مراد القادري 1. سيجمَعُ كلٌّ منّا حقيبتـَه هذا المساء استعدادا لرحلة العودة. هكذا خاطبتُ نفسي وأنا أغادرُ زقاق ‘تل الحجارة’ حيثُ يوجد رواق النحّات السّوري المتميّز مصطفى علي، الذي احتضن لمدّة أسبوعٍ كامل الورشة التدريبية المنظّمة من قبل مؤسسة ‘المورد الثقافي’ الخاصة بالإدارة الثقافية. الوِجْهةُ فندق برج الفردوس، الكائن وسط دمشق، والقريب من فندق الشام بلاص.
في يوم الافتتاح، حرصت رغم ضِيق الوقت، على الوقوف لحظات أمام هذا الفندق عـلّني أفـُوز بنظرة إلى هيفاء وهبي التي علِمت أنها تشارك في فعاليات مهرجان دمشق السينمائي الثامن عشر. جمهورغفير يقـِف على مقربة من الفندق. تصِل السيارات تباعا ليلتحق بها فنانون سينمائيون وضيوف عرب وأجانب حلّوا في دمشق ليشاركوا في المهرجان. وجوهٌ تخرج وأخرى تدخل. لكن طيف هيفاء وهبي لم يظهر بعد. يخرج الفنان المصري سمير صبري. أرى المخرج السوري نجدة إسماعيل أنزورالذي ركـَن سيارته بالقرب من الفندق الذي نقيم فيه. كان يتحرك رفقة حارس أمن شخصي ما أكـّد الكلام الذي تردّد في الصحافة العربية حول تهديدات بالقتل تلقاها عقب فتوى بئيسة تهدر دمَه.
ألتحق بالغرفة. أتابع بعض لحظات الافتتاح عبر التلفزيون… ثم أغادرها لأجاور، من جديد، فندق بلاص الشام وأنا أردّد: ليك الواوا، بوسْ الواوا، خلّي الواوا يصحْ.
تلك فرصة أولى ضائعة.2. كان ذلك قبل مُغادرتي لديوان السيد وزير الثقافة. جاءني صوتُها متفائلا بمشاركة المغرب في مؤتمر السياسات الثقافية الذي كان مقررا انعقادُه في بيروت يومي 19 / 20 نيسان (ابريل) 2010. بذلتُ ما في وسعي من أجل ضمان حضور بلادي وتأكيد مشاركتها في هذا المؤتمرالأول من نوعه، الذي دعت إليه مؤسسة ‘المورد الثقافي’ بهدف وضع أسس جديدة للسياسات الثقافيّة في العالم العربي ومناقشة التقرير الهام الذي تم إنجازه من قبل باحثين عرب حول هذه السياسات وتحققاتها في ثماني دول عربية، من بينها المغرب.
أنهينا كافة ترتيبات السفر وافترقنا على أمل اللقاء في مطار محمد الخامس للتوجه إلى بيروت للمشاركة في المؤتمر.
غير أن ما حدث لم يكن في الحسبان، سحابةٌ بركانية قادمة من إيسلاندا ستحُـول دون وصول عددٍ وافر من المشاركين في فعاليات هذا المؤتمر، ممّا سيدفع بمنظميه إلى الإعلان عن تأجيله إلى شهر حزيران (يونيو) 2010. وقتَها سيحضرالمغرب بتمثيلية من الدرجة العاشرة، وسيتعذرعليّ اللقاء بالصوت المتفائل الذي كان يصِلني عبر الهاتف، وبصاحبته: بسمة الحسيني.
وتلك فرصة ثانية تضيع…3. اليوم، الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2010. المكان: دمشق. يُمكنُ لي مُصافحة بسمة الحسيني والاستماع إلى الصوت الذي كان يَصِلني عبر الهاتف، مُشدّدا على حضورٍ لم يُكتبْ له في بيروت ليتحقّق في دمشق.
