يُعتبر الإنتاج الثقافي في العالم العربي نشاطاً خاسراً من الناحية المالية على الأغلب، لدرجة لا تستطيع معها حتى أكثر المؤسسات الثقافية شهرةً، من صحف كبرى ودور نشر ومسارح عريقة، الاستمرار دون دعم مادي من جهات متعددة، يأتي غالباً بشروط أيديولوجية ثقيلة، ما يجعل الثقافة العربية بأكملها تعيش في حال أقرب للإنعاش الصناعي. ويُلام منتجو الثقافة ومستهلكوها عادةً على هذا الوضع، فالمثقفون لا يقدمون أعمالاً صالحة للتسويق الواسع بين الجمهور، والمتلقون لم يتعوّدا بعد على إنفاق جزء من دخلهم على المنتجات الثقافية، كما يحدث في الدول الأكثر تقدماً، ويتابعون ما هو مجاني أو مقرصن. يرتبط هذا عادةً بمقولات مكررة، مثل «العرب لا يقرأون» أو «انحدار الذائقة الثقافية العربية».
يمكن التشكيك بهذا التصوّر لأسباب متعددة، أهمها أن نموذج المثقفين، الذين يقدمون أعمالاً تلاقي صدى مباشراً لدى المتلقين، وتحثهم على إنفاق أموالهم استحساناً لها، قد يبدو أنسب للفرق الفنية الجوّالة في العصور الوسطى، التي كانت تتنقّل بين القرى لتسلية الفلاحين، مقابل ما تيسّر من أعاطيهم البسيطة، أكثر من مناسبته لشروط الإنتاج الثقافي الحديث، الذي لا يتم إلا من خلال بنية تحتية معقدة من المؤسسات الثقافية، التي تجعل اللقاء بين منتج الثقافة ومتلقيها غير مباشر، بل يجري بتوسط شبكة كثيفة من العناصر، تصنع «الذائقة العامة» وعادات الاستهلاك الثقافي، وأهمها منافد النشر والعرض؛ الدعاية والإعلان للعمل الثقافي ومنتجيه؛ التعليم العام والتخصصي؛ والأيديولوجيا السائدة عموماً، التي تصوغ الحس السليم للمتلقين.
بناءً على هذا لا يمكن فصل الأيديولوجي والسياسي عن التجاري، حتى عند الحديث عن الأعمال الثقافية الرائجة جماهيراً، فالمؤسسات الثقافية لا تكتفي بإعطاء الجمهور ما يرغب، بل تخلق على الأغلب أذواقه وتفضيلاته، عن طريق ربط منتجاتها بقيم أو أنماط حياة أو بيئات اجتماعية مرغوبة، وهكذا فعندما يدفع المتلقون المال للاشتراك في منصة إلكترونية ما، أو لشراء تذاكر لعروض موسيقية أو سينمائية، فهم لا يتّبعون فقط أذواقهم ورغباتهم واهتماماتهم الخاصة، بل يسلكون ضمن البنية السائدة في عصر ما للثقافة الجماهيرية، وهي بنية سياسية وأيديولوجية أساساً.
