الياس خوري
كنت في تونس اتابع وقائع ايام قرطاج السينمائية، حيث تألق النوري بوزيد في فيلمه آخر فيلم وادهشنا فيلم ع السكت، الفلسطيني القصير لمخرجه الشاب سامح زوابي، واخذتنا الفرجة الي افلام افريقية وعربية، تصرخ بالازمة، وتعلن بحثها عن المعني في زمن موت المعاني. لكن قلبي كان هناك، في بيت حانون، حيث الايام الفلسطينية تلحض ايامنا العربية كلها، وتضعنا امام مرآة مصنوعة من الألم.
انها مرايا آلامنا الكبري، التي تجعل من كل متعة مجرد هامش للوجع، وتحيل كل سؤال الي السؤال الاكبر الذي له اسم واحد هو العجز.
علمتنا فلسطين، وعلمنا السؤال الفلسطيني ان لا نبحث عن جواب سريع. لا وجود لحل سحري لهذه المأساة مهما فعلنا. علينا اما التعايش معها، والاصابة ببلادة الاحساس وضمور المخيلة، او البحث عن وسيلة من اجل ان تتراكم فيها آلام التجربة، وتتحول الي طريقة حياة يومية.
وللأسف، فقد اختار العالم العربي بلادة الاحساس. والبلادة آتية من شعور بالعجز المطلق. اما ان نجد حلا سريعا الآن، او نغمض عيوننا وننسي، ونستعين بحكمة الصابون، قائلين: كله عند العرب صابون، اي لا شيء. يأخذنا العجز الي اللاشيء، ونتعايش معه ونقبله ونبرر الغياب باستحالة الحضور.
هذا الشعور بالحاح النتائج، والاصرار علي تجاهل الزمن، والبحث عن معجزة، هو مصدر الشعور بالعجز المزمن. نحن عاجزون لاننا لا نستطيع كسر الحدود وصولا الي بيت حانون، حيث تراق دماء الفلسطينيين ومعها تراق كرامة العرب.
هكذا نتحول الي مشاهدين ومتفرجين. بدل ان نكون شهودا نصير مشاهدين، وبدل ان نبحث عن الفعل، نبحث عن الفرجة، ثم ننسي، ونعود الي حكمة الصابون.
جلست ساعات طويلة في الصالة المعتمة التي تطل علي نافذة فضية ساحرة تدعي شاسة السينما. واكتشفت وانا اتدرج في معاينة الازمات والاسئلة التي طرحتها الافلام المشاركة في مهرجان قرطاج، ان كل العالم العربي هو بيت حانون. وان الدم قد يأخذ الوانا متعددة، لان المسألة ليست مواجهة الاحتلال فقط، بل هي مواجهة الذات اولا.
من هنا تصير فلسطين اكثر من نافذة علي الألم، تصير عينا داخلية، تسمح لنا بأن نري ما في دواخلنا، وان نبصر واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي، وان تكون كل معاركنا من اجل الحرية والتحرر، مداخل ممكنة لبيت حانون، ليس المطلوب ان نبلسم جرحا او ان نمد يد العون. المال العربي يهرق في كل مكان، ليس المال مطلوبا، بل الكرامة. هذه الكلمة الصغيرة التي نسينا معناها، وابتذلناها مع كل هذا الابتذال الذي يجتاح واقع العرب اليومي.
هل كان الامر مجرد مصادفة؟
هل كانت عتمة الصالة مدخلي الشخصي كي ابحث عن ضوء فضي اراه في البعيد، كأنه يقترب ويبتعد، ولا استطيع القبض عليه.
كنت في مهرجان سينمائي، لكني كنت اركض من الصالة الي غرفتي في الفندق كي اري فلسطين ولبنان. عجيب امر هذه العلاقة بين المكانين المختلفين/المتشابهين الي هذا الحد.
هنا وهناك، اي في تونس ايضا، حيث اكتب هذا المقال، قبل ان اعود الي بيروت، نشعر بالانسداد العميق، وبأزمة طاحنة كأنها اكبر من قدرة الشعبين، او كأنها تتحداهما وتهددهما.
فلسطين ولبنان، هما ارض المواجهة الكبري. هنا وهناك، قاومنا الاحتلال بينما كانت انظمة الساعة العربية المنقلبة، تتفرج علينا، وتفاوض من خلف ظهورنا، وباسم دمنا. وهنا وهناك، نجد انفسنا وسط ازمة داخلية طاحنة، ليست سوي انعكاس مباشر للعجز العربي، ووحشية الانظمة، التي لا تري في الشعوب سوي قرابين دموية، علي مذبح الدكتاتور او الانظمة المافيوية.
لكنني كنت اخرج من العتمة الي العتمة. عتمة الفن كانت تحمل شيئا من الضوء، اما عتمة التلفزيون فلم تكن تحمل سوي الخراب. فنانو العالم العربي وافريقيا الذين حملوا الي مهرجان قرطاج السينمائي، اسئلتهم الابداعية المرسومة بضوء العيون، كانوا اقرب الي الامل، من سياسيي الزمن العربي، الذين لا يبشرون شعوبهم سوي عبر اجبارهم علي الاختيار بين المصير العراقي او بقاء الدكتاتورية.
ضوء الفن قال بان الحكاية طويلة. وان الوصول الي بيت حانون من اجل ان نلملم الدماء، يمر باختراق عتمة الواقع العربي، عبر تسمية الاشياء. آن لنا ان نقول للغول العربي الذي يتحكم بمصائرنا بانه غول، وان عليه ان يرحل، كي لا يسقط كل شيء في قبضة الفوضي.
رأينا في بعض الافلام ارواحنا الممزقة، وذهبنا معها في رحلة الي الانتظار، بحسب عنوان فيلم رشيد مشهراوي، او تساءلنا عن معني هذه الدنيا حين رقصت حنان الترك لموت بطلة فيلم دنيا، الروحي والجسدي.
لكننا بقينا معلقين الي آلام بيت حانون. هذه القرية الفلسطينية صارت الاسم السري لكل قري العرب ومدنهم. هناك، اي هنا، نكتشف الظلام، ونعاني الموت، ونسكت.
ان سكوتنا المزمن ليس بسبب عجزنا عن التضامن. انه سكوت من لا يصنع شيئا في المكان الذي يعيش فيه، لانه يعتقد واهما ان بيت حانون مجرد صورة في المحطات الفضائية.
بيت حانون هنا، وهي تدعونا الي اكتشافها في اعماقنا.