قد تكون المناسبة مختلفة والسياق مغايرا. ففي لقاء بيروت، كنا سنُحسَب على المسؤولين الثقافيين الرسميين، الذين قد لا يُنظر إليهم بعين الرضى. أمّا هنا، فلست سوى فاعل ثقافي، عمل لأزيد من عقدين في الحركة الثقافية والجمعوية المغربية، مراكِما بعض الخبرات والتصورات حول الشأن الثقافي المغربي وسبل تطويره والنهوض به. ابتداءً بخطوي في جمعية ‘الشعلة’ التي نفخر بأن رئيسها السابق يوجد اليوم على رأس الشبكة الأورومتوسطية للمنظمات غير الحكومية، كان لي أنا القادم من مدينة سلا، رفقة زملاء وأصدقاء آخرين، أن نقترح تصورا للتنشيط الثقافي، حقق نجاحا باهرا لـ ‘الشعلة’ وضمن لها موقعا رياديا في المشهد الجمعوي المغربي أواخرالثمانينيات وطيلة عقد التسعينيات من خلال سلسلة الملتقيات الثقافية والفكرية التي تمّ إطلاقها، آنئذ، وعلى رأسها ملتقى الشعر في مدينة سلا، وصولا إلى تجربة ‘بيت الشعر في المغرب’ إلى جانب كفاءات ثقافية وأكاديمية وشعرية مشهود لها بالخبرة والرصانة: محمد بنيس، عبد الرحمان طنكول، حسن نجمي، نجيب خداري وآخرين ممّن شملهم الأفق الرحب الذي انتمَت إليه مُمارستي الثقافية المؤمنة بدور وحيوية الثقافة في التنمية المجتمعية.4. لا أعرف أشواق شلخة… التقيت بها لأوّل مرّة في المطار ونحن نستعِدّ للسفر إلى دمشق… تعارفنا. وتبادلنا بعض المعلومات الافتراضية عن الدورة ومُمكناتها… لكن… كيف تأتّى لنا أن ننتبه، سويّة، إلى ما تُمثّله علاقتُنا بجارنا الإسباني من أهمية في وعينا وذاكرتنا ماضيا وحاضِراً؟ سؤال طرحته على نفسي وأنا أكتشفُ النقط المشتركة التي ألـّفت بين مشروع الباحثة أشواق شلخة من المغرب والمشروع الذي تقدّمت به أنا الآخر إلى مؤسسة ‘المورد الثقافي’ لنيل فرصة المشاركة في ورشة الإدارة الثقافية.
ينهض مشروع أشواق شلخة على فكرة تنظيم رحلة ثقافية وترفيهية لمجموعة من الشباب المغاربة والإسبان بواسطة الدراجات الهوائية، يجتازون خلالها الطريق الذي قطعه الموريسكيون في رحلة طردهم من الأندلس ووصولهم للاستقرار في شمال المغرب. وإذا كان مشروع الزميلة يروم الاحتفال بالذكرى الأربعمئة لطرد المسلمين من الأندلس، فإنّ المشروع الذي تقدّمت به كان يهدف إلى الاحتفال بمرور 13 قرنا على الوصول العربي إلى الأندلــس(711- 2011 ). مشروعان يتّكئان على مناسبة تاريخية لينطلقا منها نحو صَوغ ِعلاقة جديدة للجاريـْن المغربي والإسباني، تكونُ فيها للثقافة والفن الكلمة الأولى. حمَل مشروعي اسم ‘أندلسيات’. لقد أردته مجموعة من اللحظات الثقافية والفنية لإعادة تركيب الذاكرة المغربية ـ الإسبانية المشتركة دون السقوط في فخ الحنين أو النوستالجيا أو التباكي على الأطلال. مشروعٌ معني بالحاضر وبالمستقبل أكثر من التفاته إلى الماضـــي وإلى الدور الثقافي والحضاري الذي لعبته الأندلس في مسار الحضارة الأوروبية والإنسانية.
لقد فعلتِ الذاكرة فِعلها في المشروعين معا. وتبيّن أثـرُ التاريخ و الجغرافيا في الأفكار والمشاريع الثقافية التي قدّمها الغرب الثقافي (المغرب) إلى هذه الورشة، الأمر الذي ربّما لم يحضر في مشاريع الشرق الثقافي (مصر، سورية، الأردن…).5. كلَّ صباح ننزل إلى مقهى ‘هافانا’. علي خنّوف، الجزائري القادِم من قسنطينة وأنا.
نطلبُ حليبا ساخنا، قبل أن نُضيف إليه ‘نسكافيه’ التي حملتها معي من المغرب. أطلب منه أن يشغـّل هاتفه النقال على بعض الأغنيات الشعبية الجزائرية. عبـْرها، نكون قـريبيْن من بعضنا بعـضاً: هو الجزائري القادم من جبال الأوراس، وأنا المغربي سليل جبال الأطلس.