مشكلة الإنتاج الثقافي العربي إذن ليست على الأغلب «حضارية» بالمعنى الثقافوي السائد للمصطلح، بقدر ما هي مشكلة سياسية/بنيوية، تتعلق بالمؤسسات القائمة، والأجهزة الأيديولوجية للدول المعاصرة، والنمط الاقتصادي السائد. فما أكثر الشروط البنيوية للإنتاج الثقافي العربي إثارة للاهتمام؟ وكيف تحكم تعاطي منتجي الثقافة مع أعمالهم؟
لا جدوى الصناعة
يمكن رصد ثلاث جهات أساسية داعمة للإنتاج الثقافي العربي، أولها الدول الوطنية التقليدية، التي رعت لسنوات طويلة، عبر وزارات الثقافة و»الإرشاد القومي» عمل الفنانين والأدباء، لأغراض أيديولوجية مباشرة، وتراجع دورها تدريجياً مع اضمحلال نموذج دولة ما بعد الاستقلال العربي، ورغم الضغط السياسي الشديد للدعم المقدم من هذه الدول، واضطهادها لكثير من منتجي الثقافة، فإن معظم ما نعتبره حالياً أعمالاً ثقافية حداثية كلاسيكية، جاء نتيجة اهتمامات السلطات العربية بتحقيق تصوّرها الخاص عن تنوير رعاياها؛ ضعف الدول الوطنية ساعد على بروز ما يمكن تسميته الدعم العربي العابر للحدود، الذي ظهر بعد الفورة النفطية في دول الخليج العربي، وعملها على تأسيس منابر ثقافية جيدة التمويل، داخل العالم العربي وخارجه، استقطبت كثيراً من المثقفين العرب، وجعلتهم دوماً تحت الاتهام بتنفيذ أجندة هذه الدولة الخليجية أو تلك؛ أما الجهة الثالثة للدعم فهي مؤسسات مُموّلة من دول غربية، عملت على نموذج «الناشط» أكثر من «المثقف» من خلال دعم عدد من المنظمات غير الحكومية، لأغراض تتعلق بنشر «ثقافة الديمقراطية» أو تمكين بعض الفئات المهمشة في المجتمعات العربية، وهو دعم يبدو أكثر قبولاً بين عديد من المثقفين العرب، نظراً لاندراجه ضمن أيديولوجيا عالمية، تُعتبر مناهضة للاستبداد.
لا يوجد إنتاج ثقافي متحرر من أي قيد، ويمكن اعتبار الرقابة وأجندات السلطة جزءاً مكوّناً لأي قول ثقافي أو سياسي ممكن، مهما كان معارضاً لها، وربما كان الانتباه إلى هذا مدخلاً أساسياً لنوع من التمرد الثقافي العربي، الذي قد يحقق بالمحصّلة قطيعة مع البنى القائمة.
ما يجمع هذه الجهات الثلاث، على اختلاف حضورها وقدراتها التمويلية، أسلوبها المباشر في تنفيذ أجنداتها الأيديولوجية، بدلاً من الاستثمار في تطوير بنية تحتية لصناعة الثقافة في العالم العربي، تؤسس سوقاً من المستهلكين، المستعدين لشراء المنتجات الثقافية، لا انتظارها مجاناً، ما يطرح أسئلة عديدة عن سبب هذا الكسل في الاستثمار الثقافي، رغم أن بناء صناعة ثقافية قد يخفف الأعباء المالية عن الداعمين، ويحقق لهم مرابح كبيرة، مع تحقيق غاياتهم الأيديولوجية في الوقت نفسه. ربما كان الاحتمال الأول للإجابة انغلاق الحيز العام في العالم العربي، فسوق ثقافية نشيطة تتطلب حداً أدنى من إمكانية النقاش الاجتماعي، وهو ما لا توفّره السلطات السياسية والاجتماعية والدينية العربية؛ الاحتمال الثاني الارتباط المباشر للمؤسسات الثقافية الداعمة بدول وسلطات سياسية، ما يجعل القائمين عليها أقرب لموظفين بيروقراطيين محدودي الأفق، من كونهم مديرين ثقافيين يمتلكون خبرةً في مجالهم، وأكثر ما يهمهم هو تقديم بيانات للجهات التي توظّفهم، عن ميول الأعمال التي دعموها؛ إلا أن كل هذا لا يفسّر وحده أسباب رثاثة أساليب الدعم، ما يُبرز احتمالاً إضافياً، وهو نزوع تربوي شديد التعالي تجاه الجمهور العربي، الذي يُنظر إليه بوصفه متلقياً سلبياً، يجب دوماً تدريبه على قيم معينة، للوصول إلى حالة من النضج، قد تؤهله في ما بعد ليصبح جمهوراً في مجتمع مدني ناشط ثقافياً.
لا يعني هذا أن النزعة التربوية غير حاضرة في الدول ذات السوق الثقافي المزدهر، لكنّ مستهلكي تلك الدول يُعتبرون ذواتاً قانونية كاملة الأهلية، بمعنى أنها قادرة نظرياً على اتخاذ قرارات، تُعتبر عقلانية، حول أنماط إنتاجها واستهلاكها، في المجال الثقافي وغيره، أما الجمهور العربي فلم يبلغ هذه المرحلة بعد، ولا بد من تأهيله أولاً ليصل إلى صفة الذات القانونية المكتملة، وبعدها يمكن محاولة استمالته أيديولوجياً في سوق أكثر حرية، وربما كان هذا المنطق الضمني ما يجمع بين مسؤول بيروقراطي في وزارة ثقافة عربية؛ وموظف في منظمة غير حكومية، مدعومة من الاتحاد الأوروبي.
