر؟ كيف يستمر رئيس يحبه البلطجية إلى هذا الحد؟!
لم ينفع هذا العذر فكان الذي يليه أسوأ: هؤلاء استأجرهم بعض رموز الحزب وسيتم فتح تحقيق، وعلى الرغم من الاعتراف لم يتخذ النظام خطوة لوقف الاعتداءات وترك الميدان في الخميس تحت الترويع نفسه.
وفي الوقت الذي يعطي فيه رسالة مطمئنة من خلال منع وزير الداخلية السابق من السفر والوعد بفتح تحقيق في واقعة انسحاب الشرطة نجد أن عدم التواجد الأمني مستمر في ظل الوزارة الجديدة التي تسحب على المكشوف من رصيد لا تملكه.
نعرف منذ سنوات طويلة أننا نواجه نظاماً هو الأخطر بين دكتاتوريات المنطقة بسبب ثلاث سمات يتمتع بها: الرخاوة، التفكك، والتماسك. بالرخاوة يعمل على امتصاص الصدمات والتظاهر بتفهم الانتقادات والاحتجاجات ثم المراوغة والالتفاف لإفراغ كل دعوة إصلاح من مضمونها. بالتفكك أصبح كل موقع في الدولة مركز قوى مستقلا، وكان واضحاً أن فرصة القبض على الدولة قد فاتت مبارك منذ سنوات، من خلال بقاء أشخاص مثل حبيب العادلي شهدت حقبته كوارث أمنية أقيل وزراء داخلية محترمون قبله في حوادث أقل. وبالتماسك من خلال وحدة المصلحة والمصير الشخصي بين رموز النظام استطاعت مراكز القوى أن تتعاون في خدمة عدم التغيير، وها هي تحارب الآن بمعركتها الأخيرة فيلتقي بلطجية الداخلية مع بلطجية رجال الأعمال والحزب، كما يلتقي أداء الوزارة الجديدة مع القديمة.
وقد تمكن النظام بهذه السمات الثلاث أن يرشو نسبة لا بأس بها من المصريين، سواء من المافيا المسماة بـ ‘رجال الأعمال’ أو من المتحالفين معها في الإدارة والأمن والإعــــــلام بل ورجال الدين من خلال ما أسميتها هنا منذ ســــنوات طويلة ‘مرتبات التشكيل العصابي’ حــــيث اعتمد النـــظام سياسة للحوافز غير مسبوقة في التاريخ لرؤوس كل هيئة أو وزارة أو مؤسسة.
ونرى الآن كيف سقط الأمن أو سحبوه من المواجهة في اليوم الثالث للاحتجاجات بينما تستمر الميليشيات الإعلامية في تزييف حقيقة ما يجري في الشارع، والمزايدة على النظام بمطالبته بالحزم في مواجهة الاحتجاجات. وللأسف لا يظهر هؤلاء في التليفزيون الرسمي فقط، بل تستضيفهم الفضائيات العربية حتى المهنية منها بدعوى الحياد، حتى لا تكون التغطية من الجانب المعارض فقط. أظن أن هؤلاء تجب إضافتهم إلى أية قائمة للمتهمين بجرائم ضد الإنسانية في أحداث مصر. والأهم أن وجودهم ينبهنا إلى استحالة الإصلاح من دون تغيير طبيعة ملكية وإدارة الصحف الحكومية والتليفزيون بحيث تتحقق لها الاستقلالية، ولا يصح بعد اليوم أن يدفع المواطنون ضرائبهم لشراء الرصاص والكلام الذي يموتون به.
المهم أن ينتهي المخاض الصعب بشر أقل مما يبدو حتى هذه الساعة. صلوا من أجل مصر التي أثق أن محبتها لدى الأشقاء العرب لا تقل عن محبتنا نحن المصريين.