اكتشفتُ على هاتفه النقال أغنيةً شعبية للمطرب الجزائري الهاشمي الغروابي، لم تكن سوى القصيدة الملحونية الشهيرة ‘السلوانية’، التي تتغنّى بجمال مدينتي سلا، التي تركتها هناك نائمةً جنب ضفة وادي أبي رقراق، ومطلعُها:
خرجوا الأبكار يُوم الجمعة لسواحل البحرْ بْ الآلة ونغايم الوتـَر حافُوا للزخارْ شوفْ مدينة سلوان زاهرة ْاعترفتُ له بأن المطرب الجزائري غنّاها بطريقة أحلى من الطريقة التي وردت بها في مدونة الملحون، على الرغم من كونها قصيدة مغربية تتغنّى بجمال مدينة مغربية، كـُتب لي أن أولد بها. كنّا، علي وأنا، نتحدّث لغة واحدة، وننتمي إلى وجدان مُشترك، صاغه الشاب خالد، عبد الهـــــادي بلخياط و الشيخ العنقا: قصائد الملحون والطرب الغرناطي. كانت الحدودُ بيننا مفتوحة ومُشرعة على اختلافنا وتنوعنا الثقافي والفني، في الوقت الذي تستمِرّ فيه الحدود الجغرافية مسدودة ومقفلة، تنتظر قرارا سياسيا قد لا يأتي أبدا…. كلّ صباح، في مقهى ‘هافانا’، قربَ ساحة يوسف العظمة في دمشق، نتناول فطورنا، علي خنوف، المشارك الجزائري الوحيد في ورشة الإدارة الثقافية وأنا، معلنين بذلك انتصارنا على ما يـُفرّقنا.
عندما نعود إلى الفندق لنستقـِلّ منه الحافلة إلى مكان الورشة. تكونُ الآنسة نسمة هركي منهمكة في إيقاظ المشاركين والمشاركات. ينزل الفلسطيني ناجي الناجي من غرفته، يسأل: ـ كنت في هافانا يا مراد؟
أجيبُه: – طبعا. إنّ هوايَ كـُوبـِي.
لم تكن مقهى ‘هافانا’ التي لا تبعد عن مقر سُكنانا إلا بمسافة قصيرة من اكتشاف هذه الرحلة. لقد سبق لي، رفقة كوكبةٍ من الشعراء المغاربة: ثريا ماجدولين، محمد بودويك، عبد السلام الموساوي وأحمد هاشم الريسوني، الجلوسَ فيها والتمتع بمشروباتها ونرجيلتها المدوّخة. كان ذلك سنة 2006 لمّا قدِمنا دمشق، مـوفدين من بيت الشعر في المغرب، لحضور احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية.
إنها مكان ثقافي وشعري بامتياز. لذلك حرصت على أن أستمِدّ، كل ّ صباح، بعضا من روح هذا المكان الذي جلس فيه يوما كبار الشعراء والكتاب العرب: بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، محمد الماغوط.
لعل تلك الروح تنفعني في درب هذه التجربة التكوينية والثقافية الهامّة التي تتيحُها لنا مؤسسة ‘المورد الثقافي’.6. قلت لهم: – ستنجح ورشة الإدارة الثقافية لمّا تجد امتداداتِها الفعلية على أرض الواقع الثقافي. – ستنجح الورشة لمّا ننجح في إنزالِ كافة الخطط والمشاريع التي حلمنا بها، وأجرأتِها وفق الأهداف العامة والمحدّدة التي وُضعت لها.
ـ ستنجح الورشة لما تنجح السورية ‘غيفارا نمر’ في نقل العدوى التي غمرتنا في دمشق إلى الشباب والشابات التي تحلم بتأهيلهم وتدريبهم على الانخراط في تدبير الحدث الثقافي بنجاح. ـ ستنجح الورشة لمّا يجد حمدي زيدان من مصر مموّلا لمهرجانه الفني والموسيقي الخاص بإحياء تراث سيد درويش. آنذاك، يمكنه أن يغني: ‘موّلوني كل سنة مرّة ‘بدلا من ‘زوروني كل ّ سنة مرة ‘. ـ ستنجح الورشة… وقد نجحت حقّا.’ شاعر من المغرب