تفتيش النوايا
عندما يضطر منتجو الثقافة العرب للعمل ضمن هذا الشرط الدوني، يغدو من الطبيعي أن يحاولوا قدر الإمكان تحقيق شروط مموليهم، دون كثير من الاعتراض، فلا هامش كبير لديهم للتفاوض، دعك من أنهم يعانون من ضغط شديد، نتيجة منافسة «جيش عمل احتياطي» من منتجي الثقافة المُعطّلين عن العمل، وبذلك يصبح السعي الثقافي الأساسي هو البحث عن رعاة قادرين على منح الأموال، وتنفيذ أولوياتهم بشكل حرفي، أكثر حتى من الاهتمام بالأسلوب الأمثل للدعاية الأيديولوجية بين الجمهور.
الضغط الآخر، الذي يتعرّض له العاملون في المجال الثقافي العربي، هو التفتيش في نواياهم، من قبل عاملين آخرين، يتّبعون أجندات جهات منافسة، ما يجعل جانباً أساسياً من الإنتاج الثقافي ميداناً لتراشق مبتذل للتهم، والبحث في الدوافع الخفية لكل قرار يتخذّه المنتجون. لا مجال هنا لنمط من «الشكلانية» التي تنظر إلى العمل الثقافي بوصفه بنية لغوية أو رمزية مغلقة، تكتسب معناها وجمالياتها من نسقها ذاته، بل هنالك دوماً سؤال بوليسي، قد لا يكون مُتجنّياً تماماً: «خدمة لمن ارتكبت هذا العمل؟». وربما يناسب هذا أيضاً نمط الفضاءات العمومية في العالم العربي، المقطّعة والمغلقة دوماً بمختلف أشكال الحواجز الأمنية، سواء المادية المباشرة منها أو الرمزية.
اكتشافات التمويل
إلا أن هذا الوضع البنيوي الصعب للإنتاج الثقافي لا يعني حتماً أن عامليه العرب مضطرون للارتزاق والرداءة، فهو قد يوفّر فرصاً غير متوقّعة لاتخاذ مسافة عن الأيديولوجيات المتصارعة، ليس فقط في الحقل الثقافي العربي، بل ربما على صعيد عالمي، تُمكّن من صياغة رؤى كاشفة عن الشرط التاريخي والسياسي الراهن. عندما يكون الممولون واضحين في شروطهم، ويطلبون بفجاجة دعم سياسة ما، أو الهجوم على جهة معينة، أو تمكين فئة مهمشة، فهذا يجعل أجنداتهم المكشوفة قابلة لكثير من التلاعب المبدع، سواء عبر المحاكاة الساخرة، أو النقد المبطّن، أو إنجاز أعمال تبدو سطحياً ملائمة لمطالب الممولين، لكنها فعلياً متحررة من أفقهم المحدود. وربما كان عمل فناني وأدباء عصر النهضة الأوروبية، ومقاومتهم متعددة الأساليب لقيود وتعليمات الكهنة والأمراء، نموذجاً ممتازاً للفرص التي قد توفرها الرقابة والتمويل المشروط للمبدعين، إذا أرادوا فعلاً التعامل مع عناصر عالمهم، وفهم شروطه الأيديولوجية، مهما كانت قاسية، لتحويلها إلى مواد أساسية للعمل الثقافي.
لا يوجد إنتاج ثقافي متحرر من أي قيد، ويمكن اعتبار الرقابة وأجندات السلطة جزءاً مكوّناً لأي قول ثقافي أو سياسي ممكن، مهما كان معارضاً لها، وربما كان الانتباه إلى هذا مدخلاً أساسياً لنوع من التمرد الثقافي العربي، الذي قد يحقق بالمحصّلة قطيعة مع البنى القائمة.
كاتب سوري